كتب مروان طوباسي : حين ينهار بروتوكول باريس، هل انتهت المرحلة الاقتصادية لأوسلو؟

المسار : تُحسب لوزير المالية، أسطيفان سلامة شفافيته في مصارحة الرأي العام بحقيقة الأوضاع المالية والاقتصادية التي تمر بها فلسطين اليوم. فحين يعلن أن السلطة الفلسطينية وصلت إلى “نهاية المطاف” في علاقتها الاقتصادية مع إسرائيل، وأن أي قطع للعلاقة المصرفية من جانب الاحتلال سيهدد حصول المواطنين على الكهرباء والمياه والوقود والخدمات الأساسية، وأن الحكومة تدخل شهرها السادس عشر تقريباً دون أموال المقاصة مع تعذر الإيفاء الكامل بالرواتب ومستحقات القطاع الخاص، فإنه لا يصف أزمة مالية عابرة، بل يكشف عن انهيار النموذج الاقتصادي الذي حكم المرحلة منذ توقيع بروتوكول باريس عام ١٩٩٤، رغم ما قد نختلف معه حول تأسيس شركات مملوكة للحكومة قد أثبتت التجارب فشل مثيلاتها سابقاً في ظل نظام اقتصادي غير مستقل.

فبروتوكول باريس لم يكن مجرد اتفاق لتنظيم العلاقات التجارية والمالية، بل أحد الأعمدة التي قامت عليها المرحلة الانتقالية لاتفاق أوسلو، على افتراض من وقعوا على ذلك الاتفاق أن الاحتلال سينتهي خلال سنوات قليلة، وأن الدولة الفلسطينية ستتولى إدارة اقتصادها المستقل. لكن ما حدث كان العكس تماماً، فقد امتدت المرحلة الانتقالية لأكثر من ثلاثة عقود، بينما تعمقت تبعية الاقتصاد الفلسطيني لاقتصاد الاحتلال، وبقي رهينة للعملة الإسرائيلية وأموال المقاصة والمعابر والطاقة والنظام المصرفي وحركة التجارة والمواطنين التي تتحكم بها إسرائيل.

واليوم لم تعد إسرائيل تكتفي بالاستفادة من هذه التبعية، بل تستخدمها كسلاح اقتصادي وسياسي ضمن مشروعها الاستعماري الصهيوني الاستيطاني الإحلالي. فاحتجاز أموال المقاصة، والتهديد بقطع العلاقة المصرفية والتحكم بالوقود والطاقة والتضييق على التجارة، ليست إجراءات متفرقة، بل أدوات متكاملة لإضعاف قدرة المجتمع الفلسطيني على الصمود، وإفراغ السلطة الفلسطينية من مضمونها السياسي، وتحويلها تدريجياً إلى إدارة للسكان تحت سلطة الاحتلال، بدلاً من أن تكون سلطة انتقالية تقود إلى إنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة.

ولا يمكن فصل هذه السياسات عن التوسع الاستيطاني والضم، وإغلاق المدن والقرى بالبوابات والحواجز، وتصاعد إرهاب المستوطنين بمساندة قوات الاحتلال، واستمرار حرب الإبادة في قطاع غزة، ومحاولات فرض ترتيبات سياسية وإدارية جديدة تبدأ من غزة ولا تنتهي عندها. فجميعها تشكل مكونات مشروع استعماري واحد يستهدف السيطرة على الأرض، وتفكيك مقومات البقاء الفلسطيني، وإعادة تعريف المشروع الوطني بما ينسجم مع إدارة الاحتلال لا مع إنهائه.

ولعل أخطر ما تكشفه تصريحات وزير المالية أنها تعكس، ربما للمرة الأولى بهذا الوضوح، أن إسرائيل نفسها لم تعد ترى مصلحة في الإبقاء حتى على الإطار الاقتصادي الذي نشأ مع أوسلو. وإذا كانت قد تخلت عملياً عن التزاماتها السياسية منذ سنوات، وهي تتخلى اليوم عن التزاماتها الاقتصادية أيضاً، فإن استمرار التمسك الفلسطيني بالإطار ذاته يفقد كثيراً من مبرراته. وعندها يحق السؤال، هل نستمر في إدارة أزمة نموذج انتهى، أم نبدأ ببناء نموذج وطني جديد يواجه مشروع الحسم والضم والإحلال الاستيطاني؟

Share This Article