وإذا كان تأثير الإصابات الجسدية والنفسية الناجمة عن الحرب قد بدأ يتراجع خلال العام الأخير، فإن العامل الذي بات يثير قلقًا متزايدًا يتمثل في الهجرة من إسرائيل. وتكتسب هذه الظاهرة أهمية خاصة بسبب الخصائص الاقتصادية والاجتماعية للفئات المهاجرة، بما قد يزيد من آثارها السلبية على الاقتصاد الإسرائيلي وسوق العمل.
تزايد معدلات الهجرة: ضرر اقتصادي مباشر
كشفت نتائج أولية لدراسة جديدة أُجريت في قسم الإدارة والاقتصاد في جامعة تل أبيب، نُشرت يوم الإثنين 3 آب/أغسطس الجاري، عن اتساع ظاهرة الهجرة من إسرائيل وتداعياتها السلبية على سوق العمل والاقتصاد.
ويشير معدّو الدراسة إلى أنه “بعد سنوات طويلة من الاستقرار النسبي في ميزان الهجرة، تكشف المعطيات عن اختلال هذا التوازن وارتفاع ملحوظ في أعداد المغادرين خلال السنوات الثلاث الأخيرة مقارنة بالسنوات السابقة”. وللمقارنة، غادر إسرائيل خلال الأعوام 2023–2025 نحو 270 ألف شخص، بواقع نحو 90 ألف مغادر سنويًا، مقابل نحو 60 ألف شخص سنويًا في المتوسط خلال العقد الممتد من عام 2010 إلى عام 2019.
ورغم ذلك، يرى معدّو الدراسة أن هذه المعطيات، بحد ذاتها، لا تشكّل حتى الآن خطرًا مباشرًا على مناعة إسرائيل. لكنهم يحذّرون من أن استمرار الاتجاه الحالي من دون تغيير قد يؤدي، في السنوات المقبلة، إلى ارتفاع الهجرة بمعدلات يمكن أن تشكّل خطرًا على الاقتصاد والأمن الإسرائيليين.
ومع ذلك، لم ينشر معدّو الدراسة حتى الآن تفاصيل كافية حول الخصائص الديمغرافية والاقتصادية للمهاجرين خلال السنوات الأخيرة، وهي معطيات أساسية لتقدير حجم التأثير الفعلي للهجرة على سوق العمل والاقتصاد الإسرائيلي.
في المقابل، يقدّم تقرير أعدّه مركز الأبحاث والمعلومات التابع للكنيست الإسرائيلي، ونُشر مطلع حزيران/يونيو الماضي، صورة أوضح عن الخصائص التعليمية للمهاجرين من إسرائيل، ويكشف عن تمثيل مرتفع لأصحاب المؤهلات الأكاديمية بينهم. فوفقًا للتقرير، يحمل 33.2% من المهاجرين من إسرائيل عام 2022 شهادة بكالوريوس، مقارنة بنحو 21.5% فقط بين مجمل السكان. أما حملة شهادة الماجستير، فبلغت نسبتهم 23.5% من المهاجرين، أي نحو ضعف نسبتهم بين السكان، التي بلغت 11.9%. وتزداد الفجوة بصورة أكبر بين حملة الدكتوراه؛ إذ شكّلوا 3.9% من المهاجرين، مقابل 0.8% فقط من مجمل السكان.
وتعزز معطيات عام 2023 اتساع ظاهرة “هجرة الأدمغة”، ولا سيما في التخصصات العلمية والتكنولوجية. إذ تشير المعطيات إلى أن 25% من الحاصلين على شهادة الدكتوراه في الرياضيات من الجامعات الإسرائيلية كانوا يقيمون خارج إسرائيل منذ ثلاث سنوات على الأقل. وتبلغ النسبة 22% بين حملة الدكتوراه في علوم الحاسوب، و19% في علم الوراثة، و17% في الفيزياء.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية اقتصادية خاصة، لأنها تشير إلى فقدان جزء من أصحاب المهارات والتخصصات العلمية المتقدمة التي يعتمد عليها الاقتصاد الإسرائيلي، ولا سيما في قطاعات التكنولوجيا والبحث العلمي وصناعات التقنيات الفائقة. وتزداد خطورة هذا الاتجاه في ظل الصعوبة الكبيرة في تعويض هذه الخبرات داخل سوق العمل، سواء بسبب محدودية الكفاءات البديلة أو بسبب تعذّر سدّ النقص فيها من خلال استقدام عمال أجانب، كما هو الحال في قطاعات أخرى تعتمد بدرجة أكبر على العمالة غير الماهرة أو شبه الماهرة.
ضرر على الاقتصاد الكلي
لا يقتصر الأثر السلبي للهجرة على سوق العمل، بل قد يمتد إلى الاقتصاد الكلي ويتحول إلى ما يشبه كرة ثلج تتسع تداعياتها مع مرور الوقت. فارتفاع معدلات الهجرة قد يؤدي إلى تراجع الاستهلاك المحلي، وانخفاض الإنتاج والنمو، وتباطؤ الاستثمار، إلى جانب تراجع الطلب على الشقق السكنية، ولا سيما في منطقة المركز الاقتصادي.
ومن شأن هذه التطورات أن تنعكس بدورها على إيرادات الدولة، من خلال انخفاض حصيلة ضرائب الدخل وضريبة القيمة المضافة وضرائب العقارات، إلى جانب تراجع مدفوعات التأمين الوطني والتأمين الصحي. وإذا استمرت هذه الاتجاهات واتسع نطاقها، فقد تترجم لاحقًا إلى ارتفاع العجز المالي للحكومة وزيادة الدين العام، بما يضيف عبئًا جديدًا على المالية العامة.
