من «جيش» إلى شريك في العنف.. شهادات إسرائيلية تكشف كيف يتكامل المستوطن والجندي في الضفة

المسار : لم تعد المسألة مجرد عجزٍ إسرائيلي عن لجم المستوطنين في الضفة الغربية؛ شهادات جنود وضباط إسرائيليين ترسم صورة أكثر خطورة: مستوطنون مسلحون يتحركون بزي عسكري وصلاحيات أمنية، يقتحمون القرى والمنازل، يقيمون الحواجز ويشاركون في العمليات، بينما تتعامل معهم المؤسسة العسكرية أحيانًا كشركاء لا كمعتدين.

وتكشف شهادات جنود وضباط خدموا في الضفة منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، أن الحدود بين المستوطن المسلح والجندي باتت أكثر ضبابية، فيما يدفع الفلسطينيون ثمن هذا التداخل عبر الاعتداءات والاقتحامات والاعتقالات ومصادرة الممتلكات.

وتشير الإفادات، التي أوردها تحقيق صحفي إسرائيلي، إلى أن وحدات “الدفاع المناطقي” شكلت إحدى أبرز قنوات هذا التداخل، بعدما جرى تجنيد نحو 5500 مستوطن في الضفة عقب اندلاع الحرب.

المستوطن.. جندي بلا قيود؟

على الورق، يفترض أن تخضع وحدات “الدفاع المناطقي” للتسلسل القيادي العسكري، وأن تكون تحركاتها خارج المستوطنات مرتبطة بموافقة قيادة الجيش.

لكن الشهادات الميدانية تقول شيئًا آخر.

جنود تحدثوا عن عناصر من هذه الوحدات يتحركون بصورة مستقلة، ويصلون إلى مواقع الاعتداء قبل القوات النظامية، ويحملون السلاح ويرتدون الزي العسكري، بل ويتجاهلون أحيانًا أوامر الجنود والضباط.

وفي جنوب الخليل، تحدث ضابط احتياط عن اقتحامات نفذها مستوطنون لمنازل فلسطينية، وعن اعتداءات وتهديدات طالت حتى جنودًا حاولوا وقفها.

وفي إحدى الوقائع، وبعد أن تقدم الضابط بشكوى ضد مستوطنين، لم تتحول الحادثة إلى محاسبة، بل جرى ترتيب “مصالحة” معهم، في مشهد يعكس، وفق الشهادة، حجم الحرج الذي تواجهه المؤسسة العسكرية عندما يتعلق الأمر بمستوطنين مسلحين.

السلاح واحد.. والعدو مختلف

الأخطر في الشهادات ليس فقط أن المستوطنين يعتدون على الفلسطينيين، بل أنهم يتحركون أحيانًا بالسلاح والزي والصلاحيات نفسها التي يمتلكها الجنود.

وفي مناطق مختلفة من الضفة، أقام مستوطنون وعناصر من “الدفاع المناطقي” حواجز غير منسقة مع الجيش، أوقفوا عندها الفلسطينيين، وأجبروهم على الخروج من مركباتهم والاستلقاء وتفتيش سياراتهم، بينما كان المستوطنون يمرون دون المعاملة نفسها.

وقال أحد الجنود، في وصفه للمشهد، إن الفلسطينيين كانوا يخضعون للتفتيش والاحتجاز، بينما يمر اليهود عبر الحواجز بحرية.

وهنا، وفق الشهادات، لا يعود السؤال متعلقًا بمستوطن منفلت، بل بمنظومة أمنية تسمح بتوزيع أدوار متداخلة بين الجيش والمستوطنين.

حين يصبح المعتدي جزءًا من القوة العسكرية

وتشير الإفادات إلى مشاركة عناصر من “الدفاع المناطقي” في اقتحامات وعمليات اعتقال داخل القرى الفلسطينية، وأحيانًا بملابس شبه مدنية، إلى جانب جنود الاحتلال.

