المسار : في اللحظة الأكثر خطورة التي تمر بها القضية الفلسطينية منذ عقود، لم تعد الانتخابات الفلسطينية مجرد استحقاق قانوني أو إجراء إداري مرتبط بمواعيد دستورية، بل أصبحت استحقاقاً وطنياً شاملاً وضرورة تاريخية لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني وتجديد شرعياته ومؤسساته واستعادة المبادرة الوطنية في مواجهة مشاريع التصفية والاستعمار والضم. وتنبع خصوصية الانتخابات الفلسطينية من خصوصية القضية نفسها. فالشعب الفلسطيني لا يخوض تجربة انتقال ديمقراطي في دولة مستقرة، بل يناضل في مواجهة نظام استعماري استيطاني يسعى إلى اقتلاع الشعب من أرضه وإنهاء وجوده السياسي والوطني. لذلك، فإن الانتخابات بالنسبة للفلسطينيين ليست مجرد آلية لتداول السلطة، وإنما مدخل لإعادة بناء الوحدة الوطنية، وتعزيز المشاركة الشعبية، وتجديد النخب السياسية، وإعادة الاعتبار للمؤسسات الوطنية الجامعة وعلى رأسها منظمة التحرير الفلسطينية. ومنذ إجراء آخر انتخابات تشريعية عام 2006، دخل النظام السياسي الفلسطيني في أزمة شرعية متراكمة. فالمجلس التشريعي معطل، ومؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، بما فيها المجلس الوطني والمجلس المركزي والاتحادات والمنظمات الشعبية، ما زالت تعمل وفق آليات توافقية تقليدية قائمة على إعادة إنتاج البنى القديمة من خلال سياسة “الفك والتركيب”، دون مراجعة حقيقية للتحولات السياسية والاجتماعية والوطنية التي شهدتها الساحة الفلسطينية خلال العقود الماضية. وخلال هذه السنوات حدثت تغيرات جدية أثرت على الحضور الجماهيري للقوى التقليدية، ودخلت عوامل أخرى انعكست على الوضع الاقليمي والدولي، فيما تراجعت أدوار قوى أخرى أو غابت عن بعض الأطر الوطنية، ما أوجد فجوة متزايدة بين تركيبة المؤسسات الوطنية وبين الواقع السياسي والاجتماعي الفلسطيني. كما أصبحت العديد من الاتحادات والمنظمات الشعبية هياكل شكلية تفتقر إلى الامتداد الحقيقي للقطاعات التي يفترض أن تمثلها، وانعكس ذلك بصورة مباشرة على فاعليتها ودورها وتأثيرها. وفي الوقت ذاته، تعمقت حالة الاختلال في التمثيل السياسي داخل المؤسسات الوطنية، حيث غلبت عليها أنماط الهيمنة الحزبية لصالح الحزب الحاكم، مقابل تمثيل محدود لبقية الفصائل والقوى الوطنية وتراجع ملموس لدور الشخصيات المستقلة والكفاءات الوطنية. وقد أدى هذا الواقع إلى إضعاف ثقة المواطنين بمؤسساتهم الوطنية وتعميق الشعور بالاغتراب عن العمل السياسي والمؤسسي. وتزداد خطورة هذه الأزمة في ظل وجود فجوة متنامية بين الأجيال الفلسطينية الجديدة وبين المؤسسات القائمة. فقد نشأت أجيال كاملة لم تمارس حقها في الانتخاب ولم تشارك في صناعة القرار الوطني، الأمر الذي أضعف الانتماء للعمل السياسي المنظم ووسع دائرة الإحباط والعزوف عن المشاركة العامة، في وقت يحتاج فيه المشروع الوطني الفلسطيني إلى استنهاض طاقات الشباب وإشراكهم في معركة التحرر الوطني وإعادة البناء. وتتزامن أزمة الشرعية الوطنية مع أخطر التحديات الوجودية التي تواجه الشعب الفلسطيني. فالاحتلال الإسرائيلي يواصل تنفيذ مشروعه التصفوي من خلال توسيع الاستيطان والضم الفعلي