المسار : تظاهر عشرات التونسيين في مدن عدة للتنديد بقطع التيار الكهربائي لساعات طويلة، في وقت تساءل فيه نواب وأحزاب سياسية عن سبب غياب الرئيس قيس سعيد عن المشهد السياسي، وعدم صدور اعتذار أو توضيح رسمي من رئاستي الجمهورية والحكومة، وخاصة بعدما تسبب الانقطاع المفاجئ للكهرباء بوفاة عدة مرضى وخسائر كبيرة لعدد كبير من التونسيين.
وتشهد تونس منذ أيام انقطاعا للتيار الكهربائي لحوالي ثماني ساعات، يتواصل بنسق تصاعدي، حيث شمل الجمعة 140 منطقة في جميع أنحاء البلاد، وهو ما أثار موجة استنكار كبيرة داخل البلاد، وخاصة أنه يتزامن مع موجة حر كبيرة تشهدها البلاد.
وكان مدير شركة الكهرباء والغاز، فيصل طريفة، أكد لإذاعة موزاييك المحلية أن الشركة اضطرت إلى تفعيل “القطع الدوري للكهرباء” بشكل مؤقت، وبالتناوب بين مختلف المناطق، بهدف المحافظة على استقرار الشبكة الكهربائية المحلية وتفادي انهيارها، وخاصة في ظل الارتفاع غير المسبوق في استهلاك الكهرباء، تزامنا مع موجة الحر التي تضرب البلاد.
ومساء الجمعة، تظاهر عشرات التونسيين في عدد من الأحياء الشعبية في العاصمة وولايات أريانة والقصرين وسوسة بسبب انقطاع الماء والكهرباء.
وخلال الأيام الأخيرة، شهدت العاصمة وعدة مدن تونسية احتقانا كبيرا بسبب انقطاع الكهرباء والإنترنت والماء.
كما تسبب انقطاع الكهرباء بوفاة عدد من المرضى، بسبب توقف أجهزة الأكسجين، في ظل تحذيرات من تلف بعض أنواع الأدوية في الصيدليات.
واشتكى عدد كبير من التونسيين من خسائر كبيرة تعرضوا لها بسبب الانقطاع المتواصل للكهرباء، مطالبين السلطات بتعويضهم.
واعتبرت رابطة الدفاع عن حقوق الإنسان أن الانقطاع المتكرر والمستمر للكهرباء والماء في عدد من المدن، يمثل “إخلالا جسيما بحقوق التونسيين الأساسية، وانتهاكا صارخا لكرامتهم وحقهم في الحياة والصحة. كما يجسد تقاعس الدولة عن الوفاء بالتزاماتها الدستورية والقانونية في ضمان استمرارية المرافق والخدمات العمومية الأساسية”.
وحملت السلطات المعنية “كامل المسؤولية القانونية والسياسية عن الأضرار الناجمة عنه، والتي لم تقتصر على المساس بالحقوق الأساسية، بل امتدت إلى الإضرار بأرزاق المواطنين ومصالحهم الاقتصادية، وإلحاق خسائر مادية جسيمة بعديد الأنشطة الفلاحية والتجارية والحرفية والخدماتية، فضلا عما ترتب عن هذه الانقطاعات من تهديد للسلامة الجسدية والصحية للمواطنين، والمساس بالحق في الصحة والحق في الحياة، بما يقتضي تحمل الدولة مسؤوليتها في جبر هذه الأضرار وتعويض المتضررين، وضمان عدم تكرار مثل هذه الانقطاعات”.
كما طالبت الرابطة بفتح تحقيق عاجل ومستقل في أسباب هذه الانقطاعات، ومحاسبة كل من يثبت تقصيره أو مسؤوليته.
وعبر حزب العمال عن إدانته الشديدة “لما أقدمت عليه سلطة قيس سعيد من حرمان للمواطنين من أبسط حقوقهم، وتحملها مسؤولية عجزها المتواصل متعدد الأوجه والمستويات عن تلبية احتياجات المواطنين والجهة في أدنى صورها”، معبرا عن تضامنه مع المتضررين ممن طالت آثار الأزمة صحتهم أو أرزاقهم.
