كيف يتحول الرعي إلى سلاح استيطاني لابتلاع أراضي الضفة؟

المسار :لم تعد السيطرة على أراضي الضفة الغربية تعتمد فقط على الجرافات والمباني الاستيطانية الضخمة؛ إذ تحولت المزارع الرعوية والبؤر الاستيطانية إلى وسيلة متقدمة لفرض السيطرة على مساحات واسعة من الأرض الفلسطينية، عبر إقامة خيام وكرفانات ونشر قطعان الأغنام، ثم توسيع نطاق السيطرة تدريجيًا.

وتبدأ البؤرة الرعوية عادةً بإمكانات محدودة: خيمة أو كرفان، قطيع من الأغنام، مركبة دفع رباعي، وأحيانًا طائرات مسيّرة ووسائل مراقبة، قبل أن تتوسع لتفرض واقعًا جديدًا على الأرض.

أكثر من 200 بؤرة منذ بداية 2026

وبحسب بيانات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، أُنشئت أكثر من 200 بؤرة استيطانية منذ بداية عام 2026، بينها 29 بؤرة خلال شهر يوليو/تموز وحده، توزعت على تسع محافظات، بينها ثماني بؤر في نابلس وخمس في رام الله.

ويؤدي انتشار هذه البؤر إلى تضييق نطاق الأراضي التي يستطيع الفلسطينيون الوصول إليها، ولا سيما الأراضي الزراعية ومناطق الرعي، ما ينعكس على مصادر رزق التجمعات البدوية والرعوية ويزيد من احتمالات نزوحها.

«شبيبة التلال» في قلب المشهد

وتبرز جماعات تُعرف باسم «شبيبة التلال» في عمليات إقامة البؤر الرعوية، وتضم في الغالب فتية وشبانًا تتراوح أعمارهم بين 14 و25 عامًا، وينحدر معظمهم من أوساط الصهيونية الدينية.

ولا يقتصر نشاط هذه الجماعات على الرعي والزراعة، بل يشمل، وفق التقرير، مهارات في البناء واستخدام مركبات الدفع الرباعي ووسائل المراقبة والطائرات المسيّرة، إلى جانب حمل السلاح.

ويرتبط جزء من خطاب هذه الجماعات بأفكار دينية وسياسية متطرفة ترى في الاستيطان وسيلة لفرض مشروع توسعي على الأرض.

شبكة دعم تتجاوز المستوطنين

وخلف النشاط الميداني توجد شبكة من الدعم السياسي والتنظيمي والمالي، تشارك فيها شخصيات سياسية ومنظمات تعمل في مجالات التخطيط والتجنيد والحراسة والدعم القانوني.

ومن بين المنظمات التي يوردها التقرير: «نحالا»، و«هشومير يوش»، و«رغافيم»، و«حنينو»، و«أمانا»، والتي تؤدي أدوارًا مختلفة في دعم البؤر والمزارع الرعوية وتوفير الحماية والتدريب والغطاء القانوني.

كما تُجمع أموال عبر التبرعات والمنصات الرقمية والجمعيات المعفاة من الضرائب في الولايات المتحدة ودول غربية، وتستخدم لشراء الآليات والمواشي ومركبات الدفع الرباعي والكرفانات وخزانات المياه والألواح الشمسية ومعدات المراقبة.

عقوبات دولية لم توقف التوسع

وفرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول أخرى عقوبات على عدد من المستوطنين والناشطين والمنظمات المرتبطة بالعنف الاستيطاني، شملت تجميد أصول وقيودًا على السفر.

لكن هذه العقوبات، وفق التقرير، لم تؤدِ إلى وقف ظاهرة البؤر الرعوية، بل استُخدمت أحيانًا في حملات دعائية لحشد الدعم من أوساط اليمين المتطرف وجمع التبرعات تحت عناوين مرتبطة بما يسمى «دعم المزارع المحاصرة دوليًا».

وتضم قوائم العقوبات، بحسب المصدر، شخصيات مرتبطة بالنشاط الاستيطاني، من بينها تسفي بار يوسف، وموشيه شاربيت، وبنتسي جوبشتاين، ودانييلا فايس، وباروخ مارزل.

798 اعتداءً خلال يوليو

وتكشف الأرقام عن حجم التصعيد؛ إذ قالت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إن المستوطنين نفذوا 798 اعتداءً مباشرًا خلال يوليو/تموز الماضي.

كما ساهم تمدد البؤر والمزارع الرعوية، بحسب التقرير، في تهجير أكثر من 82 تجمعًا بدويًا ورعويًا بالكامل منذ بداية عام 2026.

الأرض أولًا.. ثم الرحيل

في كثير من المناطق، لا تبدأ عملية السيطرة بإخلاء الفلسطينيين بصورة مباشرة، وإنما عبر تضييق متدرج على حياتهم اليومية: منع الوصول إلى المراعي، الاعتداء على الرعاة، الاستيلاء على مصادر المياه، إغلاق الطرق والمسارات، وإقامة بؤر جديدة حول التجمعات الفلسطينية.

ومع اتساع نطاق الرعي الاستيطاني، تصبح المساحات المتاحة للفلسطينيين أكثر ضيقًا، ويتحول وجود المستوطنين من نقطة محدودة إلى شبكة متصلة من السيطرة على الأرض.

تداخل بين المستوطنين وقوات الاحتلال

ويشير التقرير إلى تداخل أدوار المستوطنين والجيش والشرطة الإسرائيلية في الميدان؛ إذ توفر قوات الاحتلال الحماية للمستوطنين في حالات من الاعتداء، بينما يواجه الفلسطينيون الذين يحاولون الدفاع عن أراضيهم خطر الاعتقال أو الاعتداء، في حين تُغلق قضايا عديدة أو تُسجل ضد مجهول.

وبذلك، يتحول الرعي من نشاط اقتصادي إلى أداة للسيطرة على الأرض، في واحدة من أكثر صور الاستيطان هدوءًا في الشكل، لكنها شديدة التأثير في نتائجها، خصوصًا في مناطق الأغوار وتلال جنوب نابلس ورام الله ومناطق واسعة من الضفة الغربية.

Share This Article