9 آب/أغسطس في الذاكرة الفلسطينية.. استشهاد إبراهيم النابلسي وصواريخ قوات الشهيد عمر القاسم في مواجهة الاحتلال

المسار : من هبة البراق والانتفاضات، مرورًا بالمقاومة الفلسطينية والعدوان على غزة، وصولًا إلى اغتيال القائد إبراهيم النابلسي والحرب المتواصلة على شعبنا.. يبقى التاسع من آب محطة حاضرة في الذاكرة الفلسطينية.

على امتداد أكثر من قرن، ارتبط التاسع من آب/أغسطس بعدد من المحطات المتعلقة بالقضية الفلسطينية، تراوحت بين التحركات السياسية والقرارات الدولية، وتصاعد المقاومة الفلسطينية، والعدوان والاغتيالات والتهجير، وصولًا إلى الحرب المتواصلة على قطاع غزة.

خلال الفترة بين 9 آب/أغسطس 1920 و1928، لا تظهر في السجلات المفتوحة محطة فلسطينية كبرى وموثقة تحديدًا في هذا اليوم تستحق إدراجها كحدث مفصلي، ولذلك لا يصح اختلاق واقعة لمجرد ملء التسلسل الزمني.

وفي 9 آب/أغسطس 1929، جاء اليوم في أجواء توتر شديد سبقت وانفجرت معها ثورة البراق/هبة البراق عام 1929، التي اندلعت في منتصف آب بعد تصاعد الخلاف حول حائط البراق/الحائط الغربي.

وتؤكد أرشيفات الصحافة الفلسطينية وجود عدد من الصحف الفلسطينية التي صدرت في 9 آب 1929، بما فيها فلسطين وThe Palestine Bulletin.

ولا تنسب إلى 9 آب نفسه واقعة عسكرية محددة من دون وثيقة مباشرة.

وفي 9 آب/أغسطس 1947، كان هذا اليوم ضمن عمل اللجنة الخاصة للأمم المتحدة بشأن فلسطين UNSCOP، التي كانت تدرس مستقبل فلسطين في ظل الانتداب البريطاني.

وتظهر وثائق الأمم المتحدة المؤرخة في 9 آب 1947 ضمن ملفات اللجنة الخاصة بفلسطين، بما في ذلك سجلات جلساتها ومراسلات مقدمة إلى اللجنة.

وجاءت هذه المرحلة قبل أشهر قليلة من قرار الجمعية العامة 181 بشأن تقسيم فلسطين في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1947، وهو القرار الذي أصبح أحد أكثر القرارات تأثيرًا في تاريخ القضية الفلسطينية، ومقدمة لمرحلة جديدة من الاقتلاع والتهجير والمشروع الاستعماري الذي تعرض له الشعب الفلسطيني.

وفي 9 آب/أغسطس 1982، افتتحت في داكار بالسنغال أعمال الندوة السابعة للأمم المتحدة بشأن قضية فلسطين، واستمرت حتى 13 آب.

وكان عنوان الندوة: «الحقوق غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني».

وشارك فيها ممثلون وشخصيات دولية وفلسطينية، وكان ياسر عرفات، رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، من المتحدثين فيها.

وجاءت الندوة في وقت كانت فيه بيروت محاصرة خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، وكانت قضية منظمة التحرير ومستقبل المقاومة الفلسطينية في صلب النقاش الدولي.

وفي تلك المرحلة كانت المقاومة الفلسطينية تخوض مواجهة قاسية في لبنان في مواجهة العدوان الإسرائيلي، فيما تعرضت بيروت للحصار والقصف، في واحدة من أكثر المحطات دموية في تاريخ الصراع العربي الفلسطيني مع الاحتلال.

وفي 9 آب/أغسطس 1988، ووفق وثيقة رفعتها منظمة التحرير الفلسطينية إلى الأمم المتحدة، تعرض ثلاثة عمال فلسطينيين من قطاع غزة يعملون في تل أبيب للحرق بعد إغلاق مكان إقامتهم وإشعال النار فيه.

وذكرت الوثيقة أسماء سعيد إسماعيل عابد، ونسيم إبراهيم عابد، وخليل العبادلة.

وأشارت إلى أن الثلاثة لقوا حتفهم حرقًا، فيما طالبت منظمة التحرير المجتمع الدولي بالضغط من أجل احترام اتفاقية جنيف الرابعة وحماية الفلسطينيين في الأراضي المحتلة.

