المسار : لم يكن قرار المجلس الدستوري الموريتاني القاضي بعدم تأكيد فقدان النائبتين المعارضتين، مريم الشيخ صمب جينغ وقامو عاشور سالم، لعضويتهما البرلمانية مجرد إجراء قانوني عادي، بل تحول إلى محطة جديدة في واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل خلال الأشهر الأخيرة.
لقد أعاد القرار رسم المشهد القانوني والسياسي للقضية، وطرح أسئلة تتعلق بعلاقة السلطات الدستورية ببعضها، وحدود العفو الرئاسي، ومتى يصبح الحكم القضائي منتجًا لآثاره النهائية على الوضعية الدستورية للمنتخبين. وجاء قرار المجلس الدستوري في وقت كانت فيه الأنظار تتجه إلى اعتبار مقعدي النائبتين شاغرين بعد الحكم الصادر عن محكمة الاستئناف، قبل أن يقلب المجلس المعادلة بإعلانه أن الحكم ما يزال قابلاً للطعن أمام المحكمة العليا، وبالتالي لا يمكن ترتيب الأثر الدستوري المتمثل في فقدان العضوية البرلمانية قبل استنفاد جميع درجات التقاضي. واستند المجلس الدستوري إلى كون الحكم الصادر بحق النائبتين، والقاضي بالسجن سنتين نافذتين مع الحرمان من الحقوق السياسية والمدنية لمدة خمس سنوات، لم يكتسب بعد حجية نهائية بسبب إمكانية الطعن فيه أمام المحكمة العليا. وبناء على ذلك، اعتبر أن شروط تأكيد فقدان الصفة النيابية لم تكتمل بعد. ويأتي هذا القرار بعد أيام من خروج النائبتين من السجن بموجب عفو رئاسي أصدره الرئيس محمد ولد الغزواني، شمل العقوبة السالبة للحرية والغرامات، لكنه أبقى عقوبة الحرمان من الحقوق السياسية والمدنية كما هي، وهو ما فتح منذ اللحظة الأولى بابًا واسعًا للنقاش القانوني حول مدى تأثير هذا العفو على وضعيتهما الدستورية.
وكان فريق الدفاع عن النائبتين قد تقدم بعريضة أمام الغرفة الجزائية بالمحكمة العليا يطلب فيها وقف تنفيذ أي إجراءات تؤدي إلى فقدانهما صفتهما البرلمانية إلى حين الفصل النهائي في الطعن المقدم ضد الحكم، وهو الطلب الذي يبدو أن قرار المجلس الدستوري جاء منسجمًا مع فلسفته القانونية، القائمة على عدم ترتيب آثار دستورية نهائية قبل استنفاد مسار التقاضي.
كما جاء القرار بعد يوم واحد فقط من منع عناصر الحرس الوطني المكلفة بتأمين الجمعية الوطنية للنائبتين من دخول مبنى البرلمان، في خطوة أثارت تساؤلات حول الأساس القانوني الذي استندت إليه الجهات التنفيذية في التعامل مع وضعيتهما قبل صدور موقف المجلس الدستوري. ويرى مراقبون أن القضية تجاوزت إطارها الفردي لتتحول إلى اختبار عملي لطبيعة العلاقة بين السلطات في موريتانيا، خاصة أن مؤسسات الدولة الثلاث تعاملت مع الملف من زوايا مختلفة؛ فالقضاء أصدر حكمه، ورئيس الجمهورية استخدم صلاحية العفو، بينما جاء المجلس الدستوري ليقدم قراءة مستقلة للنصوص الدستورية، تربط فقدان العضوية باكتساب الحكم الدرجة النهائية. وفي هذا السياق، اعتبر السياسي محمد جميل ولد منصور، أن ما جرى يمثل دليلاً على حيوية مؤسسات الدولة وتمايز اختصاصاتها، مؤكداً أن القضاء مارس سلطته بإصدار الحكم، وأن رئيس الجمهورية استخدم صلاحياته الدستورية في منح العفو، بينما قدم المجلس الدستوري قراءة قانونية مختلفة عن القراءة التي تبنتها بعض الجهات التنفيذية، تربط فقدان الصفة البرلمانية بانتهاء جميع مراحل الطعن. ووصف ولد منصور هذه التطورات بأنها «إشارات مريحة» تعكس عمل دولة القانون والمؤسسات، معتبراً أن الاستثناء الوحيد تمثل في منع الحرس للنائبتين من دخول البرلمان وبعض التصريحات الصادرة عنهما.
في المقابل، ذهب عدد من المختصين في القانون إلى التمييز بين مسألتين مختلفتين: الأولى تتعلق بآثار العفو الرئاسي، والثانية تتعلق بالوضعية القانونية للحكم القضائي نفسه.