لأجزاء واسعة من الضفة الغربية وتقويض فرص تجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة. وفي قطاع غزة، تتواصل حرب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والتهجير القسري، في إطار مخطط يستهدف تدمير مقومات الحياة الفلسطينية وفصل القطاع سياسياً وجغرافياً عن الضفة الغربية وإعادة هندسة القضية الفلسطينية وفق رؤية إسرائيلية أمريكية تسعى إلى فرض وقائع جديدة على الأرض. ورغم امتلاك القيادة الفلسطينية أدوات سياسية وقانونية عديدة لمواجهة هذه المخططات، فإن استمرار الانقسام والخشية من استحقاقات الوحدة الوطنية والشراكة السياسية، إلى جانب الرهان على التدخلات الخارجية، وخاصة الأمريكية وبعض الأطراف الدولية والإقليمية، أسهم في تعميق الأزمة الوطنية وإضعاف الموقف الفلسطيني، ومنح الاحتلال الوقت الكافي لفرض وقائع جديدة على الأرض يصعب تغييرها مستقبلاً. وقد فتح هذا الواقع الباب أمام تدخلات خارجية متزايدة تحت عنوان “الإصلاحات المطلوبة” للسلطة الفلسطينية. غير أن جوهر الأزمة الفلسطينية لا يكمن في إصلاحات إدارية أو هيكلية بقدر ما يكمن في غياب الشرعية الديمقراطية الشاملة، وغياب الوحدة الوطنية، وغياب المؤسسات التمثيلية القادرة على اتخاذ القرار الوطني المستقل. فالسلطة الفلسطينية نشأت أساساً بوصفها ترتيبات انتقالية بصلاحيات محدودة، وكان يفترض أن تنتهي هذه المرحلة بتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة وممارسة السيادة الكاملة استناداً إلى الاعتراف الأممي بدولة فلسطين وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة. إلا أن استمرار المرحلة الانتقالية وتحويل السلطة إلى غاية بحد ذاتها بدلاً من أن تكون أداة لخدمة المشروع الوطني أدى إلى استنزاف المؤسسات وإضعاف المشروع التحرري الفلسطيني. وفي مواجهة هذه التحديات، تبرز الانتخابات باعتبارها المدخل الأكثر جدية لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية. فلا يمكن بناء استراتيجية وطنية موحدة لمواجهة سياسات حكومة الاحتلال الفاشية ومخططات الضم والتهجير والإبادة في ظل استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي والجغرافي بين الضفة الغربية وقطاع غزة. كما لا يمكن لأي مؤسسة وطنية أن تمتلك القدرة على المواجهة ما لم تستند إلى شرعية شعبية حقيقية وإلى شراكة وطنية جامعة. ومن هنا، فإن الانتخابات ليست غاية بحد ذاتها، بل وسيلة لإعادة توحيد الصف الفلسطيني وإعادة بناء النظام السياسي على أسس المشاركة والتعددية والتمثيل الحقيقي، وصياغة استراتيجية وطنية موحدة تجمع بين مختلف أشكال النضال السياسي والدبلوماسي والقانوني والشعبي في مواجهة الاحتلال ومخططاته. ولأن الهدف من الانتخابات هو إنهاء الانقسام وليس إعادة إنتاجه، فإن إجراءها يتطلب حواراً وطنياً شاملاً وإرادة سياسية حقيقية والاتفاق على إجراءاتها وآلياتها وتوقيتها، وخاصة فيما يتعلق بقطاع غزة. فإجراء انتخابات في غزة دون توافق وطني ودون مشاركة فعلية من حركة حماس والقوى المؤثرة هناك سيكون بالغ الصعوبة، إن لم يكن شبه مستحيل من الناحية العملية والسياسية. كما أن أي محاولة للالتفاف على