وجاءت الواقعة في أجواء الانتفاضة الفلسطينية الأولى، التي كان الشعب الفلسطيني خلالها يواجه الاحتلال بالمقاومة الشعبية، ويقدم الشهداء والأسرى والجرحى في سبيل الحرية والاستقلال.

وفي 9 آب/أغسطس 2001، وقع تفجير مطعم سبارو في القدس، في واحدة من أبرز العمليات التي شهدتها الانتفاضة الثانية.

وبحسب وثائق الأمم المتحدة اللاحقة، وقع التفجير في 9 آب 2001، وأدى إلى سقوط قتلى وجرحى.

وفي قراءة تاريخ الانتفاضة الثانية، يظل من الضروري التمييز بين العمليات التي استهدفت قوات الاحتلال والمنشآت العسكرية وبين الهجمات التي أصابت مدنيين.

وفي 9 آب/أغسطس 2002، أصدر الأمين العام للأمم المتحدة بيانًا بشأن الوضع في الشرق الأوسط، بما فيه القضية الفلسطينية، ومكانة القيادة الفلسطينية المنتخبة.

وأكد البيان أن الشعب الفلسطيني هو من ينتخب قيادته، وأن الأمم المتحدة ستتعامل مع ياسر عرفات بوصفه رئيسًا منتخبًا من الشعب الفلسطيني، كما ستتعامل مع القادة الذين ينتخبهم الفلسطينيون في الانتخابات المقبلة.

وفي اليوم نفسه انعقدت في جنيف جلسة للجنة الفرعية لتعزيز وحماية حقوق الإنسان تناولت قضايا حقوق الإنسان والتمييز، في سياق كان يشمل الأراضي الفلسطينية المحتلة.

ويكتسب هذا الموقف أهمية في سياق الصراع السياسي على تمثيل الشعب الفلسطيني وحقه في اختيار قيادته بعيدًا عن محاولات الاحتلال والضغوط الدولية فرض بدائل على الفلسطينيين.

وفي 9 آب/أغسطس 2005، كان قطاع غزة يعيش مرحلة شديدة الحساسية قبل خطة الانفصال الإسرائيلية التي بدأت في 15 آب 2005.

ووفق مراجعة الأمم المتحدة لأحداث آب 2005، شهدت تلك الفترة إطلاق صاروخ قسام باتجاه سديروت وقذيفة هاون باتجاه مستوطنة في كتلة غوش قطيف، إلى جانب تبادل إطلاق النار قرب مواقع عسكرية ومستعمرات في جنوب قطاع غزة.

وتكتسب تلك الأيام أهمية خاصة في تاريخ المقاومة الفلسطينية، لأنها سبقت مباشرة:

15 آب 2005: بدء الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة.

23 آب 2005: استكمال إخلاء المستوطنات الإسرائيلية في قطاع غزة والمستوطنات الأربع في شمال الضفة الغربية.

كما شهد الأسبوع الممتد حتى 9 آب اضطرابات أمنية، من بينها اختطاف ثلاثة موظفين أمميين في خان يونس ثم الإفراج عنهم بعد نحو 90 دقيقة.

وكانت تلك المرحلة نتيجة سنوات طويلة من المقاومة الفلسطينية والمواجهة مع الاحتلال ومستعمراته في قطاع غزة، وصولًا إلى إخلاء المستوطنات من داخل القطاع.

وفي 9 آب/أغسطس 2014، كان هذا اليوم في قلب العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة عام 2014.

فبعد انتهاء وقف إطلاق نار لمدة 72 ساعة في 8 آب دون التوصل إلى اتفاق لتمديده، استؤنف إطلاق النار من غزة والغارات الإسرائيلية على القطاع.

وفي تقريرها الصادر في 9 آب، قالت OCHA إن استئناف الأعمال القتالية أدى إلى مقتل خمسة فلسطينيين خلال الفترة التي يغطيها التقرير، وعودة عشرات الآلاف إلى مراكز الإيواء، وارتفاع عدد النازحين، وتدمير أو إلحاق أضرار جسيمة بنحو 10,800 منزل منذ بداية العدوان.

وفي اليوم نفسه دعت بريطانيا وفرنسا وألمانيا جميع الأطراف إلى العودة فورًا إلى وقف إطلاق النار ودعم الجهود المصرية للتوصل إلى هدنة مستدامة.