وفي هذا السياق، نشرت سلطة الضرائب الأسبوع الماضي نتائج دراسة جديدة تضمنت معطيات بشأن تأثير تصاعد الهجرة من إسرائيل على إيرادات ضريبة الدخل. تظهر المعطيات أن وتيرة الهجرة تتسارع بصورة خاصة في أوساط الشرائح القوية والوسطى، في حين تكاد تبقى مستقرة في أوساط الشرائح الأضعف. كما ارتفعت نسبة المغادرين من العُشر الأعلى بصورة حادة خلال العقد الأخير. وإذا كان دخل المغادرين في الماضي قريبًا من معدل الدخل العام، فإن دخلهم اليوم يزيد عليه بنحو 50%، ما يعني أن أثر الهجرة على إيرادات الدولة لا يرتبط بعدد المغادرين فقط، بل أيضًا بارتفاع مستوى دخولهم ومساهمتهم الضريبية.
وتناولت الدراسة الإسرائيليين الذين غادروا البلاد بين عامي 2015 و2024، مستندةً إلى بيانات السنة التي سبقت المغادرة، أي إلى معطيات الأعوام 2014–2023. وتشمل هذه البيانات مستويات الدخل ومدفوعات ضريبة الدخل، لكنها لا تتضمن رسوم التأمين الوطني والتأمين الصحي.
وبناءً على ذلك، يُرجّح أن تكون الخسارة الفعلية في إيرادات الدولة نتيجة الهجرة أعلى من الأرقام التي تعرضها الدراسة. ومع ذلك، قد يستمر بعض المغادرين في الاحتفاظ بمكانة “مقيم في إسرائيل” لأغراض ضريبية، على الأقل خلال فترة معينة، وبالتالي يواصلون دفع الضرائب في إسرائيل على جزء من مداخيلهم.
تُظهر البيانات أن وتيرة المغادرة في أوساط السكان الميسورين في إسرائيل أصبحت ضعف ما كانت عليه عام 2021. ومنذ 2015 ولغاية عام 2021، تراوحت قيمة الضرائب السنوية التي دفعها المغادرون في السنة التي سبقت مغادرتهم بين 400 و600 مليون شيكل سنويًا. لكن بعد ذلك سُجّل ارتفاع حاد؛ إذ بلغ إجمالي الضرائب التي دفعها من غادروا إسرائيل خلال عامي 2023 و2024، في السنة التي سبقت مغادرتهم، نحو 1.2 مليار شيكل سنويًا، الأمر الذي يوضح التغير في مكانة المغادرين الاقتصادية. وتتركز الزيادة في خسارة الإيرادات الضريبية أساسًا في الفئة العمرية بين 30 و50 عامًا، وهي الفئة التي تضم نسبة مرتفعة من أصحاب الدخل العالي ودافعي الضرائب الرئيسيين. وتساعد مراجعة معطيات دائرة الإحصاء المركزية بشأن معدلات المشاركة في سوق العمل لدى المجتمع اليهودي، بحسب الفئات العمرية، على توضيح حجم التأثير بصورة أكبر.
ولا يرتبط الارتفاع الحاد في خسارة الإيرادات الضريبية بعمر المغادرين فحسب، بل أيضًا بطبيعة المهن والقطاعات التي يعملون فيها. فقد تضاعف عدد المغادرين العاملين في قطاعَي التكنولوجيا المتقدمة والصحة، واقترب في بعض الحالات من ثلاثة أضعاف، وهي قطاعات تتميز بمستويات أجور مرتفعة ومساهمة كبيرة في الإيرادات الضريبية. في المقابل، ظل عدد المغادرين من القطاعات ذات الأجور المنخفضة نسبيًا، ومن بينها قطاع التعليم، قريبًا من مستوياته السابقة.
الهجرة… ضرر اقتصادي وديموغرافي
يبدو أن ارتفاع أعداد المصابين في الحروب التي شنتها إسرائيل منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، ولا سيما الإصابات والإعاقات النفسية، إلى جانب تصاعد الهجرة من إسرائيل في أوساط الفئات الشابة والمنتجة وذات مستويات التعليم المرتفعة، التي تسجّل معدلات مرتفعة من المشاركة في سوق العمل وتدفع الضرائب وتشارك في الخدمة العسكرية، بات يشكّل ضغطًا متزايدًا على الاقتصاد الإسرائيلي، وخصوصًا على حجم قوة العمل ومعدلات المشاركة فيها، ويؤثر سلبًا على مستويات جباية الضرائب.
وإذا استمر هذا الاتجاه خلال العام الحالي والسنوات المقبلة، فقد تتسع تداعياته لتلحق أضرارًا أعمق بالاقتصاد الإسرائيلي، كما قد تؤثر في الميزان الديموغرافي ومعدلات الزيادة السنوية في عدد السكان، ولا سيما في ظل تراجع الهجرة اليهودية إلى إسرائيل خلال السنوات الأخيرة.
وفي حال استمر ارتفاع عدد المغادرين بالتوازي مع تراجع أعداد الوافدين، فقد تجد إسرائيل نفسها، للمرة الأولى منذ قيامها، أمام عدة سنوات متتالية من التراجع في ميزان الهجرة، بما يحوّل الظاهرة من تحدٍّ اقتصادي مرتبط بسوق العمل إلى قضية ديموغرافية ذات تداعيات أوسع على المدى البعيد.

