الصحافة العبرية… الملف اليومي الصادر عن المكتب الصحافي التابع للجبهة الديمقراطية

 الصحافة الاسرائيلية- الملف اليومي

افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات

معاريف 9/8/2026 

تنحية بعض قادة الموساد جزء من سرية طمس المسؤولية عن إخفاقات حرب أكتوبر

بقلم: افي اشكنازي

 هكذا تبنى السردية للأجيال القادمة.  هكذا تطهر الذاكرة الجماعية لشعب كامل. قرار رئيس الموساد رومان غوفمان تنحية مسؤولين كبيرين في الموساد هو نوع من الهزة الأرضية. ليس للجمهور الغفير المعرفة والأدوات للحكم على الطبيعة المهنية على الجودة المهنية للرجلين.

معقول الافتراض بان للرجلين حقوق كثيرة. ومع ذلك فان الوصول الى قمة جهاز الاستخبارات وتبؤ منصب موازٍ للجيش الاسرائيلي هذا لا يكون سهلا. بالمقابل، لرئيس الموساد الحق في أن يحيل المسؤولين الكبار عن مناصبهم اذا ما اعتقد بان مساهمته محدودة بالنسبة لتنفيذ خطة العمل لديه. لكن الموضوع المقلق هنا هو هل احيل الرجلان عن منصبيهما لاعتبارات موضوعية.

كما يذكر، أحال غوفمان من منصبه نائب رئيس الموساد، بعد بضعة أيام من تعيينه. في حينه لم تثر في الموساد عاصفة إذ بدت الخطوة طبيعية واستوفت الاعتبارات المهنية. اما هنا فلا يدور الحديث ظاهرا عن خطوة طبيعية لتغيير شخصي بل عن محاولة خلق ستار دخان تختبىء من وراءه سردية جديدة، سردية مرة أخرى تضع المستوى المهني وحده في الجبهة. في الموساد العاصفة الدراماتيكية على نحو خاص، ومن داخل الجهاز السري تخرج اقوال مقلقة.

ينبغي لنا ان نكون نزيهين: خطة الموساد كانت طموحة وليس واضحا كم هي فرص نجاحها. فلاجل تنفيذ انقلاب سلطوي هناك حاجة لطرح قيادة بديلة ليست موجودة حقا. إضافة الى ذلك فان خطوات الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، الأقوى اليوم بكثير من بنيامين نتنياهو في الولايات المتحدة، في أوروبا وفي دول الخليج العربي، كان اكثر ذكاء من خطوات إسرائيل.

وبينما يوجد نتنياهو في نوع من الإقامة الجبرية ولا يمكنه أن يطير الى أي مكان في العالم تقريبا، باستثناء الولايات المتحدة، وحتى هناك يستقبل في الباب الخلفي، احبط اردوغان خطوة الموساد. فقد اعلن ” DON’T ” امام الرئيس دونالد ترامب، وهذا كان كافيا لطي كل شيء. في العالم، وكذا في الولايات المتحدة، لم يعودوا يحصون نتنياهو وحكومة إسرائيل، وبالتأكيد ليس حين يكون حيالهم الاتراك، القطريون والسعودية. هم من حسموا في صالح النظام في ايران، الذي برأيه اجتاز بالنصر الحروب حيال الولايات المتحدة وإسرائيل.

في الموساد يفهمون بان غوفمان، الذي كان حتى وقت أخير مضى السكرتير العسكري لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ومن المؤيدين المتحمسين لخطة الموساد – ينفذ في هذه اللحظة خطوة تثبيت السردية. وبذلك فان الموساد يسير في طريق الشرطة، الشاباك والجيش الإسرائيلي – من أجهزة رسمية وأصول تعود لشعب إسرائيل ودولة إسرائيل يتحولون في قسم منهم الى أصول حزبية للزعيم الأعلى وحزبه.

بعد قليل سيكون مر على مذبحة 7 أكتوبر ثلاثة سنوات. ولو كان هذا منوطا بهذه الحكومة، فانه لن تقوم لجنة تحقيق رسمية طالما كان يحكم الزعيم الأعلى. رئيس الأركان ايال زمير لا يعقد لجنة الاوسمة واشارات البطولة، رغم أنه كان في هذه الحرب عدد لا يحصى من قصص البطولة للجنود، الشرطة ومقاتلي الشاباك والموساد، ممن ضحوا بارواحهم امام العدو. ولماذا لا تنعقد اللجنة؟ لان انعقادها بالضرورة هو فتح الجروح التي لا يريد الزعيم الأعلى والحكومة أن تفتح، بالتأكيد ليس عشية الانتخابات.