الحق الوطني والقانوني لجميع المواطنين والقوى السياسية في المشاركة، أو تقديم صورة شكلية توحي بإجراء انتخابات شاملة من خلال مشاركة محدودة أو رمزية لبعض الأطراف، لن تؤدي إلا إلى تعميق الانقسام وتكريس الإقصاء وأخذ القضية الفلسطينية إلى منعطف أكثر خطورة من الوضع القائم. فالوطن الفلسطيني وحدة سياسية وجغرافية واحدة، ولا يمكن التعامل مع أي جزء منه بمنطق الاستثناء أو التجزئة. والانتخابات التي لا تقوم على الشراكة الوطنية الحقيقية ستفقد جوهرها الديمقراطي وستتحول إلى عامل إضافي من عوامل الانقسام بدلاً من أن تكون جسراً للوحدة الوطنية. وينطبق الأمر ذاته على تمثيل الشعب الفلسطيني في الخارج. فالتجمعات الفلسطينية في دول اللجوء والمهجر والشتات تمثل ما يقارب نصف الشعب الفلسطيني، وتشكل ركناً أساسياً من أركان القضية الوطنية. كما أن مختلف القوى السياسية والوطنية تمتلك حضوراً وتأثيراً حقيقياً داخل المخيمات والتجمعات الفلسطينية في لبنان وسوريا والأردن وفي مختلف دول العالم. ولذلك، لا يمكن الوصول إلى مجلس وطني فلسطيني موحد وفاعل وقادر على القيام بدوره التاريخي من خلال الآليات الحالية التي تتجاهل متطلبات الوحدة الوطنية والشراكة الحقيقية وتخضع أحياناً لضغوط وإملاءات خارجية. إن الاعتقاد بإمكانية استثناء مكونات رئيسية من الشعب الفلسطيني أو تجاوز حضورها الوطني والشعبي هو رهان خاسر سياسياً ووطنياً. فالمجالس التي تُصاغ بمنطق الحزب الواحد أو بمنطق “الفهلوة السياسية” ستولد مجالس مشوهة وعاجزة عن المواجهة، تفتقر إلى الشرعية والقدرة على التعبير عن الإرادة الوطنية الجامعة. وحتى تكون الانتخابات حقيقية وديمقراطية وقادرة على تمكين الوضع الفلسطيني، فإن المطلوب هو إطلاق حوار وطني شامل بإرادة سياسية صادقة يفضي إلى توافق وطني على قواعد العملية الانتخابية وضمان إتاحتها للجميع دون إقصاء، استناداً إلى اتفاق بكين ووثيقة الشرف الوطنية والتفاهمات الوطنية التي تم التوصل إليها عام 2021. ولا تكتمل أي رؤية جادة لإعادة بناء الشرعية الفلسطينية دون أن تشمل العملية الانتخابية مجمل مكونات الشرعية الوطنية، وفي مقدمتها انتخابات الرئاسة والمجلس التشريعي والمجلس الوطني الفلسطيني. فهذه المؤسسات تشكل منظومة سياسية متكاملة، ولا يمكن تجديد أحد أركانها بمعزل عن الآخر أو وفق مقاربة جزئية وانتقائية. والأصل الديمقراطي والوطني يقتضي إجراء انتخابات الرئاسة بالتزامن مع انتخابات المجلس التشريعي والمجلس الوطني، بما يعكس إرادة سياسية حقيقية لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس المشاركة والشراكة والتجديد الديمقراطي. وحتى إذا تعذر إجراء هذه الانتخابات بصورة متزامنة لأسباب موضوعية أو لاعتبارات تتعلق بالظروف السياسية والميدانية، فقد كان من المنطقي والضروري أن يتضمن المرسوم الرئاسي تحديد موعد واضح لانتخابات الرئاسة أو إطاراً زمنياً ملزماً لإجرائها، بما يعزز الثقة بالعملية الانتخابية ويؤكد أنها جزء من مشروع وطني متكامل لتجديد الشرعيات. ويكتسب هذا الأمر أهمية مضاعفة إذا ما استحضرنا أن آخر انتخابات فلسطينية جرت قبل ما يقارب عشرين عاماً شملت انتخابات الرئاسة