المسار : منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، لم تكن الاتفاقات التي جرى التوصل إليها عبر الوسطاء سوى محطات مؤقتة في مسار طويل من التفاوض والخرق وإعادة صياغة الشروط. فكلما اقتربت الأطراف من تفاهم يضع حداً للقتال أو يحدد مساراً للانسحاب وتبادل الأسرى وإدخال المساعدات، عادت الحكومة الإسرائيلية إلى طرح شروط جديدة أو تفسير مختلف للبنود المتفق عليها، بما أبقى الحرب مفتوحة وأجّل استحقاقات وقفها.
- من الهدنة الإنسانية الأولى إلى اتفاقات وقف إطلاق النار
- اتفاق جديد.. وشروط تتغير على الطاولة
- «نزع السلاح».. الشرط الذي يعيد المفاوضات إلى نقطة الصفر
- لماذا يمثل ملف السلاح عقدة أساسية؟
- المؤسسة الأمنية الإسرائيلية ونتنياهو.. اختلاف في الحسابات؟
- الانسحاب الإسرائيلي.. نقطة الخلاف الأبرز
- المساعدات وإعادة الإعمار.. ورقة أخرى في مسار الأزمة
- بين الاتفاق والخرق.. مسار متكرر
- ما الذي يريده نتنياهو من إبقاء الملفات مفتوحة؟
- حماس أمام معادلة صعبة
- الخلاصة: المشكلة ليست في غياب الاتفاقات بل في تنفيذها
ويبرز هذا النمط مجدداً مع إعلان حكومة الاحتلال رفضها رسمياً وثيقة النقاط الـ15 التي طرحها «مجلس السلام» بشأن قطاع غزة، وربط أي انسحاب عسكري إسرائيلي من القطاع بنزع سلاح حركة حماس بالكامل.
وفي المقابل، أكدت حركة حماس تمسكها بما جرى التوصل إليه مع الوسطاء، مطالبة بوضع جدول زمني واضح لاستكمال تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، بما يشمل الاستحقاقات التي يفترض أن تترتب على الاتفاقات السابقة.
من الهدنة الإنسانية الأولى إلى اتفاقات وقف إطلاق النار
لم تكن محاولات وقف الحرب جديدة، إذ بدأت الوساطات منذ الأسابيع الأولى للعدوان، وتوصلت الأطراف في نوفمبر/تشرين الثاني 2023 إلى هدنة إنسانية استمرت نحو ستة أيام، وشملت تبادل أسرى وإدخال مساعدات إلى القطاع.
لكن الهدنة انتهت باستئناف إسرائيل عملياتها العسكرية، قبل أن يتوسع العدوان مجدداً ويشمل مناطق واسعة من القطاع، وصولاً إلى مدينة خانيونس جنوباً.
وفي يناير/كانون الثاني 2025، دخل اتفاق جديد لوقف إطلاق النار وتبادل الأسرى حيز التنفيذ، بوساطة مصرية وقطرية وأميركية. ونص الاتفاق على ثلاث مراحل، تبدأ بوقف إطلاق النار وتبادل الأسرى وإدخال المساعدات، وصولاً إلى ترتيبات أكثر شمولاً تتعلق بوقف الحرب والانسحاب الإسرائيلي.
وشهدت المرحلة الأولى تنفيذ عدة عمليات لتبادل الأسرى، إلا أنها لم تخلُ من الخلافات والاتهامات المتبادلة بخرق الاتفاق، وسط اتهامات فلسطينية لإسرائيل بقتل مدنيين وعرقلة دخول المساعدات وعدم الالتزام ببعض بنود الاتفاق المتعلقة بالأسرى.
وفي مارس/آذار 2025، انهارت الهدنة مع استئناف إسرائيل هجومها الواسع على قطاع غزة، لتعود العمليات العسكرية إلى مستويات كبيرة، وتدخل المفاوضات مرحلة جديدة من التعقيد.