وفي هذا الإطار، يؤكد الخبير الإداري والقانوني محمد الجيلاني أن العفو الخاص لا يمحو الإدانة الجنائية، وإنما يقتصر على العقوبة التي يشملها مرسوم العفو، موضحًا أن الإدانة تبقى قائمة في السجل العدلي، ولا تزول إلا بقانون عفو شامل أو برد الاعتبار وفق الشروط القانونية.
ويضيف أن الحرمان من الحقوق المدنية والسياسية يمثل في هذه القضية عقوبة مستقلة نصت عليها محكمة الاستئناف صراحة، ولم يشملها مرسوم العفو الرئاسي، الذي اقتصر على إسقاط العقوبة السالبة للحرية والغرامات والمصاريف. وانطلاقًا من قاعدة التفسير الضيق لنصوص العفو، يرى الجيلاني أن هذه العقوبة ما تزال قائمة ونافذة قانونًا.
غير أن قرار المجلس الدستوري لم يناقض هذه القراءة من حيث المبدأ، إذ لم يقل إن عقوبة الحرمان من الحقوق السياسية قد سقطت، وإنما ركز على مسألة إجرائية ودستورية مختلفة، مفادها أن الحكم الذي يتضمن هذه العقوبة لم يصبح بعد نهائيًا ما دام قابلاً للطعن أمام المحكمة العليا، وبالتالي لا يمكن ترتيب أثر دستوري نهائي يتمثل في فقدان العضوية البرلمانية قبل انتهاء المسار القضائي.
وبذلك يكون القرار قد رسم، لأول مرة في هذه القضية، خطًا فاصلاً بين وجود العقوبة من الناحية القانونية وبين إمكانية ترتيب آثارها الدستورية قبل استنفاد درجات التقاضي، وهو تمييز مرشح لأن يشكل سابقة قانونية في التعامل مع أوضاع المنتخبين الذين تصدر بحقهم أحكام غير نهائية.
وفي موقف آخر، قدم المحامي والقاضي السابق فاضلي ولد الرايس قراءة قانونية مغايرة، معتبراً أن قرار المجلس الدستوري يشكل «سابقة غريبة» لمخالفته، بحسب رأيه، جملة من القواعد الإجرائية المستقرة.
وأكد ولد الرايس أن اختصاص المجلس في هذه الحالة يقتصر على تأكيد فقدان العضوية متى ثبت صدور حكم نهائي بالحرمان من الحقوق الوطنية، دون أن يمتد إلى تعليق آثار الأحكام القضائية؛ كما أكد أن الطعن بالنقض لا يترتب عليه، وفق القانون الموريتاني، وقف تنفيذ الحكم إلا في حالات استثنائية نص عليها القانون، محذراً من أن الأخذ بمنطق المجلس الدستوري قد يؤدي إلى تعطيل تنفيذ الأحكام القضائية بصورة شبه مطلقة، باعتبار أن معظم الأحكام تبقى عرضة لطرق الطعن غير العادية.
وأضاف أن مسألة وقف التنفيذ، إن اقتضتها الضرورة، تدخل في اختصاص المحكمة العليا وليس المجلس الدستوري، معتبراً أن الأخير تجاوز حدود وظيفته الدستورية، وربما تأثر -حسب تحليله- بقراءة غير دقيقة للنصوص الوطنية أو بمفاهيم مستمدة من الفقه الفرنسي تختلف عن النظام الإجرائي الموريتاني، الذي يجعل الأصل هو عدم وقف التنفيذ بمجرد الطعن بالنقض، وليس العكس.
واختتم ولد الرايس بالقول إن المجلس الدستوري لم يكن بصدد مراقبة دستورية النصوص، وإنما كان يمارس اختصاصاً مقيداً يقتصر على التصديق على الأثر الذي رتبه القضاء، وهو ما يجعله، في تقديره، قد خرج عن نطاق صلاحياته الوظيفية.
وفي المحصلة، تبدو القضية بعيدة عن نهايتها، إذ تنتقل الآن إلى المحكمة العليا التي سيكون قرارها حاسمًا في تحديد المصير النهائي للنائبتين، سواء بتأييد الحكم أو تعديله أو نقضه. وحتى يحين ذلك، يبقى قرار المجلس الدستوري قد أوقف عمليًا مسطرة فقدان العضوية، وأعاد التأكيد على مبدأ أساسي في دولة القانون، وهو أن الآثار الدستورية للأحكام القضائية لا تستقر إلا بعد استنفاد طرق الطعن التي يتيحها القانون، بما يجعل هذه القضية مرشحة لأن تتحول إلى إحدى أبرز السوابق الدستورية والقضائية في الحياة السياسية الموريتانية.
المجلس الدستوري الموريتاني يوقف إسقاط عضوية النائبتين المعارضتين… وقراره يفتح جدلا حول حدود القضاء والعفو الرئاسي