كلما مر الوقت فان الأمور بطبيعة الحال تنسى. أطر عسكرية تتبدل. فلا يوجد أي قائد كتيبة او لواء بقي في منصبه منذ 7 أكتوبر. لشدة الأسف بعض من القادة أصيب، بعضهم سقطوا في المعارك وآخرون اعتزلوا. في بعض الحالات لن يكون من يوصي بالوسام للمقاتلين. هذه ا يضا وسيلة لتغيير التاريخ واخفاء الإخفاق الأكبر الذي كان لإسرائيل منذ قيامها.

ليس مثلما في قصيدة جفعترون “إذ حقيقي هو وليس رمزيا، وليس علما وليس وساما، الماضي من خلفنا، وهو يستشرف ما سيأتي” – جهاز الامن ودولة إسرائيل يستصعبان استشراف ما سيأتي.

——————————————

إسرائيل اليوم 9/8/2026 

مصدر أمني: مستشارو رئيس الوزراء نقلوا الى قطر معلومات سرية

بقلم: بيني اشكنازي

مصدر أمني تحدث مع “إسرائيل اليوم” يدعي بان مستشاري رئيس الوزراء – يونتان اوريخ، شاروليك آينهورن وايلي فيلدشتاين، نقلوا كما يزعم الى قطر معلومات سرية من مداولات امنية عنيت بمصر.

ويدعي هذا المصدر بان المعلومات التي وصلت الى القطريين، والتي بواسطتها حاولوا “ادانة” مصر في وسائل الاعلام الإسرائيلية جاءت من تلك المداولات السرية. وقد فعلوا هذا كي يتمكن القطريون من أن يسوقوا عبر مستشاري رئيس الوزراء المعلومات المدينة في وسائل الاعلام الإسرائيلية بهدف ان تتمكن قطر من ان تنال موطيء قدم اكبر في المفاوضات لصفقة المخطوفين. ضد قسم من مستشاري رئيس الوزراء رفعت لائحة اتهام في قضية مجلة “بيلد” الألمانية. 

في جهاز الامن قلقوا في حينه من التشهيرات ضد مصر وادعوا بان من شأن هذا ان يعرض اتفاق السلام مع إسرائيل للخطر بل وأن يقلل رغبتها في المساعدة حيال حماس وغزة في موضوع تحرير المخطوفين. وفي نظرة الى الوراء فقط فهموا في جهاز الامن بان كل شيء كان في واقع الامر جزء من حملة نفوذ قطرية.

ويشار الى أنه في ذروة القضية فانه حتى سفير إسرائيل في الولايات المتحدة يحيئيل لايتر ادعى بان مصر تخرق اتفاق السلام. وقد تبين ان هذه معلومات غير صحيحة. والسؤال المطروح هو هل يحتمل ان يكون غذاه بمعلومات مغلوطة عن عمد.

حتى الان كانت فرضية عمل المحققين في قضية قطر غيت أحادية الاتجاه: قطر فعّلت مستشاري رئيس الوزراء اوريخ، اينهورن وفيلدشتاين، وهؤلاء تلقوا منها معلومات “مدينة” عن مصر ووجهوها الى صحافيين إسرائيليين، لكن مصدرا امنيا رفيع المستوى “حطم الصمت” ويعرض لنا الان صورة تقلب ظاهرا الجرة على فمها. الادعاء الدراماتي الذي ينكشف الان هو ان المادة التي استخدمها القطريون كي يسيئوا لسمعة مصر لم تأتي من مصادر علنية في الشبكة او من معلومات كانت على أي حال مقبولة من جانب رئيس الوزراء، مثلما شهد احد المشبوهين في الملف، بل ظاهرا امتشقت مباشرة من مداولات سرية جدا لقدس الاقداس الأمني لدولة إسرائيل. وكان المحور حسب الادعاء معاكسا تماما: المعلومات التي “تدين” مصر لم تأتي من قطر الى مستشاري رئيس الوزراء وبعدهم الى الصحافيين بل خرجت ظاهرا من المنظومة الإسرائيلية الى قطر ومن هنا سوقت الى الصحافيين الإسرائيليين. ونشدد هنا على انه زعم بان المستشارين الثلاثة سربوا معلومات جاءت من المداولات وليس بالضرورة شاركوا فيها بأنفسهم. وحسب المصدر إياه ففي منتصف العام 2024 أجريت عدة مداولات امنية شارك فيها ممثلو الشاباك، الجيش، هيئة الامن القومي ورئيس الوزراء. وعنيت المداولات في مسألة هل ترتكب مصر خروقات في اتفاق السلام مع إسرائيل واساسا في ما يتعلق بإدخال القوات الى سيناء، القرار الذي يحتاج الى إذن من رئيس الوزراء، وزير الدفاع ورئيس الأركان. يدور الحديث عن اطار مداولات أجريت لاجل فحص علاقات مصر – إسرائيل واجراء تقويم للوضع في ظل التخوف من ان يكون تصعيد يمكنه ان ينتقل الى الجانب المصري أيضا تجاه إسرائيل. في مداولات أخرى جرت في تلك الفترة طرحت أيضا أسئلة حول التزام مصر تجاه إسرائيل.

