كتب:  اسماعيل جمعه الريماوي/حرب على المخيم والذاكرة… إسرائيل تفتح جبهة التهجير في الضفة

المسار : لم تعد المخيمات الفلسطينية في الضفة الغربية مجرد أماكن مكتظة باللاجئين أو تجمعات سكانية تحمل ذاكرة النكبة، بل أصبحت في العقيدة الأمنية والسياسية الإسرائيلية أهدافاً مفتوحة لعمليات الاقتحام والحصار والتدمير والتهجير، فمن مخيم جنين إلى مخيم طولكرم ونور شمس، يتكرر المشهد ذاته: قوات عسكرية، جرافات، تفجير منازل، شق طرق داخل الأحياء، تهجير للسكان، وتحويل المخيم من مساحة للحياة واللجوء إلى منطقة عسكرية مدمرة.
ما جرى في مخيمات شمال الضفة لم يعد يبدو عملية أمنية مؤقتة أو رداً عسكرياً محدوداً، بل نموذجاً يجري فرضه على الأرض، وقد ينتقل إلى مخيمات أخرى كلما قررت إسرائيل توسيع دائرة عملياتها، وتشير تقارير أممية إلى أن عشرات الآلاف من سكان مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس تعرضوا للتهجير، فيما استمر الدمار الواسع في المنازل والبنية التحتية، وتحولت أجزاء من هذه المخيمات إلى مناطق يصعب على سكانها العودة إليها.
السؤال اليوم لم يعد: هل ستُستهدف مخيمات أخرى؟ بل: أي مخيم سيكون الهدف التالي؟

هل سيكون مخيم بلاطة، أكبر مخيمات الضفة الغربية وأكثرها كثافة سكانية، والذي يقع في قلب محافظة نابلس ويشكّل رمزاً تاريخياً للاجئين والمقاومة؟ أم سيكون مخيم قلنديا، القريب من القدس، والذي يمثّل في الوعي الفلسطيني جزءاً من الصراع على المدينة والهوية والوجود؟ أم مخيم الفارعة في الأغوار الشمالية، حيث تتقاطع السيطرة العسكرية مع مشاريع التوسع الاستيطاني وإحكام القبضة على الأرض؟
إن تصاعد الاقتحامات والعمليات العسكرية في محيط نابلس، إلى جانب الخطاب الإسرائيلي الذي يدعو إلى تحويل القرى والمخيمات الفلسطينية إلى نماذج تشبه ما حدث في جنين وطولكرم، يثير مخاوف حقيقية من انتقال سياسة التدمير إلى مناطق جديدة، فقد دعا وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش إلى أن تبدو بعض القرى الفلسطينية مثل مخيمات شمال الضفة، في إشارة واضحة إلى اعتبار التدمير والتهجير نموذجاً قابلاً للتكرار لا استثناءً مؤقتاً.

المخيم بالنسبة إلى إسرائيل ليس مجرد تجمع سكاني؛ إنه شاهد حي على النكبة، ودليل مستمر على أن الفلسطيني لم يتخلَّ عن حقه في العودة، وأن قضية اللاجئين لم تُغلق رغم مرور عقود ، لذلك فإن استهداف المخيمات يحمل أبعاداً تتجاوز الجانب العسكري، فهو محاولة لضرب الذاكرة الجماعية، وتفكيك البنية الاجتماعية، وإضعاف البيئة الوطنية التي حافظت على الهوية الفلسطينية رغم التهجير والاحتلال.
لقد بدأت إسرائيل في مخيم جنين تحت عناوين أمنية، ثم انتقلت إلى طولكرم ونور شمس، لكن حجم الدمار والتهجير كشف أن الهدف يتجاوز ملاحقة أفراد أو تفكيك مجموعات مسلحة، فالجرافات لم تستهدف المسلحين وحدهم، بل طالت الشوارع والمنازل وشبكات المياه والكهرباء، وأعادت تشكيل جغرافيا المخيمات بطريقة تخدم السيطرة العسكرية وتسهّل الاقتحامات المستقبلية.

والخطر أن يتحول هذا النموذج إلى سياسة عامة في الضفة الغربية: اقتحام، حصار، تهجير، هدم، ثم إعادة رسم المكان تحت ذريعة «الأمن»، وعندها قد يصبح مخيم بلاطة أو غيره المحطة التالية في سلسلة لا تتوقف، خصوصاً في ظل حكومة إسرائيلية يتقدم فيها خطاب الانتقام والتوسع والضم، وتتعامل مع الوجود الفلسطيني بوصفه عقبة يجب إخضاعها أو تفكيكها.

إن ما يجري في المخيمات ليس معركة ضد الحجر فقط، بل معركة ضد الإنسان والذاكرة والهوية، فحين تُهدم البيوت ويُهجَّر السكان وتُقطع الطرق وتُدمَّر البنية التحتية، يكون الهدف دفع الفلسطيني إلى الشعور بأن البقاء أصبح مستحيلاً، وأن المخيم الذي وُلد من النكبة يمكن أن يُعاد إنتاج نكبته مرة أخرى.
لكن المخيمات الفلسطينية أثبتت عبر تاريخها أنها أكثر من أزقة ضيقة ومنازل متلاصقة؛ إنها ذاكرة شعب، وفضاء للانتماء، ورمز لحق لم يسقط بالتقادم، وقد تُدمَّر الشوارع، وقد تُقتلع العائلات من بيوتها، وقد تتحول أجزاء من المخيم إلى ركام، لكن اقتلاع المخيم من الجغرافيا لا يعني اقتلاعه من الوعي.
إن استهداف المخيمات الفلسطينية ليس مجرد حرب على مكان، بل محاولة لفرض مستقبل بلا ذاكرة، وشعب بلا جذور، ولاجئين يُراد لهم أن ينسوا لماذا هُجّروا ومن أين جاؤوا،  لكن إسرائيل وهي توسّع دائرة الدمار، تتجاهل حقيقة أثبتها التاريخ: أن المخيم الذي وُلد من اقتلاع الفلسطيني لم يتحول إلى عنوان للهزيمة، بل إلى شاهد على بقاء القضية حيّة.

قد تختار إسرائيل المخيم التالي، وقد تحدد ساعة الاقتحام ومسار الجرافات، لكنها لا تستطيع أن تحدد نهاية الحكاية الفلسطينية، فالمخيمات ليست فراغاً جغرافياً يمكن محوه بالقوة، بل ذاكرة جماعية تختزن النكبة واللجوء وحق العودة، وكل بيت يُهدم يترك وراءه سؤالاً أكبر، وكل عائلة تُهجّر تعيد التذكير بأن المأساة لم تنتهِ.

والخطر الحقيقي لا يكمن فقط في من سيكون الهدف التالي، بل في أن يصبح تدمير المخيمات سياسة مقبولة أمام عالم يراقب، وفي أن يُترك الفلسطيني وحيداً بين جرافة الاحتلال وصمت المجتمع الدولي وعجز المؤسسات الفلسطينية عن حماية الناس.
ومع ذلك، سيبقى المخيم أكثر من مكان، سيبقى اسماً للوطن الذي لم يُنسَ، وذاكرةً لا تستطيع الجرافات اقتلاعها، ورسالةً تقول إن الفلسطيني قد يُهجَّر من بيته، لكنه لن يُهجَّر من قضيته، وإن الطريق إلى الحرية قد يمر بين الركام، لكنه لن ينتهي عنده.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر المسار  

Share This Article