المسار: تشهد الضفة الغربية المحتلة واحدة من أخطر المراحل السياسية والأمنية منذ عام 1967، حيث يتصاعد إرهاب المستوطنين إلى مستويات غير مسبوقة، وتحول من اعتداءات فردية إلى سياسة ممنهجة وعصابات منظمة ومحمية بقوة جيش الاحتلال، وبغطاء سياسي مباشر من أركان الحكومة الإسرائيلية الأكثر تطرفاً (مثل بن غفير وسموت ريتش). هذا الواقع لم يعد يهدد فقط مقومات الحياة اليومية للفلسطينيين وقدرتهم على الحركة والوصول إلى أراضيهم، بل يهدف إلى حسم الصراع جغرافيًا وديمغرافيًا، من خلال فرض السيطرة على الأرض وإجبار الناس على الرحيل والهجرة في ظل شلل كامل للمنظومة السياسية الفلسطينية التقليدية.لم يعد المستوطنون يتصرفون كـ “خارجين عن القانون” بمفهوم الاحتلال، بل أصبحوا هم “القانون” المحمي بقوة جيش الاحتلال والمدعوم من الحكومة اليمينية المتطرفة التي يسيطر عليها وزراء مثل سموتريتش (المسؤول عن الإدارة المدنية في الضفة) وبن غفير (المسؤول عن الأمن القومي وتسليح المستوطنين)، تحولت الميليشيات الاستيطانية إلى ذراع تنفيذي غير رسمي لجيش الاحتلال. بل الى أداة رسمية لدولة الاحتلال تنفذ سياساتها القاضية بعزل التجمعات الفلسطينية وتحويلها إلى كانتونات مغلقة. وفرض السيطرة المطلقة على المنطقة (ج) عبر تهجير التجمعات البدوية والرعوية. والعمل على الضم الفعلي للضفة الغربية دون إعلان رسمي.
تواجه السلطة الفلسطينية أزمة شرعية وبنيوية حادة. فقد تحول مشروع “أوسلو” الذي كان من مفترض أن يؤدي إلى دولة مستقلة، إلى سقف يكبّل الفعل الفلسطيني. على امتداد سنوات طويلة من عمر السلطة الفلسطينية تآكلت شرعيتها ولم تعد تمثل أكثر من أحد أدوات الاحتلال في العديد من الموضوعات، بل وصل الحد الى العمل بديلا عن الاحتلال ووكيلا له من اجل الحفاظ على الامتيازات الشخصية والوعد المزعومة والتي لم ترى النور على امتداد عمر السلطة والتي تشكلت بموجبة فئة قليلة تتحكم وتفرض أجندتها على الكل الفلسطيني، ليس المأزق السياسي وحده الذي يعاني منه شعبنا بل هناك المأزق الأمني المتمثل بوجود الأجهزة الأمنية الفلسطينية المحاصرة بالالتزامات السياسية والأمنية الناشئة عن اتفاقيات أوسلو وخطة “دايتون” لإعادة هيكلة الأمن، والتي ركزت على حفظ الاستقرار الداخلي ومنع المقاومة، _وخلقت عقيدة أمنية اقل ما يقال عنها لا تصلح لمرحلة التحرر الوطني _ وملاحقة المقاومين بحجج وذرائع لم تعد تقنع احد بل شكلت حاجزا منيعا بين هذه الأجهزة وعموم الشعب وخلقت هوة كبيرة بل شوهت النسيج الاجتماعي الفلسطيني وادت الى الفصل شبة التام حتى في العلاقات الاجتماعية بدلاً من ممارستها لدورها الوطني المتمثل بحماية المواطنين من اعتداءات المستوطنين وجيش الاحتلال.أدى هذا الدور، بالإضافة إلى غياب الأفق السياسي وتعطيل الانتخابات والحفاظ على الوضع القائم ، إلى فجوة عميقة وعدم ثقة بين الشارع والقيادة السياسية، حيث يرى الكثيرون أن العمل الوطني الرسمي أصبح “مفصلاً على مقاس فريق التسوية أي فريق أوسلو الذي لا يملك أدوات ردع حقيقية.