كي نؤكد المعلومات توجهنا الى مصدر امني آخر شارك في تلك المداولات، واكد هذا بانه أجريت بالفعل مداولات في موضوع مصر في تلك الفترة. وحسب المصدر الإضافي، فان موضوع الخروقات المزعومة من جانب مصر طرح في المداولات، ورغب القطريون في استغلال ذلك وابرازه إعلاميا في إسرائيل. وقال المصدر إياه انه اعتقد في الزمن الحقيقي بان موضوع مصر يضخم بشكل مفتعل بحيث انه خرج عن حدود المداولات الأمنية المهنية.

الاشتباه المركزي في قضية قطر غيت هو ان مستشاري رئيس الوزراء عملوا على نقل رسائل الى مراسلي الصحف باسم “مصدر سياسي” فيما ان مصدر الرسائل كان قطر. وكان هدف الرسائل ان تعرض من خلال وسائل الاعلام تقارير عاطفة على قطر في ظل تقليص دور مصر كوسيط نزيه في الصفقة. وفي ظل املاء جدول الاعمال الإعلامي عمليا.

 ——————————————

إسرائيل اليوم 9/8/2026 

حلف مكة ليس تهديدا على إسرائيل فقط

بقلم: د. يوئيل غوزانسكي، خبير في شؤون دول الخليج، وباحث أول في معهد دراسات الأمن القومي (INSS) بجامعة تل أبيب

اتفاق الدفاع بين السعودية، تركيا والباكستان يضع أمام إسرائيل صورة مركبة. ظاهرا، اطار امني يربط بين ثلاث دول مركزية في العالم الإسلامي، وبينها قوة عظمى إقليمية عضو في الناتو ودولة ذات سلاح نووي – من شأنه أن يعتبر كتطور سلبي. لكن الى جانب المخاطر توجد أيضا فضائل محتملة لإسرائيل.

من ناحية إسرائيل، فان تعزيز أمن السعودية ليس سلبيا بالضرورة. فإسرائيل والرياض تتقاسمان مصلحة في استقرار الخليج، في حرية الملاحة، في اضعاف الحوثيين وفي تقييد قدرة ايران على تقويض النظام الإقليمي. لكن السؤال المركزي هو كم هما تركيا والباكستان مستعدتان لان تقاتلا من اجل السعودية. ليس واضحا اذا كانتا ستكونان مستعدتين للدخول الى معركة ذات مغزى مع السعودية ضد الحوثيين او ضد ايران.

تتقاسم الباكستان حدودا مع ايران وتقيم معها منظومة علاقات مركبة، ولا ترى فيها عدوا فقط. تركيا هي الأخرى تتنافس مع ايران في ساحات معينة وتتعاون معها في أخرى.

 شكوك متبادلة

بين السعودية وتركيا أيضا بقيت شكوك. العلاقات بينهما تحسنت، لكنه لم تمحى سنوات من المنافسة على النفوذ في العالم السُني. من ناحية الرياض فان تعزز قوة تركيا عظمى جدا في الخليج ليس مرغوبا فيه؛ من ناحية أنقرة، فان قبول قيادة سعودية للعالم السُني ليس مسلما به.

كما أن البعد النووي الباكستاني يستوجب الحذر. فمشاركة دولة ذات سلاح نووي تمنح الاطار وزنا ردعيا، لكنها لا تعني ان السعودية او تركيا حصلتا على مظلة نووية. هذه مسألة تستوجب المتابعة لكن ليس هناك ما يدعو الى منطق الحلف قدرات لم تثبت بعد لانها تملكها.

فضل محتمل إضافي من ناحية إسرائيل يكمن في خطوط الانكسار التي يكشفها الحلف. فغياب اتحاد الامارات، الشريك القريب لإسرائيل – هو امر ذو أهمية على خلفية المنافسة المتزايدة بينها وبين السعودية. اذا ما اعتبر الحلف في أبو ظبي كاطار يمنح تركيا والباكستان نفوذا متزايدا فانه كفيل بان يزيد شكوك الامارات. وبدلا من “ناتو إسلامي” موحد من شأنها ان تتطور منظومة محاور منافسة في داخل العالم العربي والإسلامي.

