| افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات |
هآرتس 24/7/2026
وحدة عسكرية للجيش الاسرائيلي تحمل شعار خارطة ارض إسرائيل الكاملة
بقلم: عاموس هرئيلِ
لقد أعلنت الحكومة في المحكمة العليا في يوم الأربعاء الماضي بأنها لم تستكمل التشريع بشأن التحقيق في مذبحة 7 أكتوبر، وطلبت من القضاة عدم التدخل وفرض تشكيل لجنة تحقيق رسمية. لقد انتهى وقت الحكومة، ولم يكن لنتنياهو أي نية للسماح باجراء تحقيق في المستقبل، وبالتأكيد ليس تحقيق رسمي في الاحداث التي سبقت المذبحة. لقد لجأ الى أساليب المماطلة والتضليل، بما في ذلك اقتراح تشكيل لجنة سياسية خاصة من اجل تحقيق غايته.
سيبقى طلب اجراء تحقيق شامل في المذبحة، لا سيما صرخة عائلات الضحايا وعائلات المخطوفين، يحتل مكانة محورية في الحملة الانتخابية حتى 27 تشرين الأول القادم. أيضا ستلقي الخلافات المتراكمة حول هذه المسألة بين قيادة الجيش الإسرائيلي والحكومة بظلالها على الأشهر القادمة. يضاف الى ذلك توترات جديدة: الخلاف حول قانون الاعفاء من الخدمة العسكرية للحريديين، وتصميم الحكومة على الزام الجيش الإسرائيلي بالحفاظ على مناطق امنية جديدة في جنوب لبنان وفي سوريا وفي قطاع غزة، رغم استنزاف وحدات الاحتياط، والخلافات حول استمرار العمليات الهجومية.
تتفاقم الخلافات في ظل عدم الثقة المتبادل، ويكفي النظر الى لغة جسد نتنياهو ووزير الدفاع كاتس ورئيس الأركان ايال زمير عندما يجبرون على قضاء وقت معا في مراسم رسمية. يلوح نتنياهو الان بسيفه فوق رأس هيئة الأركان العامة، بالضبط مثلما فعل مع القناة 12 من خلال الضغط الذي يستخدمه على رئيس الشباك للتحقيق في مزاعم تسريب مبكر عن موعد بدء الحملة الثانية ضد ايران في شهر شباط الماضي.
ويتوقع ان يتصاعد التوتر اكثر مع اقتراب الحملة الانتخابية. طوال فترة الحرب استخدم نتنياهو بشكل غير مالوف اجتماعات وصور مع الجنود في قواعد الجيش، واحيانا على الجبهة، لأغراض سياسية. ولكن المتطلبات القانونية صارمة اكثر في الأشهر الثلاثة التي تسبق الانتخابات، وهي فترة تبدأ في بداية الأسبوع القادم.
لا يبشر التركيز الحالي على ايران بالخير للهدوء على الجبهات الأخرى: قطاع غزة وجنوب لبنان والضفة الغربية. ففي غزة حقق الجيش الإسرائيلي والشباك نجاحات متكررة مؤخرا في تحديد مواقع عناصر حماس الذين شاركوا في احداث 7 كتوبر واغتيالهم. ويلاحظ تقدم كبير في نشاطات فرقة عمل “نيلي” التي تم تشكيلها لهذا الغرض. ولكن القضية الرئيسية في القطاع هي مسألة الموافقة على الخطط التي أعدتها قيادة المنطقة الجنوبية لشن عملية برية جديدة ضد حماس. ويبدو ان زمير متردد، ويعود هذا جزئيا الى خوفه من تجدد التصعيد في لبنان على خلفية ما يحدث في ايران. ويأتي هذا رغم بدء تنفيذ المرحلة التجريبية لانسحاب الجيش الإسرائيلي من عدة قرى في جنوب لبنان في هذا الأسبوع.
أمس، 9 آب حسب التقويم العبري، سجلت حادثتان في الضفة الغربية في جنين ونابلس: أصيب مواطن إسرائيلي إصابة بالغة، وأصيب إسرائيلي اخر إصابة طفيفة جراء الطعن. وقتل ثلاثة فلسطينيين، قالوا في الجيش انهم شاركوا في الحادثتين. كان المدني الذي طعن قرب نابلس هو ايتمار كوهين، وهو مستوطن لعب دور رئيسي في جهود إقامة المزارع في ارجاء الضفة الغربية. وتشهد حادثتان حديثتان على مدى توغل الجيش عميقا في ارض المستوطنات. فقد اطلق مؤخرا شعار جديد لوحدة عسكرية في قاعدة التدريب الرئيسية للجيش الإسرائيلي، ساليم، ويظهر الشعار خارطة ارض إسرائيل الكاملة، بما في ذلك قطاع غزة والضفة الغربية وهضبة الجولان. وكان هذا قرار حصل على موافقة رفيعة المستوى من قادة القاعدة على الأقل، وليس نزوة جندي يرتدي شارة كتب عليها “المسيح”.
وفي حالة أخرى انهت كتيبة من الناحل مهماتها العملياتية في منطقة جنين ونابلس حيث عادت بعد المشاركة لاسابيع في القتال، في رسالة الى أهالي الجنود كتب قائد الكتيبة بان الوحدة شاركت في “الدفاع عن الاستيطان اليهودي الحالي، الى جانب الذي عاد بعد سنوات كثيرة الى شمال السامرة، وذلك لخلق استمرارية جغرافية تمكن من الدفاع وتضمن الامن القومي”. صحيح انه يتم استدعاء الجنود لحماية المدنيين الإسرائيليين حتى في أماكن لا يرى فيها بعضهم أي منطق لوجود مدني، الا ان العودة الى شمال السامرة، بما في ذلك إقامة المزارع وإعادة بناء المستوطنات التي تم اخلاءها في عملية الانفصال في 2005، هي عمل سياسي بحت من جانب الحكومة الحالية، وهو ما يعارضه بشدة الكثير من أحزاب المعارضة.
يمكن لقائد الكتيبة ان يجنب نفسه واهالي الجنود ما يسمى بالتفسيرات الاستراتيجية. فهناك حقول الغام ينصح بعدم دخولها.
——————————————
هآرتس 24/7/2026
اشتراط التطبيع مع السعودية قد يعيد احياء القضية الفلسطينية
بقلم: تسفي برئيل
لقد ظهر وكأن واشنطن تسمع صدى الارتياح الذي ساد في القدس بعد اعلان ترامب بان الاتفاق النووي مع السعودية مشروط بالتطبيع مع إسرائيل. ظاهريا، هذا كان انجاز دبلوماسي لإسرائيل، التي تمكنت من ادراج التطبيع على جدول الاعمال في اللحظة الأخيرة. ولكن التطبيع يأتي بثمن لا ترغب إسرائيل في دفعه، وفي نفس الوقت لم تصدر السعودية، الدولة المستضيفة، أي بيان بهذا الشأن، ولم تؤكد ادراج هذا الشرط في نص الاتفاق الموقع بين الطرفين
من هنا لا يمكننا الا دراسة الاحتمالات التي تواجه تنفيذ الاتفاق. لا تعارض السعودية من حيث المبدأ التطبيع مع إسرائيل. وقد أوضحت ذلك جليا حتى قبل حرب غزة. عندما اتفقت مع الرئيس الأمريكي في حينه جو بايدن على استعدادها للتطبيع بشرط ان تتخذ إسرائيل خطوات “لتحسين ظروف عيش الفلسطينيين”، وهذا طلب معقول لا يلزم إسرائيل باتخاذ خطوات ملموسة. ولكن حرب غزة قلبت الموازين.
اشعلت عمليات القتل والدمار الهائلة التي الحقتها إسرائيل بالقطاع ضغط شعبي عربي قوي، وفي غضون أسبوع من اندلاع الحرب، أعلنت وزارة خارجية السعودية وقف المفاوضات مع الإدارة الامريكية بشأن التطبيع. وبعد سنة تمت صياغة موقف السعودية بوضوح ودقة. فقد اعلن ولي عهد السعودية والحاكم الفعلي محمد بن سلمان، في اجتماع مع مجلس الشورى السعودي: “ستواصل المملكة العمل بجدية من اجل إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية. ولن تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل بدون تحقيق هذا الشرط”.
… بينما تم تأجيل مسألة التطبيع، بقي البرنامج النووي السعودي موضوع نقاش بين إدارة بايدن وبعد ذلك إدارة ترامب. في تشرين الثاني الماضي، وقعت الولايات المتحدة والسعودية على “اعلان مشترك لاستكمال التعاون النووي المدني”، وتم التوقيع على الاتفاق في أيار الماضي بدون اثارة موضوع التطبيع من جديد.
السعودية، التي عملت مع فرنسا على تعزيز الاعتراف بالدولة الفلسطينية في الجمعية العمومية للأمم المتحدة، لم تغير موقفها منذ ذلك الحين، ولم يعرف حتى الان اذا كانت قد وافقت على الشرط الذي وضعه الرئيس ترامب امس. ظاهريا، يعتبر هذا شرط ضروري، وعدم الوفاء به قد يعيق عملية الموافقة على الاتفاق، الذي يحتاج أيضا الى موافقة الكونغرس. مع ذلك، لا يخفى على احد ان الخطة المكونة من 20 بند، التي قدمها ترامب في أيلول 2025 كاساس لانهاء الحرب في غزة، تشمل بند يتحدث عن إمكانية إقامة الدولة الفلسطينية.