اتفاق جديد.. وشروط تتغير على الطاولة
استمرت الاتصالات والوساطات خلال الأشهر التالية بهدف إعادة تثبيت وقف إطلاق النار والتوصل إلى صيغة جديدة تنهي الحرب، وصولاً إلى اتفاق آخر في شرم الشيخ خلال أكتوبر/تشرين الأول 2025، ضمن إطار الخطة التي ارتبطت بإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وتضمن الاتفاق وقف إطلاق النار، وتبادل الأسرى، وانسحاباً تدريجياً للقوات الإسرائيلية من مناطق في قطاع غزة، إلى جانب إدخال المساعدات الإنسانية وتهيئة الظروف لعودة النازحين.
لكن تنفيذ الاتفاق اصطدم مجدداً بالخلاف حول تفسير بنوده وترتيب الخطوات اللاحقة، خصوصاً ما يتعلق بالانسحاب الإسرائيلي الكامل، ومستقبل إدارة القطاع، وسلاح الفصائل الفلسطينية.
وبحسب المعطيات الواردة في التقرير، نفذت عمليات تبادل الأسرى وتسليم الأسرى الإسرائيليين الأحياء والجثامين المشمولة بالاتفاق، لكن ذلك لم يؤدِ إلى انسحاب إسرائيلي كامل، بل استمرت القوات الإسرائيلية في الاحتفاظ بمواقع داخل القطاع والتقدم في مناطق سبق أن انسحبت منها، ما أدى إلى بقاء مساحة واسعة من غزة تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية.
«نزع السلاح».. الشرط الذي يعيد المفاوضات إلى نقطة الصفر
مع طرح «مجلس السلام» خريطة طريق جديدة مؤلفة من 15 نقطة، عادت قضية سلاح حركة حماس إلى صدارة المشهد السياسي.
فقد أعلن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو رفض إسرائيل الرسمي للوثيقة، وربط انسحاب الجيش الإسرائيلي من قطاع غزة بنزع سلاح حركة حماس بصورة كاملة.
وتضع هذه المقاربة العملية السياسية أمام معادلة شديدة التعقيد: انسحاب إسرائيلي مشروط بتنفيذ مطلب أمني وسياسي كبير، مقابل مطالبة فلسطينية بتنفيذ الالتزامات المتعلقة بالانسحاب ووقف الحرب قبل الانتقال إلى ملفات أخرى.
وترى حماس أن ما جرى الاتفاق عليه مع الوسطاء يجب أن يكون الأساس لأي خطوات جديدة، مطالبة بجدول زمني محدد وواضح لتنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق، بدلاً من تركها رهينة لشروط جديدة تطرحها إسرائيل في كل مرحلة.
لماذا يمثل ملف السلاح عقدة أساسية؟
يمثل سلاح الفصائل الفلسطينية واحدة من أكثر القضايا حساسية في أي مفاوضات بشأن مستقبل قطاع غزة.
فطرح هذه القضية على طاولة التفاوض لم يكن حاضراً بهذه الصورة في المراحل السابقة، بينما أصبحت اليوم جزءاً مركزياً من النقاش حول شكل المرحلة المقبلة.
ويعكس إدخال ملف السلاح في صلب المفاوضات حجم التحولات التي فرضتها الحرب والوقائع العسكرية والسياسية التي أوجدتها على الأرض.
وفي المقابل، فإن إسرائيل لا تتعامل مع القضية باعتبارها ملفاً منفصلاً عن مستقبل القطاع، بل تربطه بشكل الحكم والأمن والوجود العسكري الإسرائيلي ومستقبل غزة السياسي.
المؤسسة الأمنية الإسرائيلية ونتنياهو.. اختلاف في الحسابات؟
داخل إسرائيل نفسها، تبدو الحسابات المتعلقة بخطة غزة أكثر تعقيداً من مجرد الموافقة أو الرفض.