يمثل المشهد الفصائلي الفلسطيني اليوم أحد أبرز عناصر الأزمة الوطنية، ليس فقط بسبب حالة الانقسام السياسي، وإنما نتيجة التراجع الواضح في قدرة الفصائل على التأثير في مجريات الأحداث أو إنتاج مبادرات وطنية قادرة على تغيير الواقع. فبعد عقود كانت فيها الفصائل تمثل الحاضنة السياسية والجماهيرية للنضال الفلسطيني، باتت تعاني أزمة عميقة في الرؤية، وفي آليات العمل، وفي علاقتها بالمجتمع، الأمر الذي انعكس على مكانتها ودورها في قيادة المشروع الوطني. لقد أدى هذا التراجع إلى فراغ سياسي واستراتيجي استغله الاحتلال الإسرائيلي لتوسيع سياساته على الأرض دون أن يواجه جبهة فلسطينية موحدة تمتلك رؤية واضحة أو أدوات ضغط فاعلة. فاستمرار الاستيطان، وتصاعد عمليات الضم، وتهويد القدس، وإضعاف الاقتصاد الفلسطيني، وتفكيك المؤسسات الاجتماعية، لم تعد تقابلها استراتيجية وطنية شاملة، بل ردود فعل متفرقة يغلب عليها الطابع الإعلامي أكثر من كونها أدوات تأثير حقيقية.
تعيش الفصائل الفلسطينية (التقليدية والمعارضة) حالة من التكلس والعجز وكأنها خارج دائرة التأثير الفاعل عن إيجاد استراتيجية موحدة. فالانقسام المستمر بين الضفة وغزة، وغياب الرؤية المشتركة، حوّل الفعل الفصائلي في الضفة إلى ردود أفعال موضعية أو عمليات فردية/مجموعات محلية (كتائب المقاومة الناشئة) غير مؤطره في استراتيجية وطنية شاملة، مما يسهل على الاحتلال الاستفراد بكل منطقة على حدة، لم تتمكن الفصائل من إنتاج إجماع وطني حول أولويات المرحلة أو إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس الشراكة والديمقراطية. وبات الخلاف الداخلي يستهلك جزءاً كبيراً من طاقاتها، فيما بقيت القضايا المصيرية، كإعادة بناء منظمة التحرير، وإنهاء الانقسام، وصياغة استراتيجية موحدة للمقاومة والعمل السياسي، رهينة الحسابات الفصائلية الضيقة، الأخطر من ذلك أن هذا الواقع أسهم في اتساع الفجوة بين الفصائل والمجتمع، خاصة فئة الشباب، الذين باتوا يشعرون بأن النظام السياسي لم يعد يعبر عن تطلعاتهم أو يمتلك القدرة على مواجهة التحديات المتسارعة. ومع غياب التجديد القيادي، وتراجع الممارسة الديمقراطية، وانحسار المشاركة الشعبية، أصبحت الأزمة أزمة تمثيل وثقة، وليست مجرد خلافات سياسية.
إن استمرار هذا المشهد يمنح الاحتلال فرصة تاريخية لفرض وقائع جديدة يصعب تغييرها مستقبلاً، لأن غياب القيادة الوطنية الموحدة لا يضعف الموقف الفلسطيني فحسب، بل يفقد المجتمع القدرة على تنظيم طاقاته وتوجيهها نحو مشروع وطني جامع.لذلك، فإن المدخل الحقيقي للخروج من المأزق لا يكمن في إدارة الانقسام أو التعايش معه، بل في مراجعة وطنية شاملة تعيد تعريف دور الفصائل باعتبارها أدوات لخدمة المشروع الوطني لا غايات بحد ذاتها، وتؤسس لقيادة موحدة تستند إلى الشراكة السياسية، وتجديد الشرعيات، وصياغة رؤية وطنية متفق عليها، قادرة على توحيد الجهد الفلسطيني واستعادة زمام المبادرة في مواجهة أخطر مرحلة يمر بها الشعب الفلسطيني منذ عقود.