بينما يتقدم تطوير غزة، واذا تم تنفيذ خطة الإصلاح التي وضعتها السلطة الفلسطينية، فيمكن ان تتهيأ الظروف المطلوبة لمسار موثوق نحو تقرير المصير وإقامة دولة فلسطينية، وهو ما نعترف به كتطلع للشعب الفلسطيني. وستجري الولايات المتحدة حوار بين إسرائيل والفلسطينيين للاتفاق على افق سياسي للتعايش السلمي والمزدهر. هذا ما جاء في الفقرتين الأخيرتين. لم يتحقق أي تقدم حقيقي في تنفيذ الخطة حتى الان، وما زالت الإصلاحات في السلطة الفلسطينية بعيدة عن التنفيذ. ولكن مبدأ الاعتراف بالتطلع المشروع للفلسطينيين الى دولة مستقلة منصوص عليه بوضوح في الوثيقة. ويمكن أن يمهد الاتفاق النووي مع السعودية – والمصلحة المشتركة للدولتين في تحقيقه – الطريق امام نقاش جوهري، بتشجيع امريكي، حول مسألة حل الدولتين.
من وجهة نظر واشنطن، يعتبر الاتفاق النووي مع السعودية مهم جدا، ليس فقط لما يوفره من عشرات مليارات الدولارات للشركات الامريكية التي ستحظى بحقوق حصرية في بناء مفاعلات الطاقة النووية وتطوير البرنامج النووي المدني في المملكة، بل أيضا لانه سيبعد اذا تمت الموافقة عليه، دول غربية مثل فرنسا وألمانيا وكوريا الجنوبية، عن المنافسة على المجال النووي السعودي. ويتوقع أيضا ان يبقي هذا الاتفاق الصين، التي وقعت على مذكرة تفاهم مع السعودية في العام 2022 لتطوير برنامج نووي، خارج الصورة لفترة طويلة.
سيكون لهذا الامر تداعيات كبيرة على قدرة السعودية على تنويع علاقاتها ليس فقط مع الولايات المتحدة وعرض خيارات بديلة واتباع سياسة خارجية لا تعتمد كليا على الإدارة الامريكية، ليس فقط خلال فترة ولاية ترامب، بل أيضا في ظل الإدارات الامريكية في المستقبل. بالنسبة للسعودية فان هذا الاتفاق يمثل عند تنفيذه واستكمال بناء المفاعل النووي، فرصة لتوفير كمية كبيرة من النفط والغاز التي تستخدمها السعودية حاليا للاستهلاك المحلي وتصديرها.
الى جانب الفائدة الاقتصادية الكبيرة التي لن تتحقق الا بعد 10 – 15 سنة، يرسخ الاتفاق أسس حلف الدفاع بين السعودية وامريكا، الذي حتى لو لم يوقع رسميا، سيلزم الولايات المتحدة بانخراط اكبر في الدفاع عن السعودية، سواء بشكل مباشر أو من خلال زيادة كبيرة للدعم العسكري الذي ستقدمه، والذي قد يشمل، ضمن أمور أخرى، بيع طائرات “اف35” وتقنية عسكرية متقدمة. وفي نفس الوقت يتوقع ان يمنح نطاق العلاقة الاقتصادية والاعتماد العسكري بين الدولتين، السعودية نفوذ لدى الحكومة الامريكية، بما سيؤثر على السياسة الامريكية في المنطقة في العقود القادمة.
حسب ما هو معروف حتى الان فان السعودية، وهي دولة موقعة على اتفاق عدم انتشار السلاح النووي، غير ملزمة بالتوقيع على البروتوكول الإضافي الذي يشمل آليات رقابة دقيقة جدا. واستنادا الى فحص مشترك سيسمح لها بتخصيب اليورانيوم على أراضيها، وهو تصريح لم يعط في السابق للدول الموقعة على اتفاق تعاون نووي مع الولايات المتحدة، وكذلك تسويق اليورانيوم والوقود النووي لعملاء في الخارج.
——————————————
يديعوت أحرونوت 24/7/2026
من خطاب القنبلة إلى تناقضات اليورانيوم: غياب الاستراتيجية
بقلم: رونين بيرغمان
يدرس معظم الناس الحقائق والأدلة والواقع – ثم يستخلصون النتائج.
أما في آلة الدعاية لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، فالأمر معكوس: أولًا يُصاغ الاستنتاج أو يُقرأ في قائمة الرسائل اليومية، ثم يُدسون الواقع كالعجين حتى يُناسب الرسالة، لا ما يحدث فعلاً على الأرض. ثم يرتدون عباءة الأمن المطلق، وينشرون هذا التفسير عبر جميع أدوات النظام وشبكاته وقنواته وأبواقه، في محاولة لإقناع الناس بأن هذا هو الواقع.
وإذا ما طرأ بعد حين، نتيجةً لتغير ما، استنتاج أو رسالة مختلفة، بل وربما مناقضة تمامًا، فلا مانع لدى من يسعون جاهدين لإعادة انتخابهم، من إعادة صياغة الواقع ليناسب دعايتهم. وهكذا دواليك.
وهكذا، يخضع وضع المشروع النووي الإيراني لعمليات سحق وخلط وتلميع وإثارة متكررة، حتى وإن لم تكن هناك تغييرات جوهرية في حقيقته، أو لم تكن هناك صلة بينه وبين الطريقة التي يحاول النظام تصويرها.
في أيلول 2012، ألقى نتنياهو خطابه الشهير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة مصحوبًا برسم للقنبلة. في خطابه، جادل بأن النقطة الأهم فيما يتعلق بسباق التسلح الإيراني المدمر، والذي يجب أن يُقلق العالم، هي حالة مشروع التخصيب، لأنه إذا تجاوز الإيرانيون عتبة معينة، فسيكون هناك دائمًا خطر استكمالهم بقية الأبحاث والإنتاج والتطوير في مواقع سرية.
كانت حالة المشروع النووي الإيراني آنذاك شيئًا لا تحلم به إسرائيل حتى في أكثر الليالي تفاؤلًا، متخلفة بأجيال عن الوضع الحالي.
أراد نتنياهو مهاجمة إيران، وحاول إقناع أمريكا بذلك. اقتنع الرئيس السابق باراك أوباما بالخطر، لكنه لم يقتنع بالحل، ووقع الاتفاق النووي رغم كل محاولات نتنياهو لعرقلة المفاوضات. وكجزء من الاتفاق، تخلت إيران عن معظم مخزونها، وحرصت على الوفاء بشروطها المتمثلة في تكديس كمية ضئيلة فقط بتخصيب منخفض للغاية.
جادل نتنياهو بأنه على الرغم من تحسن الوضع بشكل ملحوظ مقارنةً بوقت خطابه، إلا أنه في الواقع قد تدهور بشكل كبير، ونجح في نهاية المطاف في خطته وأقنع ترامب بالانسحاب من الاتفاق. استأنفت إيران تخصيب اليورانيوم بمستويات جنونية، حتى بلغت في عام 2021 ما يكفي من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة لصنع قنبلة واحدة. ثم أخرى. ثم أخرى. ثم أخرى.
ادعى نتنياهو، الذي أقنع ترامب بخرق الاتفاق، والذي لم يعترف قط بخطأ، أن الوضع تحت السيطرة.
عندما عاد نتنياهو إلى السلطة عام 2023، وجد على مكتبه معلومات تراكمت منذ نهاية العام السابق تفيد بأن علماء في المجموعة الإيرانية كانوا يناقشون فيما بينهم إمكانية تطوير أبحاث لتجميع قنبلة، بل واتخذوا خطوات في هذا الشأن. ورغم الخطر، بل والخطر الوجودي، الذي قد ينعكس على إسرائيل، قال نتنياهو إن الأمور تحت السيطرة. لكنها لم تكن كذلك، لأن إيران واصلت تخصيب اليورانيوم لصنع المزيد والمزيد من القنابل حتى جمعت ما يكفي لصنع 12 قنبلة ونصف.
لم يتذكر نتنياهو وحاشيته معلومات عام 2022 إلا عندما اضطروا لتبرير إطلاق عملية “الأسد الصاعد” بعد ثلاث سنوات. لكن إذا كانت إيران بالفعل على وشك امتلاك قنبلة نووية، وعلى بُعد خطوة واحدة منها، وكان الأمر مسألة وجودية حقًا، فلماذا لم تُطلق العملية قبل سنوات؟ هل اعتقدوا أن الإيرانيين سينتظرون حتى تُقرر إسرائيل أن الوقت قد حان؟
بعد حملة “الأسد الصاعد”، عندما صرّح نتنياهو بأن التهديدات الوجودية لبرامج إيران النووية والصاروخية قد زالت، كتبنا هنا أنه كان يكذب، وأنه كان يعلم أنه يكذب. العنصر الذي ادّعى بنفسه أنه الأهم، والذي يجب بذل كل جهد ممكن لضمان عدم امتلاك إيران له، هذا العنصر، المادة التي حققت الهدف، لم يُمسّ على الإطلاق. خرجت مجموعة من “الصحفيين” الذين يُتقنون الكذب والخداع للدفاع عن نتنياهو والإنجازات (العديدة حقًا) لحملة “الأسد الصاعد”، بما في ذلك تلك التي ادّعاها نتنياهو ولم تحدث أبدًا.