وكانت المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة خلال العدوان تواجه آلة الحرب الإسرائيلية، فيما دفع المدنيون الفلسطينيون الثمن الأكبر من القصف والدمار والنزوح والحصار.

وفي 9 آب/أغسطس 2022، اغتالت قوات الاحتلال الإسرائيلي القائد إبراهيم النابلسي في مدينة نابلس، أحد أبرز وجوه المقاومة المسلحة التي برزت آنذاك في الضفة الغربية، إلى جانب عدد من رفاقه.

وجاء الاغتيال بعد أيام قليلة من العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في آب 2022، الذي بدأ في 5 آب باغتيال القيادي في سرايا القدس تيسير الجعبري، ثم اغتيال خالد منصور في رفح.

وعقب استشهاد النابلسي ورفاقه، نعت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين شهداء نابلس «جبل النار»، وعلى رأسهم القائد إبراهيم النابلسي، ودعت جماهير شعبنا إلى المشاركة في تشييعهم بمواكب جنائزية والإضراب الشامل، وتصعيد المقاومة والاشتباك الميداني مع الاحتلال والمستوطنين.

وجاء موقف الجبهة الديمقراطية في إطار دعوتها إلى تحويل استشهاد قادة المقاومة إلى محطة لتصعيد المواجهة الشعبية والميدانية مع الاحتلال والمستوطنين، وتأكيد استمرار المقاومة في مواجهة الاقتحامات والاغتيالات والاعتداءات.

وفي هذا السياق، تواصل قوات الشهيد عمر القاسم، الجناح العسكري للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، حضورها في مسار المقاومة الفلسطينية ومواجهة الاحتلال، وفاءً لنهج الشهيد عمر القاسم وإرثه النضالي.

وأصبح اسم إبراهيم النابلسي مرتبطًا بمرحلة جديدة من المقاومة في الضفة الغربية، ولا سيما في مدينة نابلس ومخيماتها، حيث برزت مجموعات مقاومة مسلحة في مواجهة الاقتحامات والاغتيالات الإسرائيلية.

وفي 9 آب/أغسطس 2024، كان قطاع غزة في اليوم الـ307 تقريبًا من الحرب التي بدأت في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.

وأفادت OCHA في تقرير 9 آب بأن آلاف الفلسطينيين نزحوا باتجاه غرب خان يونس ودير البلح خلال الأيام السابقة، بعد أوامر إخلاء جديدة.

وقدّرت الأمم المتحدة أن المناطق التي شملتها أوامر الإخلاء الجديدة خلال ذلك الأسبوع بلغت نحو 43 كيلومترًا مربعًا، وضمت مئات مواقع النزوح ومنشآت مياه وصرف صحي ومرافق صحية.

وفي اليوم نفسه حذرت اليونيسف من استمرار معاناة الأطفال في غزة، مشيرة إلى انفصال الأطفال عن أسرهم وظروف النزوح والخطر المستمر.

وفي ظل استمرار العدوان والحصار، واصلت المقاومة الفلسطينية مواجهة قوات الاحتلال في مختلف محاور قطاع غزة، بينما واجه الفلسطينيون واحدة من أعنف موجات القتل والتهجير والتدمير في تاريخهم الحديث.

وفي 9 آب/أغسطس 2025، كان اليوم من الأيام المفصلية في مسار الحرب على غزة.

ففي 8 آب أعلن المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي قرارًا بشأن توسيع العملية العسكرية والسيطرة على مدينة غزة، الأمر الذي أثار إدانات دولية واسعة.

وفي 9 آب أعلنت مجموعة من الدول، بينها تركيا والدول العربية والإسلامية المشاركة في اللجنة الوزارية بشأن غزة، رفضها القاطع لإعلان إسرائيل نيتها فرض سيطرة عسكرية كاملة على قطاع غزة، معتبرة ذلك تصعيدًا خطيرًا وانتهاكًا للقانون الدولي.

كما أعلنت بريطانيا وفرنسا وألمانيا وأستراليا ودول أخرى رفضها للخطط الإسرائيلية لتوسيع العملية العسكرية، وحذرت من تفاقم الكارثة الإنسانية والنزوح الجماعي.