فبينما يمكن للمؤسسة الأمنية الإسرائيلية النظر إلى أي اتفاق يضمن ترتيبات أمنية جديدة ونزع سلاح الفصائل باعتباره فرصة لترجمة ما تعتبره إسرائيل مكاسب عسكرية إلى واقع أمني مستدام، فإن حسابات نتنياهو السياسية تبدو مختلفة.
وتكمن المعضلة في السؤال الذي يلي نزع السلاح: ماذا بعد؟
من يحكم غزة؟
هل تنسحب القوات الإسرائيلية بالكامل؟
ما طبيعة السلطة التي ستتولى إدارة القطاع؟
هل يبدأ مسار سياسي يؤدي إلى تقرير المصير وإقامة دولة فلسطينية؟
ومن يضمن عدم عودة الحرب؟
هذه الأسئلة تجعل المرحلة التي تلي نزع السلاح أكثر حساسية بالنسبة إلى الحكومة الإسرائيلية الحالية، خصوصاً في ظل وجود قوى داخل الائتلاف الحاكم تربط مستقبل غزة باستمرار السيطرة العسكرية ومنع أي مسار سياسي يمكن أن يقود إلى قيام دولة فلسطينية.
الانسحاب الإسرائيلي.. نقطة الخلاف الأبرز
من أبرز البنود التي تصطدم بها المفاوضات مسألة الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة.
فبينما تتحدث الخطط والاتفاقات عن انسحاب تدريجي أو كامل، تحاول إسرائيل إبقاء ترتيباتها العسكرية والأمنية مفتوحة، وهو ما يسمح لها بالحفاظ على مواقع عسكرية أو العودة إلى مناطق معينة تحت ذرائع أمنية.
وهنا يتحول «الانسحاب» من بند تنفيذي واضح إلى قضية تفاوضية قابلة لإعادة التفسير.
وتكمن الخطورة في أن استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي داخل القطاع يعني عملياً استمرار قدرة الجيش على تنفيذ عمليات عسكرية، والتحكم في أجزاء من الأراضي، والتأثير في حركة السكان والمساعدات وإعادة الإعمار.
المساعدات وإعادة الإعمار.. ورقة أخرى في مسار الأزمة
لم يقتصر الخلاف على الجانب العسكري، إذ كانت المساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار حاضرة في مختلف مراحل التفاوض.
فإدخال المساعدات يمثل أحد الاستحقاقات الأساسية لأي اتفاق لوقف إطلاق النار، خصوصاً في ظل حجم الدمار والأزمة الإنسانية التي يعانيها قطاع غزة.
لكن تعطيل أو تقليص تدفق المساعدات، وفق الاتهامات الفلسطينية، أصبح جزءاً من أدوات الضغط خلال مراحل التفاوض السابقة.
أما إعادة الإعمار، فتتطلب بدورها وقفاً مستقراً للعمليات العسكرية، وانسحاباً واضحاً، وفتح المعابر، وتوفير ضمانات دولية تسمح ببدء عملية إعادة بناء ما دمرته الحرب.
وبدون هذه الشروط، يبقى الحديث عن إعادة إعمار غزة مؤجلاً أو مرتبطاً بتطورات سياسية وأمنية قابلة للتغير في أي لحظة.
بين الاتفاق والخرق.. مسار متكرر
عند النظر إلى مسار الهدن والاتفاقات منذ بداية الحرب، يمكن ملاحظة نمط متكرر يقوم على عدة مراحل:
تبدأ الوساطات تحت ضغط الكارثة الإنسانية واستمرار العمليات العسكرية.
يتم التوصل إلى تفاهم يتضمن وقف إطلاق النار أو ترتيبات مرحلية.
تبدأ عملية التنفيذ من خلال تبادل الأسرى أو إدخال المساعدات أو الانسحاب من مناطق محددة.
تظهر خلافات حول تفسير البنود أو ترتيب تنفيذها.