تناقضات نتنياهو: اليورانيوم دُمِّر ودُفن – ثم نُقل إلى جبل
عندما طُلب منهم الدفاع عن ادعاء نتنياهو بزوال التهديد النووي، أوضحوا، وهم على دراية تامة، أن جميع أجهزة الطرد المركزي الإيرانية قد دُمِّرت، وكذلك الأنظمة المحيطة بها، وأن اليورانيوم المخصب قد دُفن وأصبح عديم الفائدة، وأن أي شخص يدّعي أن إيران لا تزال قادرة على إحراز تقدم نحو امتلاك قنبلة هو جاهل أو مُروِّج للدعاية أو مُتلاعب، وأنه إذا قرر الإيرانيون استئناف هذا المسعى، فسيستغرق الأمر منهم ما بين 10 إلى 15 عامًا.
ثم اندلعت الحرب الحالية، ووفقًا لادعاءات نتنياهو وترامب، فقد دمرت مرة أخرى المشروع النووي في إيران.
لكن بعد أربعة أشهر، عندما طُلب منهم إقناع ترامب بالعودة إلى قصف إيران، انقلبت الحقائق رأسًا على عقب. اتضح أن المشروع النووي الإيراني، بدلًا من أن يتقلص كما وعدوا، يزداد قوة. كلما زاد قصفه، ازداد نموه وانفجاره.
وفجأة، سرب شخص من إسرائيل إلى صحيفة “وول ستريت جورنال”، وهي جهة معروفة بتلقيها معلومات يرغب مكتب رئيس الوزراء في نشرها، بدرجات متفاوتة من الصحة، أن المخابرات الإسرائيلية اكتشفت أن إيران تُهرّب أجهزة طرد مركزي إلى “جبل الفأس”، وهو موقع نووي إيراني قيد الإنشاء بالقرب من نطنز.
هذا خبر غريب، ليس فقط لأن تسريب ما كان يُتوقع أن يكون معلومات استخباراتية بالغة الحساسية، لا سيما في ظل الحرب، لم يُثر غضب رئيس الوزراء وفريقه، ولم يتلقَ رئيس جهاز الأمن العام (الشاباك) دافيد زيني أي اتصال هاتفي يطالب بفتح تحقيق، وليس فقط لأن عبارة “جبل الفأس” أصبحت فجأةً تتصدر عناوين الصحف وتعليقاتها مصحوبةً بنفخات البوق، بل لأن تقرير صحيفة “وول ستريت جورنال” يُناقض تمامًا ادعاء نتنياهو بأن التهديد الوجودي قد زال.
وفجأة، أفادت قناة تابعة للحاكم أن إيران نقلت إلى جبل الفأس ليس فقط آلاف أجهزة الطرد المركزي، تلك التي زُعم تدميرها بالكامل، بل أيضاً يورانيوم مخصبً، يمكن تخصيبه بنسبة تتراوح بين 60 و90 بالمئة، وأنه في حال نقل مكونات إضافية، فبإمكانها صنع قنبلة في وقت قصير.
“حدثٌ بالغ الخطورة”، هكذا وصفه من وعد في آذار الماضي بتدمير كل شيء، لكنه الآن، في الوقت الذي بات فيه من الضروري تبرير الهجوم للولايات المتحدة، وشرح سبب استمرار الحرب المرهقة لإسرائيل بعد ثلاث سنوات، يُقال عكس ذلك تماماً – أن نقل اليورانيوم إلى جبل الفأس يُقرّب إيران من التخصيب العسكري، وأن مكان احتياطيات اليورانيوم غير واضح، وأن على إسرائيل والولايات المتحدة تحييد الموقع.
في آذار: تم القضاء على التهديد، وتدمير كل شيء، ودفن كل شيء.
في تموز: آلاف أجهزة الطرد المركزي، واليورانيوم المخصب، وخطر الاقتحام، وقنبلة في وقت قصير.
أوضح المعلق نفسه أن جهاز الطرد المركزي ليس جهاز كمبيوتر مكتبيًا يُوصل بالكهرباء. أما القناة التي يبث منها فهي كذلك. تضغط على الزر فيتغير الواقع: تُدخل الرسالة اليومية، وتضغط الزر – فيضيء الواقع تمامًا كما أمر الحكم.
لقد عشنا هذا السيناريو من قبل. فبعد الهجمات السابقة، سُمعت كلمات قاطعة على الفور: القضاء، والتدمير، والمحو، والتراجع لعقود. لكن وراء لغة النصر، بقيت الأسئلة نفسها عالقة: أين المواد المخصبة؟ ما الذي نجا من المنشآت؟ ما الذي تم نشره مسبقًا؟ ما هي القدرات المتبقية في المواقع السرية؟ وهل تخلت إيران حقًا عن القنبلة – أم أنها تعلمت فقط كيفية إخفاء الطريق إليها؟ بدلًا من الإجابات، حصلنا على عرض، وبدلًا من تقييم للوضع، حصلنا على احتفال بالنصر.
إنّ “التضليل” الذي يُمارس على الرأي العام الإسرائيلي بشأن القضية النووية أمرٌ بالغ الأهمية، ليس فقط لمحاسبة من ضلّلوا الرأي العام وسمّموه لفترة طويلة، بل أيضاً للنظر إلى المستقبل بثبات.
وبحسب معلومات وردت الليلة الماضية، ليس جميعها من تسريبات أعضاء الكنيست من حزب الليكود، فإنّ الولايات المتحدة قد تشنّ هجوماً واسع النطاق وقاسياً على إيران اليوم. فهل ستشارك إسرائيل؟ قال ترامب إنّها ستنضمّ اذا ما دعاها الى ذلك، وهو ما يُعدّ إهانةً بالغةً أخرى لنتنياهو، الذي يتحدث عنه ترامب ويخاطبه بعباراتٍ تُسيء حتى إلى أتباعه.
وبُثّت الليلة الماضية في إسرائيل انباء عن أنّ هذه خطوة أمريكية. وحتى لو صحّ ذلك، فإذا هاجمت الولايات المتحدة إيران بشدّة، كما وعد ترامب وكما يبدو أنّ الاستعدادات تُشير، فهناك احتمالٌ كبيرٌ أن تُهاجم إيران إسرائيل وتُعيدها إلى ساحة المعركة.
وكما هو الحال في هذه الحرب برمّتها، لا تزال المعلومات غير مؤكدة، وربما لم يُتخذ القرار بعد، وقد تعلّمنا في الشرق الأوسط أنّ المسافة بين الخطة العملياتية والأمر التنفيذي قد تكون دقيقةً أو دهراً. لكن حتى لو لم تقلع الطائرات اليوم، يبقى المجهول على حاله: بعد ليلة أخرى من الانفجارات، ومزيد من صور الأقمار الصناعية، ومزيد من مقاطع الفيديو التي تُظهر النيران في سماء طهران، وتصريح آخر من دونالد ترامب بأن إيران “تلقّت ضربة لن تُنسى” – فماذا يُفترض أن يحدث بالضبط في اليوم التالي؟
قوة الانفجار ليست مقياسًا للنجاح الاستراتيجي
قد يبدو هذا السؤال غير وطني تقريبًا في الساعات الأولى من الحرب. سيهتف الجميع، وسيفرح الجميع. سيشرح المعلقون أننا هذه المرة “ضربناهم بقوة”، وسيتعجب الجنرالات السابقون من الدقة، ويسارع السياسيون الذين لم يُتقنوا تحديد الأهداف إلى إعلان أن العملية حققت أهدافها قبل أن يُحددها أحد. لكن الحرب ليست مسابقة ألعاب نارية. قوة الانفجار ليست مقياسًا للنجاح الاستراتيجي، وعدد الأهداف التي تم استهدافها ليس إجابة على سؤال ما الذي أردنا تحقيقه.
من المرجح أن تدفع إسرائيل الثمن حتى لو لم تُقدم على إطلاق النار: من خلال إطلاق النار، والإرهاب، وتدمير الاقتصاد، والانخراط مجددًا في حرب لم تبدأها ولا تعرف كيف ستنتهي. يجب ألا يُنسيها شعورها بأن أمريكا “تقوم بالعمل نيابةً عنها” التفكير في مصالحها.
الوضع الحالي أسوأ مما كان عليه في البداية، ليس فقط لأن المعلقين الذين يتحدثون بلغة النظامين الإسرائيلي والأمريكي يقولون إن إيران على وشك الانهيار، وأن دفعة أخرى، وإسقاط قنبلة أخرى، وستنهار، وهو ما لم يثبت صحته حتى الآن. بل إن الوضع أسوأ أساسًا بسبب مضيق هرمز. لقد أتقن الإيرانيون فن السيطرة على العالم، وأدركوا مدى سهولة ذلك، ولا شك أن ترامب أكثر اهتمامًا بما يحدث عند المعابر من اهتمامه بجبل الفأس. هذا لا يعني أنه لن يشن هجوماً هناك، ربما ليعلن أنه قد دمر المشروع (مرة أخرى)، لكن من الواضح أنه لا يستطيع الخروج من هذه المواجهة مع حكم آيات الله بإبقاء المضيق مغلقاً والسماح لإيران بفرض ضريبة على المرور من هناك.