وفي حالات أخرى، انضم مستوطنون مدنيون إلى القوات ودخلوا منازل فلسطينية دون تنسيق واضح، بينما لم يتدخل الجنود لمنعهم.

وحذر ضباط من أن وجود هؤلاء داخل القواعد وغرف العمليات أتاح لهم الاطلاع على معلومات عسكرية حساسة، بما في ذلك معلومات يمكن أن تكشف تحركات الجيش أو هوية فلسطينيين تقدموا بشكاوى ضد المستوطنين.

بمعنى آخر، لم يعد المستوطن مجرد قوة ضغط خارج المؤسسة العسكرية، بل بات في بعض الحالات داخل مساحتها الأمنية نفسها.

الضفة تحت تجربتين مختلفتين للقوة

وتكشف شهادة مرتبطة بمقتل الفلسطيني عودة الهذالين في أم الخير جنوب الخليل، خلال تموز/يوليو 2025، جانبًا آخر من هذه المعادلة.

فبعد مقتل الهذالين برصاص مستوطن، لم تقتصر الإجراءات على التعامل مع مطلق النار، بل نفذ الجيش اقتحامات ليلية في القرى المحيطة، وفتش المنازل وجمع السكان وصورهم ودقق في هوياتهم.

وبحسب شهادة أحد الجنود، كانت القوات تعرف مسبقًا أنها لن تجد شيئًا ذا قيمة أمنية، وأن بيانات السكان موجودة أصلًا في أنظمة الجيش.

ومع ذلك استمرت الإجراءات، وهو ما وصفه الجندي بأنه وسيلة لـ”مضايقة الفلسطينيين” ومنعهم من رفع رؤوسهم.

المفارقة التي تكشفها الشهادة أن المستوطن الذي يطلق النار على فلسطيني يمكن أن يكون طرفًا في حادثة محددة، بينما يتحول الفلسطينيون، في أعقابها، إلى هدف لإجراءات عسكرية جماعية.

«فشل الدولة» أم سياسة متكاملة؟

بعض الجنود وصفوا ما يجري بأنه “فشل للدولة”، مشيرين إلى تأخر الشرطة في الوصول إلى اعتداءات المستوطنين، وإلى عدم معرفتهم لفترات طويلة بامتلاكهم صلاحية توقيف مستوطنين يعتدون على الفلسطينيين.

لكن الشهادات نفسها تدفع إلى سؤال أكثر عمقًا:

هل نحن أمام فشل في السيطرة على المستوطنين، أم أمام منظومة تسمح بتداخل القوة الاستيطانية مع القوة العسكرية بما يخدم واقع السيطرة على الأرض؟

فالمستوطن يوسّع وجوده، والجيش يوفر الغطاء الأمني، والطرق والبؤر والحواجز تتحول إلى أدوات لفرض واقع جديد، بينما يُترك الفلسطيني في مواجهة قوة متعددة المستويات: مستوطن مسلح، وجندي، وإجراءات عسكرية، ونظام قانوني وأمني لا يتعامل مع الطرفين بالطريقة نفسها.

من يحكم الضفة فعليًا؟

تكشف هذه الشهادات أن المشهد في الضفة الغربية لم يعد مجرد مواجهة بين فلسطينيين ومستوطنين على الأرض.

إنه مشهد تتداخل فيه المؤسسة العسكرية، والمستوطنون المسلحون، والبؤر الاستيطانية، والحواجز والإجراءات الأمنية ضمن شبكة واحدة من السيطرة الميدانية.

وعندما يصل المستوطن إلى موقع الاعتداء قبل الجيش، وعندما يدخل قواعده ويطلع على معلوماته، وعندما يشارك في عمليات الاقتحام والاعتقال، وعندما يتجاهل أوامر الجنود دون أن يواجه محاسبة حقيقية، فإن السؤال لا يعود: لماذا لا يوقف الجيش المستوطنين؟

 

Share This Article