لم تعد العلاقة الأميركية الإسرائيلية تبدو محصنة من النقاش داخل أروقة المحافظين في الولايات المتحدة كما كانت لعقود، فالمقابلة التي أجراها نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس مع الإعلامي جو روغان لم تكن مجرد حوار سياسي عابر، بل حملت مؤشرات على تحول متزايد داخل جزء من التيار المحافظ، يقوم على إعادة تقييم طبيعة العلاقة مع إسرائيل انطلاقاً من معيار المصلحة الأميركية أولاً، بعيداً عن المسلمات التي حكمت السياسة الخارجية الأميركية لعقود طويلة.
فانس، الذي يعد أحد أبرز الوجوه الصاعدة داخل الحزب الجمهوري والمرشح المحتمل لقيادة الحزب في انتخابات الرئاسة عام 2028، لم يوجه انتقاداته إلى إسرائيل من منطلق أيديولوجي أو أخلاقي، وإنما من منظور براغماتي ينسجم مع المدرسة التي يمثلها الرئيس دونالد ترامب، والقائمة على شعار “أميركا أولاً”، ومن هذا المنطلق، شدد على أن العلاقة مع إسرائيل يجب أن تكون مشابهة للعلاقات مع بقية الحلفاء، مثل بريطانيا وفرنسا ودول الخليج، أي علاقة تقوم على المصالح المشتركة، لا على استثناء دائم يجعل المصالح الإسرائيلية متقدمة على المصالح الأميركية.
ويبدو أن أكثر ما أثار الانتباه في تصريحاته اتهامه شخصيات داخل الحكومة الإسرائيلية بمحاولة التأثير في الرأي العام الأميركي وإفشال التفاهمات المتعلقة بإيران، وهو اتهام يعكس تنامي القلق داخل بعض دوائر الحكم في واشنطن من محاولات التأثير الإسرائيلي في رسم السياسات الأميركية، خاصة في الملفات التي تمس الأمن القومي الأميركي بصورة مباشرة.
كما أعاد فانس طرح مسألة يصفها كثير من السياسيين الأميركيين بأنها من المحرمات، حين أكد أن مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل ليست متطابقة بالضرورة، وأن الخلط بينهما يمثل أحد أكبر الأخطاء التي يقع فيها أكثر المؤيدين تشدداً لإسرائيل، فالدول في نظره، تتحرك وفق حسابات مصالحها الوطنية، وليس وفق اعتبارات عاطفية أو أيديولوجية.
وفي السياق نفسه، رفض فانس المساواة بين انتقاد سياسات الحكومة الإسرائيلية ومعاداة السامية، معتبراً أن هذا الخلط أضر بالنقاش العام داخل الولايات المتحدة، وأدى إلى إسكات أصوات كثيرة كانت ترغب في مناقشة السياسات الإسرائيلية من زاوية المصالح الأميركية أو القانون الدولي دون أن توصف تلقائياً بمعاداة اليهود.
ولم يقتصر حديثه على إسرائيل، بل امتد إلى الملف الإيراني، حيث حذر من أن أي غزو واسع لإيران قد يعيد إنتاج النموذج الليبي، في إشارة إلى التدخل الأميركي الذي انتهى بإسقاط نظام معمر القذافي وترك البلاد في حالة من الفوضى والانقسام، ويعكس هذا الموقف ميلاً متزايداً داخل التيار المحافظ الجديد نحو تجنب الانخراط في حروب طويلة ومكلفة في الشرق الأوسط.
أما تطرقه إلى قضية جيفري إبستين، وإقراره بأن إدارة ترامب أخطأت في طريقة تعاملها مع الملف، فيندرج ضمن محاولة تقديم نفسه كشخصية قادرة على الاعتراف بالأخطاء، مع الحفاظ على الولاء السياسي للرئيس ترامب، وهي معادلة تبدو ضرورية لأي سياسي جمهوري يطمح إلى قيادة الحزب في المستقبل.
سياسياً، تبدو تصريحات فانس جزءاً من عملية تموضع مبكرة استعداداً لمعركة الرئاسة عام 2028، فهو يدرك أن المزاج الأميركي تغير بعد حروب العراق وأفغانستان، وأن قطاعات واسعة من الناخبين الجمهوريين لم تعد تؤيد الانخراط غير المحدود في صراعات الشرق الأوسط، كما أن الدعم غير المشروط لإسرائيل لم يعد يحظى بالإجماع نفسه داخل الأجيال الجديدة من المحافظين.
لكن من المبكر الحديث عن قطيعة أميركية مع إسرائيل، فالتحالف بين البلدين لا يزال يستند إلى مؤسسات أمنية وعسكرية واقتصادية عميقة يصعب تجاوزها بتصريحات سياسية، مهما كانت صادرة عن نائب الرئيس، ومع ذلك فإن أهمية ما قاله فانس تكمن في أنه يعكس اتجاهاً متنامياً داخل النخبة الجمهورية يدعو إلى إعادة تعريف العلاقة مع إسرائيل وفق ميزان المصالح الأميركية، لا وفق المسلمات التقليدية التي حكمت تلك العلاقة لعقود.
إن ما كشفته مقابلة جيه دي فانس لا يعني نهاية التحالف الأميركي الإسرائيلي، لكنه قد يكون بداية مرحلة جديدة يصبح فيها هذا التحالف أكثر عرضة للنقاش والمراجعة داخل واشنطن، وإذا استمرت التحولات في الرأي العام الأميركي، وتصاعد نفوذ التيار الذي يرفع شعار “أميركا أولاً”، فقد تجد إسرائيل نفسها أمام واقع سياسي مختلف، تكون فيه مطالبة، للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، بإقناع واشنطن بأن مصالحها تتقاطع مع المصالح الأميركية، بدلاً من افتراض أن هذا التقاطع أمر بديهي لا يقبل النقاش.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر المسار :