قيل سابقًا إن الهجوم سيدفع إيران إلى اتفاق. ثم قيل إنه سيردعها. ثم قيل إنه سيدفع الاقتصاد الإيراني إلى حافة الانهيار. ثم قيل إن الشعب سيخرج إلى الشوارع. وأخيرًا، وُلدت خطة طموحة للإطاحة بالنظام: مئة ساعة من الهجمات، وقطع رؤوس كبار القادة، وتعبئة القوات من الهامش، وإشعال ثورة داخلية، وتنصيب ما سُمّي بـ “حكومة بديلة”. كانت “خطة القط ذي الحذاء”، لكن الحقيقة كانت واضحة. لم يستطع أحد أن يُفسّر من سيحكم إيران في اليوم التالي، ومن سيُحافظ على وحدة هذا البلد الشاسع، ومن سيُسيطر على الجهاز الأمني، وماذا سيحدث إذا ما حلّت الفوضى، أو الحرب الأهلية، أو نظام عسكري أكثر تطرفًا، وليس ديمقراطية موالية للغرب.
تدهور بلا وجهة – والسؤال الذي يجب طرحه:
ان النظام الإيراني هو نظام وحشي، وقمعي، وخطير. لا داعي للمبالغة في وصف حقيقة بسيطة: الأنظمة لا تستسلم بالضرورة لمجرد تعرضها لقصف أشد. أحيانًا تنهار، وأحيانًا تتراجع، وأحيانًا أخرى تفعل العكس تمامًا – تُعيد توحيد صفوفها، وتُصفّي معارضيها الداخليين، وتُسرّع خططها السرية، وتُؤسس شرعيتها على عدو خارجي. من يُعلن الحرب على افتراض أن الإيرانيين هذه المرة سيفهمون الرسالة وينفذون أوامر ترامب، لا يُقدّم استراتيجية، بل يُقدّم أمنيات مُقنّعة.
للولايات المتحدة أهداف عسكرية مشروعة تمامًا: حماية قواتها، والحدّ من قدرة إيران على تهديد خطوط الملاحة، وتدمير منظومات الصواريخ، أو وقف أي تقدم مُتجدد نحو امتلاك أسلحة نووية. لكل هدف من هذه الأهداف منطق، وله ثمن، وقيود، وشروط إنهاء مختلفة. لكن لا يُمكن اختزالها جميعًا في شعار “الضغط الأقصى”، وكأن جرعة أخرى من النيران ستُؤدي سحريًا إلى استسلام دبلوماسي كامل.
لا يُمكن للضغط العسكري أن يُساعد في المفاوضات إلا إذا اقترن بمقترح سياسي واضح: ما المطلوب من إيران فعله، وما ستحصل عليه في المقابل، ومن سيُراقب، وماذا سيحدث في حال انتهاكها للاتفاق. عندما يكون المطلب فعلياً “استسلمي، ثم سنرى”، حتى أضعف الأعداء قد يُفضّل أحياناً مواصلة القتال، لأنه لا يرى مخرجاً سوى الإذلال أو الإبادة.
ماذا ستفعل واشنطن إذا لم تستسلم إيران بعد الموجة الأولى من الهجمات؟ ستضرب مجدداً. وإن لم تفعل حتى ذلك؟ ستُوسّع قائمة الأهداف. وإذا ردّت طهران على القواعد الأمريكية، فهل ستُغلق المضيق أم تُفعّل وكلاءها؟ دعونا نتعمّق أكثر. هذا هو حال التدهور بلا هدف: تُقدّم كل مرحلة كإجابة ضرورية للمرحلة السابقة، حتى ينسى الجميع السؤال الأصلي.
وحتى حقيقة أن إسرائيل ليس من المفترض أن تُشارك هذه المرة، وهذا إذا لم يكن كان الأمر مجرد تمويهً، لا تُعفينا من النقاش. قد تدفع إسرائيل الثمن حتى عندما لا تُطلق النار: في إطلاق النار، وفي الإرهاب، وفي الخسائر الاقتصادية، وفي تجدد الحماس لحرب لم تبدأها ولا تدري كيف ستنتهي. يجب ألا يحل الفرح بأن أمريكا “تقوم بالعمل نيابةً عنا” محل التفكير الرصين في المصالح الإسرائيلية.
قبل إقلاع الطائرات، علينا أن نسأل أربع كلمات تبدو بسيطة للغاية بالنسبة لغرف العمليات: ما هو الهدف السياسي النهائي؟ ليس ما الذي سيُقصف، بل ما الذي يجب تغييره. ليس مدى قوة الضربة، بل ما هو الوضع الأفضل الذي يجب خلقه. وإذا لم تكن هناك إجابة واضحة وقابلة للقياس والتحقيق، فقد ينتهي حتى أكثر الهجمات إثارة للإعجاب كما انتهت سابقاتها: بينما تلوح صورة النصر، وخطاب تباهٍ آخر، وجولة أخرى مؤجلة لعدة أشهر، وإيران واحدة – جريحة، غاضبة، خطيرة، وما زالت قائمة.
——————————————
إسرائيل اليوم 24/7/2026
التخوف: حتى بعد جولة القتال التالية سنعود الى نقطة البداية
بقلم: شاحر كلايمن
بافتراض ان الإدارة الامريكية لن تجري التفافة حدوة حصان أخرى مفاجئة فان الشرق الأوسط على عتبة جولة قتال إضافية. في كل ليلة يعمق الجيش الأمريكي هجماته في ارجاء ايران، ضاربا البنى التحتية العسكرية. وفي كل يوم يوسع الحرس الثوري نطاق التصعيد تجاه الدول العربية، وينقض على كل نقطة ضعف أمريكية.
اذا ما اطلقت إنذارات في إسرائيل أيضا قبيل استئناف القتال، ينبغي الامل في أن تكون تقررت هذه المرة اهداف محددة ومركزة. مثلا، تدمير أو اخلاء مخزون النووي بالمستوى العالي وضربة إضافية للبنى التحتية النووية. في هذه الاثناء، يلوح من تصريحات ترامب هدف اشكالي وغامض جدا: اخضاع النظام الحالي في طهران للاملاءات الامريكية. غير أن هذه الشروط ليست واضحة على نحو خاص ومنذ زمن بعيد لا تلمس التهديدات الفورية على إسرائيل وعلى المنطقة.
في مذكرة التفاهم التي وقعت بين طهران وواشنطن لم يكن تطرق واضح لفروع الإرهاب او للصواريخ الباليستية. أساس الوثيقة تعلق بحرية الملاحة الدولية في مضيق هرمز، والتي تؤثر على ما يهم البيت الأبيض حقا. اسعار الوقود. كما أن البحث العملي في البنى التحتية النووية تأجل الى موعد غير واضح.
بلغة بسيطة: انها واشنطن وليست طهران هي التي بثت علائم ضعف وتراجع عن مواقفها الأولية. فالهدف المركزي السابق المتعلق بخلق الظروف لاسقاط النظام في طهران اهمل تماما، هذا اذا كان قصد ترامب ونتنياهو ذلك حقا في أي وقت من الأوقات. في هذا السياق، فان مبادرات مثل تتويج الرئيس الأسبق محمود احمدي نجاد تلمح باجواء الخداع، انعدام الجدية وغياب التفكر.
تحالف جديد في الخليج
لشدة المفارقة، فان العنصر المركزي الذي يمنع اتفاقا دبلوماسيا يحرر طهران من العقوبات سيضخ اليها مليارات الدولارات ويحولها الى قوة عظمى إقليمية هو بالذات القيادة الجديدة. احمد وحيدي، محسن رضا ومقربوهما – الجنرالات المتقاعدون من الحرس الثوري ممن امسكوا بخيوط الحكم ويختبئون خلف العباءة الطويلة لمجتبى خامنئي – يفشلون كل مبادرة دبلوماسية من الباكستان او من دول الخليج. بعماهم هم واثقون من ان الإدارة الامريكية ستتخلى تماما عن نفوذها في الشرق الأوسط وستسحب كل قدراتها العسكرية.
فضلا عن ذلك تواصل قيادة الحرس الثوري كل يوم إضافة المزيد فالمزيد للاعداء لها في قائمة ممتدة: من الأردن حتى بريطانيا. فاعلان الجهاز الإيراني عن هجمات ضد “قوات الاحتلال الأمريكي” لا تقنع أحدا في ممالك الخليج، بل بالعكس – في الأسبوع الأخير لاحت مصالح بين السعودية واتحاد الامارات بعد اشهر من التوتر بسبب خلافات في الساحة اليمنية. في الخليج يتحدثون عن تحالف إقليمي جديد وعن ضياع أوراق الضغط للنظام الإيراني.
المثال الشيعي، التضحية الشاملة
وأهم من هذا، فان قادة الحرس الثوري يتجاهلون انه حتى اذا لم تسقط جولة القتال النظام وتحقق اهداف إسرائيل والولايات المتحدة، فانها بالتأكيد ستزرع مزيدا من الدمار والخراب، وربما تقطع رؤوسهم. المثال الشيعي الأعلى المتمثل بالتضحية الشاملة سيكون عديم الجدوى لمن سينجون. ولا يزال التخوف هو ان يعود الطرفان في نهاية الجولة الى نقطة البداية: مفاوضات غير مباشرة على اتفاق دبلوماسي يعزز طهران. صحيح حتى الان لا يبدو ان الولايات المتحدة تعتزم احتلال الانظام الإيراني بصيغة العراق وإقامة حكم بديل ومؤيد للغرب فيها. ترامب يؤثر الى أنه يفضل صفقة، مهما كانت سيئة.