تطرح إسرائيل شروطاً إضافية أو تربط تنفيذ بند باستحقاق آخر.
تتوقف عملية التنفيذ أو تتعثر، قبل أن تعود العمليات العسكرية أو الضغوط السياسية.
هذا المسار يجعل الاتفاقات هشة، ويمنح الطرف الأقوى عسكرياً قدرة أكبر على إعادة تعريف الأولويات والشروط كلما تغيرت الظروف.
ما الذي يريده نتنياهو من إبقاء الملفات مفتوحة؟
لا يتعلق الأمر فقط بالملف العسكري، بل يرتبط أيضاً بمستقبل الحكومة الإسرائيلية نفسها.
فأي اتفاق يؤدي إلى انسحاب كامل من غزة، ووقف الحرب، وفتح مسار سياسي للقضية الفلسطينية، قد يخلق أزمة داخل الائتلاف الحاكم، خصوصاً مع القوى اليمينية المتشددة التي ترفض أي تسوية سياسية مع الفلسطينيين وتدفع باتجاه استمرار السيطرة العسكرية.
ومن هنا يصبح إبقاء ملفات مثل نزع السلاح، والحكم في غزة، والانسحاب، ومستقبل القطاع، مفتوحة دون حسم نهائي وسيلة للحفاظ على مساحة سياسية للمناورة.
وبهذا المعنى، فإن الخلاف لا يدور فقط حول تفاصيل اتفاق، وإنما حول السؤال الأكبر: ماذا ستكون غزة بعد الحرب، ومن يقرر مستقبلها؟
حماس أمام معادلة صعبة
في المقابل، تواجه حماس والفصائل الفلسطينية معادلة شديدة الصعوبة.
فمن جهة، هناك ضغط إنساني هائل لإنهاء الحرب ووقف القتل والدمار، ومن جهة أخرى، هناك ملفات سياسية وأمنية تعتبرها الفصائل جزءاً من مستقبل القضية الفلسطينية.
وقد أدى استمرار الحرب والدمار والنزوح إلى تضييق هامش المناورة أمام الفصائل، وجعل أي تفاوض يجري في ظل اختلال كبير في ميزان القوة على الأرض.
ومع ذلك، فإن تمسك حماس بتنفيذ الاتفاقات المعلنة قبل الانتقال إلى شروط جديدة يعكس رفضاً لتحويل المفاوضات إلى مسار بلا نهاية، تتغير خلاله الالتزامات كلما اقترب موعد تنفيذها.
الخلاصة: المشكلة ليست في غياب الاتفاقات بل في تنفيذها
تكشف التجربة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 أن أزمة غزة لم تعد مرتبطة فقط بصعوبة الوصول إلى اتفاق، وإنما أصبحت مرتبطة أساساً بمدى القدرة على ضمان تنفيذه.
فقد توصل الوسطاء إلى أكثر من صيغة لوقف إطلاق النار وتبادل الأسرى وإدخال المساعدات، لكن استمرار الخلافات حول الانسحاب وسلاح الفصائل ومستقبل الحكم في غزة أعاد المفاوضات مراراً إلى نقطة البداية.
ومع رفض إسرائيل خريطة الطريق الجديدة، يعود السؤال مجدداً حول ما إذا كانت المفاوضات ستنتقل إلى مرحلة تنفيذ حقيقية، أم أن القطاع سيبقى عالقاً في دائرة من الاتفاقات المؤقتة والشروط المتغيرة والضغوط العسكرية.
وفي ظل ذلك، تبدو غزة أمام مفترق طرق: إما الانتقال من إدارة الحرب إلى تنفيذ مسار سياسي واضح يضمن وقفاً مستقراً للقتال وانسحاب القوات الإسرائيلية وبدء إعادة الإعمار، أو استمرار سياسة المماطلة التي تجعل كل اتفاق مجرد محطة مؤقتة قبل جولة جديدة من الخلاف والتصعيد.

