المسار : في قطاع غزة، لم تعد مهنة الصحافة مجرد نقلٍ للأخبار، بل تحولت إلى معركة يومية من أجل البقاء، ورسالة تُؤدى تحت القصف والجوع والنزوح. فالصحفي الفلسطيني لا يحمل كاميرته أو قلمه فحسب، بل يحمل حياته على كفه، مدفوعاً بإصرارٍ على إيصال الحقيقة إلى العالم مهما كان الثمن.
تقول المراسلة الصحفية سنابل الغول: عندما تكون في تغطية للأحداث، لا يتوقف عقلك عن التفكير في الرسالة التي تحملها، لكنك في الوقت ذاته تفكر: ماذا لو استُهدفت؟ هل سيكون الموت أهون من إصابة دائمة أو تشوه؟ .. في غزة، حتى وأنت سليم، بالكاد تستطيع أن تعيش”.
ويصف الصحفيون أيامهم بأنها رحلة تبدأ بتوديع أطفالهم وعائلاتهم، من دون يقين بالعودة، بينما يواجهون في الوقت نفسه الجوع وانعدام مقومات الحياة.
ويضيف المراسل الصحفي محمد عيسى، لوطن للأنباء، “كنا نغادر منازلنا كل صباح ونودع أهلنا وكأنها المرة الأخيرة. واجهنا المجاعة أيضاً، حتى إنني وصلت إلى مرحلة لم أعد أستطيع فيها ارتداء السترة الواقية والخوذة، لأن جسدي المنهك لم يعد يحتمل وزنهما”.
أما المصور الصحفي معز الصالحي، الذي يواصل عمله رغم المرض، فيؤكد لوطن للأنباء، أن المعاناة الصحية لم تمنعه من أداء رسالته. قائلاً: “كنت أعاني كثيراً أثناء التغطيات بسبب مرضي، لكن لم يكن هناك ما يمنعني من نقل رسالة أبناء شعبي، ونقل ما يعيشه أهل غزة.”
ومنذ اندلاع الحرب، فرض الاحتلال الإسرائيلي حصاراً إعلامياً مشدداً على قطاع غزة، فمنع دخول الصحفيين الأجانب، واستهدف شبكات الكهرباء والاتصالات، في محاولة لعزل القطاع ومنع وصول صور الجرائم والانتهاكات إلى العالم، بالتزامن مع استهداف مباشر للصحفيين والمؤسسات الإعلامية.
توضح د. رجاء صالحة، مدير مركز التضامن الإعلامي في دير البلح / نقابة الصحفيين الفلسطينيين، “منذ بداية الحرب تعرض القطاع الإعلامي لتدمير واسع، حيث دُمّرت أكثر من 400 مؤسسة إعلامية بين مرئية ومسموعة ومقروءة، واستُشهد أكثر من 272 صحفياً باستهدافات مباشرة، فيما أصيب أكثر من 400 آخرين بإصابات متفاوتة، ويحتاج كثير منهم إلى العلاج خارج القطاع، إضافة إلى نزوح أكثر من 1200 صحفي”.
ولم تقتصر المعاناة على مخاطر القصف، بل امتدت إلى تفاصيل العمل اليومية، في ظل انقطاع الكهرباء وشح الوقود وغياب وسائل النقل.
تؤكد المراسلة صحفية سنابل الغول: “بعد إنجاز المادة الصحفية، تبدأ معاناة جديدة: أين سترسلها؟ لا كهرباء، لا إنترنت، لا وسائل نقل. في الشتاء نقطع مسافات طويلة سيراً على الأقدام وسط المطر والطين والطرق المدمرة. أحياناً تخرج لتصنع قصة، فتتحول أنت إلى القصة”.
ويضيف المراسل الصحفي محمد عيسى: “كنا نجاهد لتوفير الحد الأدنى من احتياجات أسرنا، ثم نخرج للعمل لننقل للعالم ما يجري، باعتبار ذلك جزءاً من مسؤوليتنا الإنسانية والمهنية.”
ويختصر المصور معز الصالحي المشهد بقوله: “نعاني في الشتاء، ونعاني في الصيف، ونعاني في كل تغطية.”
ورغم التدمير الممنهج الذي طال المؤسسات الإعلامية ومعدات العمل، واصل الصحفيون أداء رسالتهم، مؤمنين بأن نقل الحقيقة واجب لا يمكن التراجع عنه، حتى وإن كان ثمنه الحياة.
تقول المراسلة الصحفية صفاء الهبيل : “لم نعد نطالب بالحماية، لأنه لم يعد هناك مكان آمن. حتى العاملون في المجال الإنساني والمؤسسات الدولية أصبحوا مستهدفين”.
في المقابل، تؤكد نقابة الصحفيين الفلسطينيين أن الصحفيين بحاجة ماسة إلى حماية دولية، وإلى إدخال المعدات التقنية اللازمة، بما يضمن استمرار قدرتهم على توثيق الأحداث ونقلها من مختلف مناطق القطاع.
توضح د. رجاء صالحة، مدير مركز التضامن الإعلامي في دير البلح / نقابة الصحفيين الفلسطينيين، “الصحفيون بحاجة إلى حماية دولية، وإلى معدات وتقنيات تضمن استمرار عملهم وإيصال صوت غزة إلى العالم.”
أما سنابل الغول، فتختصر دوافعها بكلمات بسيطة لكنها عميقة: “هذه رسالة وأمانة نحملها على عاتقنا. الاستهداف مستمر، لكن إنسانياً ومهنياً لا بد أن نؤدي رسالتنا.”
وبموجب القانون الدولي الإنساني، يُعامل الصحفيون والمؤسسات الإعلامية باعتبارهم مدنيين وأعيانًا مدنية يتمتعون بالحماية الكاملة، ويُعد استهدافهم المتعمد أو استهداف مقارهم الإعلامية انتهاكًا جسيمًا قد يرقى إلى جريمة حرب تستوجب المساءلة أمام القضاء الدولي. لكن، وعلى الرغم من هذه الحماية القانونية، ما يزال صحفيو غزة يواصلون عملهم في واحدة من أخطر البيئات الإعلامية في العالم، حاملين الكاميرا والقلم، وشاهدين على مأساة شعب بأكمله.