والمجلس التشريعي معاً، وتم التعامل مع المؤسستين باعتبارهما ركنين متلازمين في النظام السياسي الفلسطيني. ومن هنا، فإن إصدار مرسوم لإجراء انتخابات المجلس التشريعي دون التطرق إلى انتخابات الرئاسة يثير تساؤلات سياسية وقانونية مشروعة حول فلسفة العملية الانتخابية ومدى شموليتها وقدرتها على تحقيق هدفها المعلن المتمثل في إعادة بناء الشرعية الوطنية. أما المجلس الوطني الفلسطيني، بوصفه المنبر الجامع للشعب الفلسطيني والمظلة السياسية العليا لمنظمة التحرير الفلسطينية، فلا يجوز التعامل معه بمنطق التجزئة أو التأجيل المفتوح. كما أن المرسوم الداعي لإجراء انتخابات المجلس التشريعي في الثامن والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر 2026 يعيد إنتاج الأسئلة ذاتها التي كانت قائمة عام 2021، وفي مقدمتها قضية القدس. لقد تم تأجيل انتخابات عام 2021 بحجة رفض الاحتلال الإسرائيلي السماح بإجرائها في القدس المحتلة، وما زال هذا المبرر قائماً اليوم بل أصبح أكثر تعقيداً في ظل سياسات التهويد وفرض السيادة الإسرائيلية على المدينة. ومع ذلك، فإن الاحتلال لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة دائمة لتعطيل الحياة الديمقراطية الفلسطينية. بل إن التحضير للانتخابات وخلق أجوائها الوطنية والسياسية والشعبية يجب أن يتحول إلى فرصة جديدة لمواجهة الاحتلال وسياساته وإلى أداة نضالية إضافية لتكريس القدس عاصمة لدولة فلسطين وفضح سياسات الاحتلال أمام المجتمع الدولي. ومن هنا، فإن مسؤولية جميع القوى والفصائل والمؤسسات والقيادة الفلسطينية تتمثل في اتخاذ كل الإجراءات السياسية والقانونية والشعبية الكفيلة بفرض حق الفلسطينيين في إجراء الانتخابات في القدس باعتبار ذلك جزءاً أصيلاً من معركة الدفاع عن المدينة وهويتها ومكانتها السياسية والقانونية. وبكل الأحوال، فإن الانتخابات يجب أن تحدث، ويجب أن يشارك فيها الجميع، حتى لو بقيت بعض الإجراءات والآليات على حالها. لأن المشاركة الواسعة تمثل فرصة لتجديد الشرعية وإعادة ترتيب البيت الفلسطيني وبناء ميزان قوى وطني جديد قائم على الإرادة الشعبية. أما عدم المشاركة أو مقاطعة الانتخابات، فإنه يعني عملياً الانتحار السياسي وتكريس الواقع القائم والدوران في الحلقة المفرغة ذاتها التي استنزفت المشروع الوطني الفلسطيني وأضعفت مؤسساته. إن المطلوب اليوم هو التوجه نحو أوسع مشاركة وطنية ممكنة، بمشاركة جميع الأحزاب والقوى والمؤسسات والشخصيات الوطنية والمستقلة، والعمل على تشكيل قوائم وطنية عريضة وبرامج سياسية مشتركة تقوم على إعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وإعادة بناء مؤسساتها على أسس ديمقراطية وتمثيلية، وتجديد المشروع الوطني الفلسطيني على قاعدة الشراكة والوحدة والديمقراطية والمقاومة السياسية والشعبية. فالشعب الفلسطيني الذي قدم التضحيات الجسام دفاعاً عن حريته وحقوقه الوطنية يستحق نظاماً سياسياً موحداً ومؤسسات وطنية شرعية وفاعلة وقيادة منتخبة قادرة على حماية المشروع الوطني وقيادة معركة الحرية والاستقلال وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة الكاملة.
د. ماهر عامر