مهما يكن من امر، يجمل بإسرائيل ان تستخلص الدروس من الحملة السابقة وتحدد أهدافا واضحة (كما اسلفنا، تدمير او اخلاء مخزون اليورانيوم وضربة إضافية للبنى التحتية النووية). خير دوما اضعاف النظام الإيراني، لكن اسقاطه، على ما يبدو، ليس متعلقا بنا.
——————————————
هآرتس 24/7/2026
إسرائيل 2026 على حافة الهاوية
بقلم: عيديت زرطال
“نقطة الصفر” هو مصطلح اطلقه علماء الذرة الامريكيون على الموقع الدقيق الذي سقطت فيه القنبلة التي انتجوها. بعد ذلك استخدم المصطلح كدلالة على كوارث غير مسبوقة ونقطة انحدار لا يمكن ان يكون هناك ادنى منها، واستعارة لحدوث كل الكوارث. أعاد تفجير أبراج التوائم في نيويورك احياء هذا التعبير، عندما سمي موقع تحطم رموز القوة والثروة الامريكية بهذا الاسم بشكل عفوي. على مر السنين اكتسب هذا المفهوم معنى البداية الجديدة من الصفر رغم كل الصعوبات.
في مواجهة دمار أوروبا في نهاية الحرب العالمية الثانية، وما خلفته من عشرات ملايين القتلى والضحايا والجحيم الإنساني الذي أصاب العالم، تساءل الفنانون والمفكرون في أوروبا اذا كان هناك أي أمل لهذا المكان. كتبت الفيلسوفة اليهودية سيمون ويل في العام 1946: “يبدو اننا فقدنا أساس العقل، مفاهيم القياس والمعيار والطبيعة؛ النسب والعلاقة، الصلة والنتيجة. نحن ملأنا عالمنا السياسي بالوحوش والاساطير. لا نعترف الا بالهوية والمطلق ونهاية الغاية”.
بينما قالت الكاتبة الإيطالية نتاليا غينسبورغ، التي قتل زوجها أب أولادها، المناضل ضد الفاشية، ليونا غينسبورغ، على يد الالمان في سجن في روما بعد الحرب: “نحن لن نتعافى ابدا من هذه الحرب، لا فائدة من المحاولة، لن نعود أبدا شعب مسالم، شعب يفكر ويتعلم ويعيش حياة هادئة، انظروا ماذا أصاب بيوتنا، وما اصابنا، لن نعود أبدا الى السلام” (“الانسان” – 1946، من: يصعب على الانسان التحدث عن نفسه – حوارات مع نتاليا غينسبورغ، ترجمة ياعيل عنبر، الكرمل، 2005).
هذا السؤال يتردد صداه هنا أيضا لدى كثيرين منا. هل يوجد أمل بعد الان؟ هل يمكننا التعافي؟ هل ستتمكن آلاف العائلات الثكلى والجرحى والممزقة من الحرب من العودة الى حياة هادئة وإيجاد معنى أو فرح؟ هل يمكن إعادة بناء كل ما دمر وهدم؟ إسرائيل 2026 على شفا الانهيار، أو هي قريبة من ذلك، اما أن تنتهي أو تبعث من جديد. يبدو ان دولة انحرفت عن المسار وفسدت ودمرت فيها الفضاء العام والفضاء السياسي واللغة والتواصل بين الناس بشكل كامل، لم تعد مكان صالح لحياة فكرية وجمالية وحوارية وصداقة. لا احد يستطيع الجزم بإمكانية اصلاح هذه الدولة. ولكن المؤكد هو ان إسرائيل كدولة ومجتمع وثقافة تبذل قصارى جهدها لإحباط أي امل للإصلاح.
ابرز ما يقال في هذه السنة الانتخابية هو ان هذه الانتخابات هي الأكثر مصيرية في تاريخ البلاد، ومثلما هي الحال مع كل عبارة مبتذلة، فيها شيء من الحقيقة. مع ذلك، الحملة الانتخابية التي بدأت تسير بالفعل بمعظمها الى الوراء مثل سرطانات البحر على الشاطيء، وتتعامل مع مصطلحات فقدت معناها، ومفارقات تاريخية تحمل في طياتها بذور خرابها وخرابنا. المعركة التي قد تكون الأخيرة سيتم خوضها على كل الجبهات: في القانون، الاعلام، التعليم والثقافة، أو بتعبير اقرب الى تعبير تشرتشل في كل مكان، في الشوارع، الجبال والوديان، صبح مساء.
الهدف المباشر هو القضاء التام على حكم الجريمة والإهمال والعار الذي أدى الى الدمار الحالي للمشروع الإسرائيلي. ولكن لن تكون هناك نهضة حقيقية طويلة الأمد لهذا المكان اذا تم التنازل عن النضال الأكبر الذي يحتاج الى دورة فكرية وسياسية جذرية وتفكير جديد، ونقاش، وتفكيك وإعادة بناء كل شيء من الصفر. ان الاستسلام لمفاهيم العصر الحجري التي تعتبر من اكثر أساليب التضليل الإعلامي فعالية منذ نماذجها المعروفة في ثلاثينيات واربعينيات القرن الماضي، والتي تتغلغل في عقول قادة المعارضة وتحركهم بدون تفكير جريء وابداعي من الصفر، قد يحقق النصر، لكنه سيكون نصر مؤقت ومضلل. وبهذا المعنى تمثل القائمة الديمقراطية الجديدة وعد كبير، واحتمالية انضمام يوآف سيغالوفيتش لمنصور عباس، التي نشر عنها في هذا الأسبوع، تعتبر نهاية حقيقية لنهاية الزمان.
لان احباط الشراكة مع العرب في قيادة الدولة وكتابة تاريخ إسرائيل، من خلال مساعدتهم على كشف زيف مصطلحات مثل “الصهيونية” و”الصهاينة”، لا يعني الا التطهير العرقي للسياسة والعنصرية. فقط في ظل احياء اورويل يمكن للديمقراطية ان تكون عنصرية و”صهيونية” في نفس الوقت، وأن تتعايش مع “التصفية” السياسية لخمس مواطنيها أو انشاء غيتو سياسي لهم. وماذا عن قليل من الذاكرة التاريخية؟ هل لا تحمل تعابير من الماضي القريب مثل “خالي من اليهود” أو “خالي من العرب” أي معنى لهؤلاء “اليهود الديمقراطيين”؟.
كان المشروع الصهيوني يطمح في الأصل الى التنور والتحرر. فقد عمل على تنمية الثقافة، التعليم، اللغة والعمل اليدوي، وإعادة الشعب اليهودي الى مكانته التاريخية. وعند قيام الدولة كان من المفروض ان ينتهي دوره. ولكن الضعف السياسي والمصالح الضيقة أبقت عليه واصبح المرادف للاشرعية وانتهاك مبدأ المساواة المدنية في الدولة بسبب سياسته التمييزية ضد غير اليهود. لم تحصل أي قرية عربية أو مشروع مدني مثل طريق أو مدرسة أو عيادة، على أي اغورة من التبرعات التي ما زال الكيان الصهيوني يجمعها في الشتات.
على مر السنين أصبحت المؤسسات الصهيونية شريكة فاعلة في إقامة مستوطنات يهودية غير شرعية في المناطق المحتلة. وتم استثمار مبالغ كبيرة جمعت في الشتات في نشاطات ومشاريع خلف الخط الأخضر، الامر الذي شكل تحد للدولة. قدمت المنظمات الصهيونية الخبرة اللوجستية والعملياتية لاقامة المستوطنات و”احياء الأرض” المزعوم وكأن ارض فلسطين خالية. وعند صعود اليمين الى الحكم أصبحت الصهيونية مرادفة للاحتلال والقمع والاستيلاء على الأراضي، وبناء على ذلك ينظر الى إسرائيل في العالم كدولة عنصرية لها توجهات مسيحانية، وتمثل التفوق اليهودي والوحشية.
من المفارقة ان المشروع التاريخي للصهيونية، الذي كان يهدف الى جلب اليهود المضطهدين الى وطن جديد، اصبح في السنوات الأخيرة احد أسباب “طرد” اليهود الإسرائيليين في الاتجاه المعاكس، من الوطن الى الشتات. عشرات آلاف الإسرائيليين الذين لم يعودوا يعتبرون انفسهم شركاء في الدولة الصهيونية العنصرية، أو في الرواية الصهيونية الإسرائيلية، أو في شر الاحتلال الصهيوني، هاجروا من البلاد بالفعل وانتقلوا الى مكان آخر.
وبينما تتصدر الصهيونية المشهد في الحملة الانتخابية، ويجري تلميع صورتها وتزييفها بشكل مبالغ فيه، فقط لاستبعاد اكثر من 20 في المئة من الشعب الاسرائيل عن التطلعات وآفاق التغيير، تعاد كتابة مفهومين آخرين أو يمحيان تماما تقريبا، مثلما فعلوا الذين اعادوا كتابة التاريخ في الأنظمة الشمولية والمستبدة، المعنى هو “الاحتلال” و”السلام”. ان اختفاءهما من الخطاب السياسي والأخلاقي الإسرائيلي هو احد مؤشرات الانحدار الأخلاقي والسياسي الذي وصلت اليه إسرائيل. يهدد الاحتلال صورتنا الذاتية الزائفة بشكل كبير. في حين ان السلام هو شأن خاص بالضعفاء والمدللين والمهزومين، ناهيك عن الخونة.
