كتب سهيل كيوان : هل هو انقلاب عالمي لصالح القضية الفلسطينية؟

المسار : ما زالت المصالح تلعب دورًا كبيرًا في رسم القرارات السياسية، لكن من الواضح أن المسافة بين الحكومات والشعوب لم تعد كما كانت. فالجامعات، والنقابات، والهيئات الطبية، والمثقفون، والفنانون، وجماهير الرياضة، وحتى الكنائس، أصبحوا جزءًا من مشهد عالمي لا يمكن تجاهله.

أن تكون قضية فلسطين في مركز مظاهرة شعبية حاشدة في أحد أهم الاحتفالات الشعبية في إسبانيا؟!

أن ترى أعلام فلسطين بكثافة في مهرجانات شعبية، وشعارات ضخمة تندّد بالاحتلال وتدعو إلى معاقبته في مختلف المدن، في القارات السبع، وخصوصًا في أوروبا؟

قد تمرّ سنوات طويلة تتمسّك فيها الحكومات بمواقفها التقليدية، بينما يكون التحوّل الحقيقي قد بدأ في الشوارع، وفي الجامعات، وفي الملاعب، وبين الفنانين والمثقفين. وهو ما نشهده اليوم تجاه القضية الفلسطينية، ويعود هذا التحوّل إلى عدة عوامل، أهمها فقدان سيطرة الأبواق الرسمية على الإعلام مع صعود وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، التي تُظهر الحقائق، أو أجزاءً كبيرة منها، من غير رقابة الإعلام الرسمي الذي يخضع للحكومات، أو لتأثيرات اقتصادية وإعلانية، وجهاتٍ مالكة ومموِّلة، ولأحزاب تحمل مختلف الأيديولوجيات.

أصبحت القضية الفلسطينية موضوعًا حاضرًا في الضمير الإنساني لدى قطاعات واسعة من المجتمعات الغربية، وخصوصًا لدى الأجيال الشابة. وتتّسق هذه الأجواء الشعبية أحيانًا مع مواقف حكومات معيّنة مؤيدة للحق الفلسطيني، لكنها تفرض حضورها أيضًا على حكومات وأحزاب كانت تتخذ مواقف اللامبالاة، وحتى التواطؤ، تجاه القضية الفلسطينية.

لم يبقَ تحوّل الجماهير حبيس الشارع، بل بدأ ينعكس تدريجيًا على لغة السياسيين. ففي بريطانيا، خرج “أندي برنهام”، المرشح العمّالي القوي لتولي رئاسة حزب العمال بعد استقالة ستارمر، وأعلن انتقاده لموقف حكومة بلاده المتواطئ مع حرب الإبادة، داعيًا إلى ممارسة ضغوط أكبر على الحكومة الإسرائيلية، وإلى دراسة عقوبات تتعلق بالتعامل مع المستوطنات. مثل هذا الخطاب لم يكن مألوفًا قبل أشهر قليلة، وهو يعكس إدراكًا متزايدًا لدى بعض الساسة بأن الرأي العام يتغيّر، وأن تجاهل هذا التحوّل لم يعد ممكنًا. وهذا ما يُلاحظ أيضًا في أميركا، السند الأكبر للاحتلال، وخصوصًا داخل الحزب الديمقراطي، مع تعزّز الجناح التقدمي الذي يدعو إلى وقف دعم الاحتلال، وهو ما يؤكد وجود مراجعة للحسابات وبداية تحوّلات مهمة تجاه القضية الفلسطينية، في مراكز كانت تبدو قلاعًا داعمة للاحتلال ومستعصية على الاختراق.

ما زالت المصالح تلعب دورًا كبيرًا في رسم القرارات السياسية، لكن من الواضح أن المسافة بين الحكومات والشعوب لم تعد كما كانت. فالجامعات، والنقابات، والهيئات الطبية، والمثقفون، والفنانون، وجماهير الرياضة، وحتى الكنائس، أصبحوا جزءًا من مشهد عالمي لا يمكن تجاهله.

لقد مرّت القضية الفلسطينية، على مدار عقود، بحالات كثيرة من المدّ والجزر، وبدت في مراحل عديدة وكأنها توشك على الحل أو النهاية، ثم يبدأ كل شيء من جديد.

الجديد في هذه المرحلة هو زخم الشارع. فمدرجات جماهير كرة القدم، ومصارعة الثيران، وأصحاب المحلات التجارية الصغيرة في الأسواق، أصبحوا جميعًا لاعبين مهمّين في التأثير على القرار السياسي، وليسوا مجرد متفرجين أو متلقين لما تقرره حكوماتهم.

ما يجري اليوم في مختلف مدن العالم، وخصوصًا في أوروبا، هو مؤشر على أن فلسطين لم تعد قضية محصورة بين احتلال همجي وشعب شبه أعزل، يستقوي عليه الاحتلال بجبروته، وليست قضية عربية أو إسلامية فقط، بل أصبحت قضية ضمير عالمي.

ليس جديدًا أن تتحوّل مباريات كرة القدم، وخصوصًا في المونديال، إلى مرآة للمشاعر السياسية والإنسانية.

ما فعله حسام حسن، كابتن منتخب مصر، كان كأنه ضغط على زر وفتح بوابات السد العالي، فتدفقت المشاعر المكبوتة في الشارع المصري تجاه غزة؛ المشاعر الحقيقية التي كانت، لفترة طويلة نسبيًا، مكبوتة ومقموعة. فجاء موقف حسام كإشارة إلى خروج المارد المصري من قمقمه، وانطلاق تعابير الفرح والتضامن الأخوية بين مصر وفلسطين، بل بين الشعوب العربية كلها.

وليست شعوب أوروبا وغيرها أولى من الشعب المصري بهذا الموقف، فالشعب المصري هو ما رأيناه، وهو ما كان دائمًا، كما ظهر في أوج لحظات فرحه وحزنه، بعدما كان الإعلام الرسمي وأبواقه قد حجبا الكثير من حقيقته وشوّها صورته، وقلّصا حضوره إلى الحد الأدنى، خصوصًا خلال حرب الإبادة التي لم تنتهِ بعد. لقد أزاح حسام حسن الستارة عن حقيقة ما يحمله الشعب المصري خصوصًا، والشعوب العربية عمومًا، تجاه القضية الفلسطينية، لتلتقي هذه المشاعر مع ما نشاهده في مختلف مدن العالم، حيث صار الاحتلال، وما يعنيه، يبدو محاصرًا ومنبوذًا أكثر من أي وقت مضى. ولا نعلّق أملًا على جامعة الدول العربية بأن تتمكن من استثمار هذه التحوّلات وترجمتها إلى وقائع ترغم الاحتلال على إعادة حساباته، لكنّها، بالتأكيد، بدايات لتحوّلات جوهرية قد نراها خلال السنوات والعقود القادمة في مراكز القرار على الساحة الدولية.

المصدر … عرب ٤٨

Share This Article