بقلم تيسير خالد : لست من أنصار كريم خان … ولكنني أقف بتردد ضد عزله  

المسار: لست من أنصار كريم خان ، المدعي العام السابق للمحكمة الجنائية الدولية ، الذي تم عزله من منصبه بعد ان صوتت الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية يوم الجمعة الماضي على عزله بأغلبية 82 من 125 دولة عضو في تلك المحكمة . السبب بسيط ، فقد تولى لسنوات الدفاع عن قادة ورؤساء أفارقة متهمين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية أمام المحاكم الدولية من أمثال  تشارلز تايلور (رئيس ليبيريا السابق) ، وليام روتو ( رئيس كينيا الحالي ) وجان بيير بيمبا ( نائب رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية السابق) وغيرهم .

 عند انتخابه عام 2021 مدعيا عاما للمحكمة وجدت فيه اسرائيل المرشح الأنسب  ، فقد كان كريم خان “المرشح المفضل والدبلوماسي البراغماتي” مقارنة بمنافسيه الآخرين (مثل فيرغال غاينور مرشح دولة آيرلندا الأقرب الى الفلسطينيين ) ، مما دفعها وحلفاءها لدعم اختياره آنذاك ، قبل أن تنقلب العلاقة لاحقاً بعد إصداره عام 2024 مذكرات اعتقال بحق كل من بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يوآف غالنت ، على خلفية جرائم حرب الإبادة ، التي ارتكباها في الحرب الوحشية على قطاع غزة .

 في الواجهة يبدو سلوك كريم خان هو السبب ، فهو متهم بسوء سلوك جنسي والتحرش واستغلال السلطة تجاه موظفة تعمل ضمن فريقه ، وهي تهمة نفاها كريم خان ، وفي الخلف يقف كل من دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو واللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الاميركية وبريطانيا وعديد الدول الاوروبية . فقد كثف وزير خارجية دولة الاحتلال ، جدعون ساعر والبعثات الدبلوماسية الإسرائيلية حول العالم من اتصالاتهم لحشد أكبر عدد ممكن من الدول للتصويت لعزل كريم خان، أو على الأقل الامتناع عن التصويت. كما جاء عزله في أعقاب إعلان الولايات المتحدة أنها ستشن حملة دبلوماسية جديدة لتفكيك المحكمة ‌‌الجنائية الدولية، التي تقول إنها تشكل تهديدا لسيادتها ، وفي أعقاب عقوبات فرضتها على 11 قاضيا ومسؤولا في الادعاء العام بالمحكمة، من بينهم كريم خان، الذي لم يشارك في جلسة عزله في الامم المتحدة بسبب منعه من دخول اراضي الولايات المتحدة الاميركية .

 سوء سلوك كريم خان ( المزعوم ) لا يقارن بسوء سلوك عصابة جيفري إبستين والشبكة الاجرامية ، التي أدارت وروجت لعمليات  الاتجار الجنسي بالقاصرات واستغلالهن بمساعدة شريكته الرئيسية غيلين ماكسويل. التي تميزت بنفوذها الواسع وارتباطها الوثيق بنخبة من السياسيين، الإعلاميين، الأثرياء، والشخصيات العالمية البارزة على امتداد القارات وخاصة في الولايات المتحدة واسرائيل . عصابة ابستين أفلتت من المحاسبة والعقاب ، بعد ان تحفظت وزارة العدل الأمريكية على نحو  2.5 مليون صفحة من إجمالي وثائق تحقيقات قضية جيفري إبستين، ورفضت الإفراج عنها بشكل كامل رغم صدور قانون الشفافية ، الذي يلزمها بذلك .  أما كريم خان فقد دفع ثمن مذكرات الاعتقال ، التي أصدرتها المحكمة الجنائة الدولية ضد مجرمي الحرب في اسرائيل .  

 قرار عزل كريم خان ، وفقا للعديد من خبراء القانون الدولي سوف يترك دون شك تداعيات سلبية على المحكمة ذاتها ومن شأنه أن يقوض نزاهتها ودورها في منظومة العدالة الدولية ، فالمسألة هنا لا تتصل بكريم خان أو غيره ، بقدر ما تتصل بمنظومة العدالة الدولية وثقة ضحايا جرائم الحرب بهذه المنظومة ، وتتصل كذلك بقدرة المدعي العام المقبل على مواصلة التحقيق في ملفات حساسة ، كجرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية وجرائم الإبادة الجماعية ، دون أن يخشى الضغوط السياسية والعقوبات . ولهذا السبب وليس غيره اقف مترددا ضد عزله .

Share This Article