لقد اصبح الاحتلال غائب جديد، اما المضطهد العائد فهو قريب مرعب ومكمم. كتب برتولد بريخت: “عندما تتراكم الجرائم تصبح غير مرئية، وعندما يصبح الألم غير محتمل لا تسمع الصرخات”. كانت الدلائل واضحة. ما الذي نحتاجه اكثر مما قاله يشعياهو لايفوفيتش في نيسان 1968؟ لقد قال ان جيش الدفاع الإسرائيلي سينحدر الى “جيش احتلال قادته حكام عسكريون”. ان جوهر “الوحش” الذي يسمى “ارض إسرائيل الكامنة” يكمن في “وجود جهازه الإداري والحكومي نفسه، سيكون العرب هو العمال واليهود هم المديرون والمشرفون والموظفون ورجال الشرطة، خاصة الشرطة السرية. ستكون الدولة التي تحكم 2 مليون اجنبي، معادين بالضرورة، دولة تابعة لجهاز الشباك، بكل ما يترتب على ذلك من آثار على روح التعليم وحرية التعبير والفكر، والنظام الديمقراطي”.
بعد مرور أربعين سنة على اقوال لايفوفيتش النبوئية جلس ستة من رؤساء الشباك السابقين امام كاميرا درور مور السينمائية واعترفوا بجرائم دولتهم وجهازهم في المناطق المحتلة. احدهم قال ان الاحتلال كان غير فعال وغير انساني وغير أخلاقي، وقال ان “جيش الاحتلال الوحشي يشبه الالمان في الحرب العالمية الثانية”. وتحدث آخر عن عمليات القتل والتعذيب والاعتقال التعسفي واقتحام البيوت والاغتيال والهدم وقال: “نحن اننا نتعامل مع شعب يرغب 80 في المئة منه في العيش بسلام”. وثالث قال (درور مور، كتاب “حراس البوابة”، يديعوت سفاريم، 2014): “لقد جعلت إسرائيل حياة ملايين الأشخاص مستحيلة ومعاناة مستمرة”. كان هؤلاء يعرفون ما يقولون. لقد اشعلوا فتيل الاحتلال وكانوا المسؤولين عن ممارساته الوحشية. لم يتحدثوا الا بعد التقاعد. من المؤكد ان الرئيس الحالي لهذا الجهاز قد شاهد وسمع عن افعالهم. هذه الفظائع التي تحدث حتى هذه اللحظة هي زمن المسيح، دقات الخلاص”.
حتى الذين شاركوا في الاحتجاجات الكبيرة ضد الانقلاب النظامي وحروب السنوات الأخيرة رفضوا فهم ان الاحتلال، الذي يمثل الخطر الوجودي الأكبر على إسرائيل، هو السبب والمحرك لكل شيء: لحكم اليمين المتطرف ذي النزعة المسيحانية، انهيار القانون، التدهور نحو الديكتاتورية، فظائع 7 أكتوبر واحتجاز الرهائن، جرائم الحرب في غزة والإرهاب اليهودي في المناطق المحتلة. لقد اختفت الصلة، بل ومحيت. ان الوعي المصطنع لا يمكنه رؤية استحالة وجود القانون والعدالة والمساواة والأخلاق والإنسانية في دولة احتلال. ان الادعاء بان إسرائيل ديمقراطية وعادلة ينهار يوما بعد يوم امام واقع المناطق المحتلة، حيث تعيش مجموعتان عرقيتان منفصلتان، واحدة تنعم بالانتماء لقانون الدولة الام وتتمتع بالامتيازات والحقوق المدنية التي تعطيها، في حين ان الأخرى، الأغلبية، محرومة تماما من الحقوق ومضطهدة ومستعبدة من قبل السكان المحتلين.
في عيد العرش في العام 1979 أرسلت نعومي شيمر (هوروفيتس) رسالة الى البروفيسور لايفوفيتش كتبت فيها انها تعودت على قراءة كتابه “اليهودية، الشعب اليهودي ودولة إسرائيل” والتأمل فيه، وان رؤيته حسب تعبيرها “ان تكون دولتنا يهودية في دستورها وأسلوب حياتها”، ظهرت لها مثيرة وثورية، لا سيما ان هذه الثورة قد تكون “ثمرة إرادة فئة صغيرة”. وسألت شيمر لايفوفيتش: “الا تعتقد ان غوش ايمونيم لديها فرصة لتكون هذه الفئة؟”.
انفجر لايفوفيتش غضبا، اليهودي المتدين، عند قراءة كلماتها، وكتب لها: “لقد أخطأت خطأ كبير في فهم كلامي”. لم اطمح أبدا الى ان تكون دولتنا يهودية في دستورها وأسلوب حياتها. هذه الكلمات لا معنى لها. الدولة ليست شخص، بل مجرد آلية حكومية، والشخص وحده هو الذي يمكن ان يكون “يهودي” (أو غير يهودي)، والشخص وحده هو الذي يملك “أسلوب حياة”. كل دولة – ماضية وحاضرة ومستقبلية – هي بالضرورة نظام علماني. وأضاف لايفوفيتش: “لم تكن جمعية غوش ايمونيم، وما تزال، مهتمة باليهود أو اليهودية أو أسلوب الحياة اليهودي على الاطلاق، بل فقط بالمصلحة الحكومية للدولة”. لهذا السبب تتعاون مع الكفار، أساسا… حتى يتمكنوا معا من الاستيلاء على أراضي اجنبية وشعب اجنبي. وقال أيضا ان “غوش ايمونيم” لا تهتم على الاطلاق بتوطين الأراضي اليهودية المهجورة في داخل دولة إسرائيل، “لانها لا ترى في ذلك مصلحة حكومية أو احتلالية” (نشر في منشور للمكتبة الوطنية، 18 آب 2019).
يمثل هذا الحوار، رغم خصوصيته، لحظة مهمة في الخطاب الإسرائيلي حول الدولة واليهودية، وحول غوش ايمونيم التي برزت على الساحة قبل بضع سنوات. فمن جهة، عبرت هذه الحركة عن بداية وشغف نعومي شيمر وكثيرين غيرها بالايمان الأسطوري والديني الذي ازداد قوة بعد الانتصار العسكري في 1967، وتغيير الحكومة في 1977، تحت غطاء هش ومضلل من العقلانية الصهيونية الإسرائيلية العلمانية. ومن جهة أخرى، كان هناك قلق لايفوفيتش وامثاله من هذا التوجه. ان التداخل المتزايد بين الدين والسياسة ووضع الله في مركز الصدارة في الساحة السياسية، وبث الأوهام المسيحانية أو “الاساطير والوحوش”، كما وصفها ويل، كان له نصيب وافر في هذه الظاهرة. وقد صدقت ملاحظات لايفوفيتش كالعادة. ولكن وهم شيمر بالتحديد هو الذي تحول الى واقع مخيف على ارض الواقع وفي التاريخ. فقد كانت “غوش ايمونيم” هي المنظمة السياسية والدينية والاجتماعية التي اثرت ي تاريخ إسرائيل اكثر من أي جماعة أو حزب أو منظمة أخرى، وجلبت عليها الكوارث.
لم يكن من قبيل الصدفة ان يستخدم لايفوفيتش مصطلح “الوحش” لوصف غوش ايمونيم أو “ارض إسرائيل الكاملة”. فقد نسبت اليها قيمة مطلقة ومقدسة، مثلما فعل معلمها الروحي الحاخام تسفي يهودا كوك وتلاميذه.
——————————————
يديعوت احرونوت 24/7/2026
قُتلوا بالذكاء الاصطناعي
بقلم: ناحوم برنياع
بعد عدة أيام (الثلاثاء) سيُقام عزاء السيناتور ليندسي غراهام، أعظم حليف لإسرائيل في مجلس الشيوخ. ستبدأ المراسم في واشنطن وتنتهي في كارولاينا الجنوبية. كان من المفترض أن يكون نتنياهو حاضرًا، أول من يُعزي. ربما سيحضر، لكن الشكوك تُقتله. ففي النهاية، لم نُدعَ إلى الحرب. حتى في حرب الخليج الأولى عام 1990 ضد عراق صدام حسين، لم نُدعَ للمشاركة، رغم أن البلاد كانت تحت وابل من الصواريخ العراقية. لكن عدم دعوتنا إلى الجنازة أمرٌ مُعقد. يبدو أن المشكلة ليست مع شقيقة الفقيد، دارلين، التي ورثت مقعده في مجلس الشيوخ. إن كانت هناك مشكلة، فهي في البيت الأبيض في عهد ترامب.
يُعلن الصحافيون التابعون لمكتب المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي يوميًا أن الجيش في حالة تأهب قصوى. في التدريبات بمعسكر التدريب، يُطلق على هذا الوضع اسم “حالة تأهب قصوى”: الكثير من التوتر، ولا تغيير يُذكر. يجتمع مجلس الوزراء باحتفالية صاخبة، ويتصل البيت الأبيض، ولحسن الحظ، لم تندلع الحرب. حتى كتابة هذه السطور، ظهر يوم الخميس، تُستخدم إسرائيل كموقف طائرات في حرب لا تخوضها. مثل بلغاريا؛ مثل دييغو غارسيا. في إجماع نادر، ترفض كل من الإدارة الأمريكية والنظام الإيراني إقحام إسرائيل في صراعهما. إنهم لا يثقون بنا. وبشكل أدق، إنهم لا يثقون به. أصبح نتنياهو، في غضون أشهر، أقرب ما يكون إلى دافيد الذي يخشون دعوته إلى مناسبة عائلية. لست شامتا – أنا قلق على تأثير السقوط على وضع البلاد.