وفي ذلك الوقت كانت أزمة الجوع في غزة تتفاقم بصورة خطيرة، قبل أن تؤكد آلية التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي لاحقًا في آب 2025 وجود مجاعة في محافظة غزة.

وبذلك دخل الاحتلال مرحلة جديدة من الحرب على القطاع، في ظل استمرار المقاومة الفلسطينية في مواجهة العدوان، ورفض فلسطيني واسع لأي مشروع لاقتلاع السكان أو فرض السيطرة العسكرية على قطاع غزة.

أما في 9 آب/أغسطس 2026، فتتواصل التطورات الميدانية والسياسية في الأراضي الفلسطينية وقطاع غزة.

وأفادت وكالة الأنباء الفلسطينية وفا اليوم بإصابة ثلاثة فلسطينيين برصاص قوات الاحتلال في خان يونس جنوب قطاع غزة.

كما أفادت تقارير اليوم باستمرار القصف المدفعي وإطلاق النار في مناطق من قطاع غزة، بما فيها مخيم البريج ومنطقة الشاكوش.

وفي الضفة الغربية، تحدثت تقارير اليوم عن استمرار الاقتحامات الإسرائيلية في عدد من مدن وبلدات الضفة الغربية.

وتأتي هذه الاقتحامات في سياق متواصل من العدوان على الضفة، بما يشمل الاعتقالات والاغتيالات وتدمير المنازل والاعتداءات الاستيطانية ومحاولات فرض واقع جديد على الأرض.

وفي تطور سياسي مهم اليوم، أعلنت حركة حماس أنها مستعدة للمضي في خطة أميركية بشأن غزة، مع مطالبتها بالضغط على إسرائيل لتنفيذ التزاماتها، بينما لا تزال هناك خلافات حول تفاصيل الخطة وتنفيذها.

ويختصر التسلسل التاريخي ليوم 9 آب عددًا من المحطات البارزة؛ ففي 1929 كانت أجواء التوتر تسبق هبة البراق، وفي 1947 حضرت القضية الفلسطينية في وثائق وجلسات اللجنة الأممية الخاصة بفلسطين، وفي 1982 بدأت الندوة السابعة للأمم المتحدة حول القضية الفلسطينية في داكار، وفي 1988 قُتل ثلاثة عمال فلسطينيين من غزة في حريق بمكان إقامتهم في تل أبيب وفق وثيقة فلسطينية للأمم المتحدة، وفي 2001 وقع تفجير مطعم سبارو في القدس خلال الانتفاضة الثانية، وفي 2002 أكدت الأمم المتحدة تعاملها مع ياسر عرفات باعتباره رئيسًا منتخبًا للشعب الفلسطيني، وفي 2005 شهدت غزة مواجهات وإطلاق صواريخ وقذائف عشية الانسحاب الإسرائيلي، وفي 2014 استؤنف العدوان على غزة بعد انتهاء هدنة الـ72 ساعة، وفي 2022 اغتيل إبراهيم النابلسي في نابلس، وفي 2024 شهد القطاع نزوحًا واسعًا وأوامر إخلاء جديدة وسط الحرب، وفي 2025 صدرت إدانات عربية وإسلامية ودولية لخطة توسيع السيطرة العسكرية على غزة، بينما يشهد 2026 إصابات في خان يونس واقتحامات في الضفة واستمرار المسار السياسي المتعلق بخطة غزة.

ومن هبة البراق إلى الانتفاضتين الأولى والثانية، ومن مقاومة الاحتلال في غزة والضفة إلى اغتيال إبراهيم النابلسي، ومن حصار بيروت إلى الحروب المتتالية على قطاع غزة، ظل التاسع من آب حاضرًا في سجل القضية الفلسطينية.

إنها ذاكرة شعب لم يتوقف عن مواجهة الاحتلال، ولم تتوقف في المقابل محاولات اقتلاعه وتهجيره وفرض الوقائع الاستعمارية على أرضه.

وفي كل محطة، بقيت فلسطين حاضرة: في المقاومة، والشهادة، والأسر، والصمود، والتمسك بالأرض والحق في الحرية وتقرير المصير.

9 آب في الذاكرة الفلسطينية.. يوم آخر في سجل طويل من الصراع، لكنه ليس يومًا عابرًا في ذاكرة شعب يواصل مقاومة الاحتلال والتمسك بفلسطين.

Share This Article