واعتبر أن “السلطة برأسها وكل أجهزتها التابعة من مجالس وغيرها كان بإمكانها تلافي وقوع الأزمة لو أنها ركزت جهودها على صيانة الشبكة الكهربائية والمائية، خاصة أن موجة الحر كانت متوقعة، بدل التركيز على ملء السجون وملاحقة المعارضين وتهديدهم، الذي وصل حد التنويه بقتلهم وتصفيتهم جسديا”.
وأكد الحزب أن “ما ينشأ عن الانقلابات لن يكون إلا مواصلة لذات النهج ونفس الخيارات اللاشعبية المتواصلة منذ عقود، وأن وضعية الجهة ككل زادت تأزما على غرار بقية جهات البلاد في ظل حكم الشعبوية الحالية”.
واستنكرت البرلمانية ماجدولين الورغي تواصل انقطاع الكهرباء، والتي قالت إنه تسبب بقطع الدواء عن عشرات المرضى، وطالبت بقطع الكهرباء عن رئاسة الجمهورية عملا بمبدأ “التقسيم العادل في قطع الكهرباء” بين مختلف مؤسسات الدولة.
ودعا النائب عماد أولاد جبريل إلى التحقيق في أسباب انقطاع الكهرباء “لتحديد المسؤوليات ومعرفة إن كانت الأزمة نتيجة نقص الصيانة أو ضعف التمويل أو سوء التصرف أو اجتماع هذه الأسباب كلها”، معتبرا أن المواطن التونسي “لا يحتاج إلى تبريرات عامة، بل يحتاج إلى أرقام وتواريخ ووضعية فنية دقيقة”.
وتساءلت البرلمانية فاطمة المسدي: “أين رئيس الجمهورية؟ وأين الدولة من هذا الانهيار الذي يطال قطاعا استراتيجيا كالكهرباء؟”.
واعتبرت أن “الأزمات لا تدار بالصمت، بل بالمصارحة، وتحمل المسؤولية، واتخاذ القرارات قبل أن تتحول الأزمة إلى واقع أخطر يدفع ثمنه كل التونسيين”.
وأضافت المسدي: “ما يحدث اليوم ليس مجرد انقطاع للكهرباء، بل هو تنكيل بالمواطن وعبث بمؤسسات الدولة التي أصبحت عاجزة عن أداء أبسط وظائفها. حين تنقطع الكهرباء لساعات، تتعطل المستشفيات، وتتضرر المؤسسات الاقتصادية، وتفسد تجهيزات المواطنين، وتتوقف مصالح الناس”.
واعتبرت أن الحكومة “أثبتت فشلها في إدارة الملفات الحيوية، كما أن اختيارات التعيين لم تحقق النتائج التي كان ينتظرها التونسيون”.
وتابعت المسدي: “اليوم، لم يعد الصمت مقبولا. من حق الشعب أن يسمع خطابا واضحا وصريحا من رئيس الجمهورية يشرح حقيقة ما يجري، ويقدم حلولا وآجالا للمحاسبة والإصلاح”.
وكتبت الناشطة فايزة رحيم (زوجة السياسي المعتقل عصام الشابي): “أخبرونا أين رئيس الجمهورية. من حقنا أن نعرف كمواطنين، وخاصة في ظل انقطاع الماء والكهرباء، وغياب أي تواصل واضح (من السلطة) مع التونسيين. على المسؤولين أن يطمئنوا الشعب، أصبحنا نسمع الإشاعات أكثر من المعلومات الرسمية (حول صحة سعيد)”.
ويأتي ذلك في ظل استمرار الجدل والشائعات حول صحة الرئيس قيس سعيد، مع تواصل غيابه عن المشهد منذ حوالي عشرة أيام، في وقت تحدثت فيه إحدى الصحف الإيطالية عن تعرض سعيد لأزمة قلبية، ولم يصدر حتى الآن أي تعليق رسمي حول هذا الأمر.