قبل بضعة أسابيع، حضرتُ مؤتمرًا دوليًا في إحدى العواصم الأوروبية. تناولت إحدى جلساته الحرب في إيران. “واضح أننا سنجبي الأموال مقابل المرور عبر مضيق هرمز”، هذا ما قاله الممثل الإيراني، وقد وافقه جميع المشاركين الآخرين، وهم مسؤولون كبار في الحكومات الأوروبية. المسألة الآن هي الآلية – دفع مباشر أم غير مباشر، عبر شركات التأمين مثلاً. سيتم التوصل إلى الترتيب المناسب.
الحرب التي كان هدفها المعلن القضاء على المشروع النووي الإيراني وصلت إلى مرحلة تبحث فيها السعودية وتركيا والإمارات، وربما مصر أيضاً، عن سبيل للانضمام إلى النادي النووي. ربما ينتهي كل شيء بنهاية سعيدة كما في الأفلام، ولكن في الوقت الراهن، لا يوجد يقين بشأن أي شيء، ولا حتى أن رحلة الطيران التي حجزتها لعائلتك ستُقلع صباح الأحد.
المنطق الإحصائي
نشر ياغيل ليفي وأوري شفارتز، وهما أستاذان في معهد دراسة العلاقات المجتمعية العسكرية بالجامعة المفتوحة، ورقة بحثية مثيرة للاهتمام هذا الأسبوع. استفدت منها في بعض الإجابات، أو ربما بداية الإجابات، على أسئلة راودتنا منذ بداية الحرب في غزة. سيُعجب بعض القراء بالنتائج، بينما سيُصدم آخرون. الأمر يستحق القراءة.
تُعدّ البيانات المتعلقة بعدد القتلى في الحرب محل خلاف. ويُتفق على أن العدد الإجمالي للقتلى يتراوح بين 60.000 و80.000، وكثير منهم لم يشاركوا في القتال. وقد ألحق حجم القتل والدمار ضرراً بالغاً بسمعة إسرائيل في الرأي العام الغربي. ويُعدّ هذا الضرر بالغاً بشكل خاص في الولايات المتحدة، ويهدد مستقبل علاقاتنا مع حليفنا الوحيد.
لقد كان الذكاء الاصطناعي، ولا يزال، شريكاً فاعلاً في القرارات الاستخباراتية والعملياتية في القتال الدائر في غزة. ويُعدّ استخدامه ثورياً: فكل شيء يعمل بسرعة وكفاءة أكبر بكثير. ركّز الباحثون على استخدام الذكاء الاصطناعي في ثلاثة منظومات عسكرية: “البشرى” لتحديد البنية التحتية وتجريمها، و”اللافندر” لتحديد الأهداف البشرية وتجريمها، و”أين أبي؟” لتحديد أماكن الأشخاص في منازلهم.
يُمكّن الذكاء الاصطناعي المنظومة العسكرية من تجريم شخص أو مبنى دون أي معلومات استخباراتية حول صلته بنشاط إرهابي. المنطق إحصائي. وكما قال العميد يوسي شاريل، القائد السابق للوحدة 8200، “لإنشاء معلومات لا تملكها”. يُعدّ التبادل المتكرر لأرقام الهواتف أو العناوين سلوكًا مُدانًا، وكذلك الانضمام إلى العديد من مجموعات الواتساب.
تتصرف أنظمة الذكاء الاصطناعي كصندوق أسود: لا يعرف المشغلون دائمًا كيف ولماذا يتوصل النظام إلى استنتاج مفاده أن الشخص أو بيئته يستحقون الإدانة. في التحقيقات الشرطية، يمكن تصحيح ذلك، لكن ليس في القرارات الفورية، في ظروف القتال، حيث تكون الحياة أو الموت.
علاوة على ذلك: يميل الناس إلى الثقة بالآلة: فهي موضوعية، لا تتأثر بمشاعر الانتقام أو المعتقدات المسيانية أو مشاق القتال. لا أحد يشك في سلامة عقلها، بل إن سرعة عملها مذهلة: فبدلاً من عشرات الأهداف أسبوعيًا، تُنتج آلافًا (تم استهداف 12000 هدف في الأسابيع الأربعة الأولى من الحرب) وتفعل ذلك بتكلفة شبه معدومة.
رائع. لنفترض، كما قال الباحثون، أن نظام الذكاء الاصطناعي لدينا يكاد يكون مثاليًا. يُحسّن الذكاء الاصطناعي الدقة (أي يُقلل الخسائر في صفوف المدنيين) بنسبة 90 في المئة. حتى لو زاد عدد الضربات بمقدار 300 ضعف، فسيؤدي ذلك إلى زيادة كبيرة في المجازر الجماعية للمدنيين. وينطبق هذا بشكل خاص على القتال في غزة: عندما كان تحديد الأهداف يعتمد على العنصر البشري، كانت الأولوية بالغة الأهمية. وكانت عملية تحديد الأهداف مكلفة للغاية من حيث الموارد البشرية والمالية. لقد حرر الذكاء الاصطناعي الجيش من هذا القيد، وانخفض تدخل العنصر البشري بشكل كبير.
كما أنه حرر صانعي القرار في الحكومة والجيش من قيد آخر: القانون الدولي. يحظر القانون الدولي القتل الجماعي العشوائي في الحروب. يتعامل الذكاء الاصطناعي مع كل شخص، وكل مبنى، على حدة. وبسبب سرعته وكفاءته، تكون النتيجة مجازر جماعية وتدمير أحياء بأكملها، لكن صانعي القرار يُعفون من المسؤولية: فالذكاء الاصطناعي، وليس هم، هو من ربط الأشخاص بالمنازل. لم يكن بإمكانهم معرفة أن آلاف الأبرياء سيُقتلون في الطريق، وأن مدنًا بأكملها ستُدمر.
يقدم الأساتذة سلسلة من التوصيات لتوسيع نطاق الرقابة والإشراف على عمل الذكاء الاصطناعي: إشراك البشر في العملية، حتى لو كان الثمن تباطؤًا في التنفيذ. أخبرتُ جيل ليفي أن استنتاج بحثه، في الحكومة والجيش، سيكون عكس ذلك تمامًا: رقابة أقل، عدد أقل من البشر في العملية، أسرع وأرخص وأكثر ذكاءً اصطناعيًا.
منذ بداية الحرب في غزة، وأمام المشاهد البسيطة التي رأيتها هناك، تساءلتُ كيف لم يطرح طيارو القوات الجوية، وهم معزولون، أي أسئلة. ربما يكمن الجواب، جزئيًا على الأقل، في تقديسنا جميعًا، وخاصة الطيارين، لتفوق الآلة والعلم: فالآلة تعرف ما تفعله.
لن يجد المؤرخون في محاضر الحكومة أي قرار بقتل أبرياء أو تدمير مدن بأكملها. سيكتب الوزراء في مذكراتهم: “ليس نحن، بل الذكاء الاصطناعي”.
——————————————
هآرتس 24/7/2026
“محرقة بشرية وإبادة مستمرة”.. والخطاب اليهودي قبل الانتخابات: سنحافظ على أخلاقنا
بقلم: إيلانا هيمرمان
كتبت باليستا العقاد، وهي فتاة غزية عمرها 22 سنة، في 18 تشرين الأول 2023، في مذكرات مؤثرة وثقت فيها باللغة الإنكليزية الأسابيع الثلاثة الأولى للتدمير في قطاع غزة، “عيون غزة”: “لقد انتهت الحرب اليوم. لم يعد هذا هجوماً، بل إبادة جماعية، إبادة جماعية بكل معنى الكلمة. لا توجد كلمة أخرى تصف حجم العنف الذي أشاهده”. في غضون ذلك، امتدت هذه الأسابيع الثلاثة إلى أكثر من ثلاث سنوات، واستمر القتل من الجو والبر والبحر بلا انقطاع. لا يوجد وقف لإطلاق النار. الإبادة الجماعية مستمرة.
يومياً، يتم قتل وإصابة رجال ونساء وكبار وصغار في قطاع غزة، ويحكم على حوالي 2 مليون نازح، مكتظين في خيام في مساحة صغيرة هي خمس مساحة القطاع تقريبا، بالمعاناة في سبع مناطق تشبه الجحيم بين الحياة والموت. يسيطر الجيش الإسرائيلي على حوالي 70 في المئة من أراضي القطاع، التي كانت ذات يوم موطناً لتجمعات وقرى وأحياء فلسطينية. تم تدمير هذه التجمعات بشكل كامل، وأجبر سكانها على النزوح قسراً أو الهرب ومنعوا من العودة.
في 7 تموز كتب الدكتور محمد الكحلوت، خبير الصحة النفسية والكاتب الغزي، في صفحته على فيسبوك: “السماء مليئة بالعيون التي تتابع ما تصوره الطائرات، والطائرات قريبة إلى درجة أنها تستطيع عد الأسنان المزروعة في فم نازح عجوز، ما كان سيصاب بأذى لو عاش يوم آخر… لكن الطائرة تريد موته الآن. كم من الشظايا تكفي لجسمك النحيل، يا جدي؟ نصف شظية وربما أقل. ولكن الطائرة تقصفه بألف شظية حتى يتحول إلى أشلاء. في الصباح، سيضاف الرجل الشيخ إلى قائمة الموتى، مجرداً من إنسانيته، وسيمر مرور الكرام على الشريط الإخباري المعتاد في أسفل الشاشة”.