إن الخروج من هذه الحالة المركبة (المأزق) لا يمكن أن يتم عبر أدوات “أوسلو” أو بانتظار تغير في الموقف الدولي، بل يتطلب ثورة في المفاهيم وأدوات العمل الوطني من خلال إعادة تعريف دور السلطة الفلسطينية إذا كانت السلطة عاجزة عن حل نفسها أو إلغاء الاتفاقيات لاعتبارات معيشية واقتصادية للمواطنين وغير معنية باي تغيرات سياسية فإن الحد الأدنى المطلوب هو الانتقال من دور “السلطة الوظيفية” المقيدة بأمن الاحتلال، إلى “سلطة خدمية كفاحية” تدعم صمود المواطنين. كما أن عليها إعادة توجيه العقيدة الأمنية للأجهزة الفلسطينية ليصبح واجبها الأول والأساسي هو حماية الشعب الفلسطيني من تغول المستوطنين، والانفكاك التدريجي من التزامات التنسيق الأمني التي استباحها الاحتلال أصلاً. لم يعد كافياً إدانة اعتداءات المستوطنين واستنكار اعتداءاتهم، بل بات المطلوب هو بناء منظومة دفاع ذاتي عبر تشكيل “لجان حراسة شعبية موحدة” في كافة القرى والبلدات المحاذية للمستوطنات، تكون مدعومة وطنياً وفصائلياً، ومزودة بأدوات الإنذار المبكر والتصدي الجماعي. توفير غطاء سياسي ومالي لدعم صمود المزارعين والرعاة في المناطق المهددة (المناطق ج)، لضمان عدم إخلاء الأرض للاحتلال.
إن الخروج من مقاس “فريق أوسلو” والقيود التي فرضها يتطلب إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية لتضم كافة القوى الفاعلة على الأرض من خلال تشكيل إطار قيادي موحد يضم الجميع وصياغة استراتيجية كفاحية جديدة تكون قادرة على تجاوز صيغة الانقسام عبر خلق “قيادة ميدانية مشتركة” في الضفة الغربية تقود المواجهة الشعبية والسياسية أي قيادة وطنية موحدة تقود وتوجيه النضال الوطني وفق الاستراتيجية المقرة. والعمل على تبني دبلوماسية فلسطينية هجومية وفتح معركة في الساحة الدولية واستغلال الوجود الفاشي في الحكومة الإسرائيلية لتعزيز والعمل على عزلة الاحتلال دولياً وتفعيل المسار القانوني في محكمة الجنايات الدولية ومحكمة العدل الدولية لمحاكمة قادة المستوطنين وجيش الاحتلال بتهمة التطهير العرق جرائم الإبادة الجماعية مع التركيز على حركة المقاطعة الدولية (BDS) واعتبار المستوطنات ومنتجاتها ومنظومتها كياناً إرهابياً يجب فرض العقوبات عليه.
إن خطورة المرحلة الحالية تكمن في أن الاحتلال يسابق الزمن لفرض وقائع لا يمكن الرجوع عنها في الضفة الغربية. والمراهنة على بقاء الوضع الحالي أو انتظار معجزات دبلوماسية هو انتحار سياسي. إن الخروج من هذا المأزق يبدأ من الداخل الفلسطيني؛ عبر استعادة الثقة بالعمل الوطني من خلال التحام القيادة بالقواعد الشعبية، وتوفير أدوات الحماية والصمود، وتجاوز الخطوط الحمراء التي فرضتها الاتفاقيات السابقة، وتحويل كلفة الاحتلال والاستيطان إلى عبء لا يمكن لإسرائيل تحمله.
جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي صاحبها وليس عن رأي المسار الإخباري