في 17 تموز، كتبت الشاعرة حُسن نعمة في صفحتها على فيسبوك: “قبل لحظة شاهدت فيلم فيديو لفتى ابن 15 سنة سقط في إحدى قنوات الصرف الصحي، المنتشرة حول خيامنا. عندما نقل إلى المستشفى كان قد فارق الحياة. وقبل ذلك، لعب ولد آخر بجسم مشبوه فانفجر به ومات. وعبر ولد آخر الحواجز الصفراء فأطلق عليه جنود الاحتلال النار. وأصيبت فتاة داخل الخيمة برصاصة فقتلتها. وسقط أولاد عن العربة التي كانت تجر وسحقوا تحت عجلاتها. ومات أطفال من سوء التغذية، بينما لم يحصل آخرون على العلاج. وهناك أطفال لم يتم نقلهم لتلقي العلاج فماتوا وهم ينتظرون… الموت يتربص بأطفالنا من كل جهة، حتى من أعماق الأرض في غزة. هل هناك أحد يسمع؟ هل هنا أحد يرى؟” (نشرت هذه المنشورات بواسطة تمار غولدشميدت، ضمن مشروع توثيقي فريد في نوعه في فيسبوك، تشرف عليه مع آية كانيوك، ويخصص بالكامل يوم بعد يوماً لمجموعة مختارة من منشورات سكان قطاع غزة المدمر).
في 16 تموز كتب نير حسون في “هآرتس”: “يواصل سلاح الجو قتل الأطفال في غزة بشكل روتيني. فقد قتل 274 طفلاً منذ وقف إطلاق النار في تشرين الأول، بمعدل طفل في كل يوم”. مع ذلك، لسبب ما، تحفظ الكلمة الأخيرة في مثل هذه الأخبار والمقالات دائماً للمتحدث باسم الجيش، الذي يعلن دائما في رده: “يرفض الجيش الإسرائيلي بشدة ويدين الادعاء بوجود سياسة أو نمط لإلحاق الأذى بالأطفال بشكل متعمد… الجيش الإسرائيلي يبذل جهداً للحد من الأضرار التي تلحق بأرواح المدنيين والبنى التحتية المدنية، وفقاً لقوانين الحرب، ويتخذ الاحتياطات اللازمة قبل شن أي هجمات”.
الحد من الأضرار التي تلحق بالمدنيين والبنى التحتية المدنية؟ كان الهجوم على غزة من البداية حرب إبادة ممنهجة، ورداً غير متناسب ومتهوراً على هجوم حماس الوحشي في 7 أكتوبر. كان الرد حرباً لم تميز من اليوم الأول بين المقاتلين والمدنيين، أو بين بنى حماس التحتية العسكرية والبنى التحتية المدنية. وقد تجلى هذا بوضوح في عنف القصف الذي طال المناطق السكنية المكتظة بالسكان، والذي لم يسمح بأي تمييز، وأدى إلى إصابة وإعاقة عشرات آلاف النساء والأطفال وكبار السن، وتدمير كل البنى التحتية المدنية – المستشفيات، مؤسسات التعليم، شبكة الطرق، شبكة الكهرباء والمياه والمحاصيل الزراعية.
ما زال التدمير مستمراً حتى اليوم، ليس فقط بقصف الطائرات والمسيرات، بل أيضاً في تأثيره على ظروف عيش معظم السكان، والضرر الكبير الذي لحق بالبنى التحتية الحيوية. نزح أكثر من 80 في المئة من سكان غزة من بيوتهم، ودمرت بيوتهم، ويعيشون في مخيمات مكتظة، يعانون من حرارة الصيف اللاهبة وتغمرهم مياه الأمطار في الشتاء، وتتدفق مياه المجاري بين الخيام وتتجمع في برك، ويتركون فريسة لآفة الفئران والجرذان والبراغيث وأمراض معدية فتاكة، التي تصبح في ظل غياب الأدوية المناسبة بمثابة حكم بالإعدام، لا سيما لكبار السن والأطفال.
إن هذه إبادة جماعية بكل معنى الكلمة. لقد ارتكبت دولة إسرائيل، وما زالت، محرقة في غزة – لا توجد كلمة أخرى لوصفها اليوم. وقد أصبحت أبعاد القتل والدمار واضحة للعيان. ومع ذلك، وسائل الإعلام والخطاب العام اليهودي في إسرائيل، والآن الحملة الانتخابية التي انطلقت، فتحتا فيهما الآن ثقباً أسود ابتلع هذه الجريمة، هذه المأساة الإنسانية الرهيبة التي لن تجد حلاً لأجيال، وكأنها لم تكن موجودة ولم تُخلق.
ما مدى بروز هذا الأمر في الحملة الانتخابية لحزب “الديمقراطيين”، الذي يفتتح موقعه الإلكتروني بعبارة “نحن الركيزة الأخلاقية والأيديولوجية والسياسية والأمنية والصهيونية للمعسكر الديمقراطي الليبرالي في إسرائيل، برئاسة الجنرال احتياط يائير غولان، بطل 7 أكتوبر، وقفنا في طليعة النضال من أجل صورة إسرائيل ومستقبلها. دون خوف… ودون التخلي عن قيمنا، سنواصل الكفاح بعزيمة وشجاعة من أجل إسرائيل قوية وآمنة وعادلة”. عبارة تتجاهل أسمى قيمة يجب النضال من أجلها اليوم في دولة إسرائيل العنصرية والقومية والعسكرية: الإنسانية.
——————————————
هآرتس 24/7/2026
هل ستفيد بن غفير تماسيحه الانتخابية؟
بقلم: أسرة التحرير
لئن كان ثمة قرار يعبر بالشكل الأكثر إيجازاً عن جنون حكومة نتنياهو الحالية، فهو مبادرة وزير الأمن القومي بن غفير بإحاطة سجن “كتسيعوت” [سجن النقب] بقناة تماسيح. السجن معد للسجناء الأمنيين الفلسطينيين، ويحتجز فيه مئات المعتقلين الغزيين المشبوهين بالمشاركة في مذبحة 7 أكتوبر.
كان يمكن الافتراض بأن المنشأة الحساسة تتمتع بأفضل قدرات الحراسة في مصلحة السجون، ويرابط فيها السجانون الأكثر قسوة والوسائل التكنولوجية الأكثر حداثة لإحباط محاولات الهروب للفلسطينيين المحتجزين فيها. لكن بن غفير على ما يبدو لا يثق بمصلحة السجون التي نصب على رأسها مقربه كوبي يعقوبي وهو يسعى لتعزيز رجالها بحيوانات مفترسة.
برز بن غفير أكثر من زملائه في الحكومة في تحويل إنفاذ القانون والحبس التابع له إلى ميليشيات سياسية. موجة قتل غير مسبوقة تجتاح إسرائيل، لكن الجثث التي تتراكم في الشوارع لا تعني الوزير الذي لا يفوت أي فرصة ليبرز لوسائل الإعلام ويروج لحملة حزبه الانتخابية.
المشروع الجديد يمنحه منتجاً كامل الأوصاف: التماسيح لن تساعد في الحراسة على السجناء. فهي غير قابلة للترويض والتدريب، لا توجد تماسيح عملياتية في سجون العالم، ولا يمكنها أن تتحدث في المقابلات الصحافية أو تشكو من شروط خدمتها في السجون مقارنة بحياة نعيمة في مزرعة التربية. يمكن للتماسيح فقط أن تلتقط لهم الصور إلى جانب بن غفير.
إن تربية التماسيح في إسرائيل تجري منذ سنوات عديدة تحت رقابة سلطة الطبيعة والحدائق ومنظمات حقوق الحيوانات. وأدى تدخلها إلى قرار محكمة العدل العليا حظر “معارك الإنسان – التمساح” مدفوعة الأجر، وإلى تعديل القانون الذي وصف التماسيح كحيوانات برية محمية ومنع تربيتها لأغراض التجارة، الذبح وبيع الجلود.
لكن رفاه الحيوانات لا تهم بن غفير في الأشهر القليلة المتبقية حتى الانتخابات. وهكذا وجد له شريكة في الحيلة، وزيرة حماية البيئة عيديت سيلمان التي دوماً ستمد يدها بخلطة سياسية عفنة. تجاهلت سيلمان توصيات المهنيين والقانونيين في وزارتها، وعرفت التماسيح بأنها “حيوانات برية تربى لأغراض الأمن”. ومن الأدق تعريفها كحيوانات لأغراض الانتخابات.
سارع بن غفير للنشر بأنه “قسم النخبة” في “كتسيعوت” بدأوا يحفرون حوله قناة للتماسيح، بكلفة 21 مليون شيكل. من المال الذي سيبذر هناك، لن يستفيد إلا مقاولو الحفريات.
مشكوك جداً إذا كانت اللوائح الجديدة التي وضعتها سيلمان ستجتاح عائق التشريع وعائق محكمة العدل العليا. وعلى أي حال، سيكون ممكناً بعد الانتخابات سحبها، وسيواصل السجانون الحراسة في الأبراج، بالكاميرات وبالأسلحة على معتقلي النخبة.
—————-انتهت النشرة—————–