بالنسبة لإسرائيل توجد لذلك فرصة. وضع لا تثبت فيه أي قوة عظمى إقليمية هيمنة تمنحها مجالا للمناورة. بالمقابل لا ينبغي التقليل من شدة المخاطر. فالحلف كفيل بان يصبح قوة إقليمية ذات مغزى.

على إسرائيل ان تتعاطى مع الاتفاق بجدية، لكن ليس بفزع. السؤال الحقيقي هو ماذا سيكون كما أسلفنا في وقت الازمة. طالما كان الجواب ليس واضحا، فان الحلف هو إمكانية كامنة اكثر مما هو حقيقة استراتيجية ناجزة.

——————————————

هآرتس 9/8/2026،

مقاتلون يشهدون: المستوطنون يديرون الواقع العسكري في الضفة الغربية

بقلم: ينيف كوفوفيش 

عندما كان ج.، وهو ضابط في الاحتياط ومدير شركة ناشئة، في مهمته الثانية في الضفة الغربية اثناء الحرب، واجه ظاهرة تتكرر: مجموعة من الفتيان الذين استضافتهم مزرعة قرب منطقة يتواجد فيها الجيش، كانوا يقتحمون بيوت العائلات الفلسطينية في القرى المجاورة بشكل متكرر. يقول ج. الذي كان قائد كتيبة في جنوب جبل الخليل في العام 2024، وهو الان يشغل نائب قائد كتيبة في نفس المنطقة: “كانوا يدخلون ويجلسون في الصالون ويحدثون فوضى كبيرة”. وبحسب قوله فقد تلقى اتصال من عائلة فلسطينية وابلغت عن هجوم من قبل مستوطنين. فتوجه مع الجنود الى المكان. وعندما طلب من الفتيان الاخلاء حرضوا كلبهم عليه، الذي حاول عضه.

هذه كانت البداية. حسب رواية ج. هدده شخص كان بمرافقة الفتيان، وقال انه عضو في وحدة الدفاع القطرية ويملك مزرعة قريبة، هدده بأنه اذا قدم شكوى لقادته فسيقول الفتيان بانه تحرش بهم جنسيا. واضاف ج. بان الحادثة سجلت بالكامل بكاميرا كانت على جسده، وأنه ابلغ عن ذلك بالفعل، لكنه لم يحصل على أي دعم من القيادة العليا، بل بالعكس. وقد قال ج: “في اليوم التالي اتصل قائد اللواء بهذا المستوطن وحاول ارضاءه، لكنه رفض التحدث معي. بعد ذلك قام قائد السرية وقائد الكتيبة التي اخدم فيها، بتنظيم “صلحة”، بزعم ان العضو في وحدة الدفاع القطرية “كان يقوم بعمل نبيل”.

حدثت الحادثة قبل اربعة ايام على انتهاء خدمته في الاحتياط. فكر ج. بعائلته وبالسرية التي كان قائدها، وقرر عدم تقديم شكوى. “ربما أنا كنا على خطأ”، اعترف. ولكن كان هناك دعم ضمني من قائد اللواء وكانت الرسالة واضحة، يمكن للضابط تحمل التهديد ومحاولة الاعتداء والاهانة طالما انه لا يريد الدخول الى شجار مع المزرعة. بسبب ذلك فان موقف معظم الناس هو ببساطة: “دعوني انتهي من هذا واعود الى حياتي”.

الحادثة التي يصفها ج. هي مألوفة. شهادات اخرى من قادة وجنود آخرين، نظاميين وفي الاحتياط، خدموا في الضفة الغربية منذ 7 اكتوبر، تصف واقع تطمس فيه الحدود بين الجيش وبين وحدات الدفاع القطرية، وهم مستوطنون في المنطقة تم تجنيدهم في الاحتياط. في محادثة مع “هآرتس” يقول هؤلاء المقاتلون، اثنان قدما شهادتهم لـ “نحطم الصمت”، ان اعضاء وحدات الدفاع القطرية يسمحون لانفسهم بالعمل كقوة مستقلة، احيانا مع مدنيين آخرين، وأن الكتائب الاقليمية التي من المفروض ان تقودهم تجد صعوبة، أو لا تتجرأ، في وضع حد لهم. يكتشف الجنود الذين يحاولون فرض الاوامر احيانا بأنهم اصبحوا هدفا. في حين تفضل القيادة العليا ارضاء المستوطنين.

الى جانب الاحباط والشعور بالعجز، تكشف الشهادات عن ازمة ثقة تدفع المقاتلين الى التشكيك في عدالة المهمة. يقول د.، قائد في الاحتياط: “نحن لسنا بصدد احباط الارهاب، هذا عار. خلال عملنا على طول الخط ربما لم يتم اعتقال الا شخصين فقط وصفا بانهما ارهابيين من حماس في منطقة الخليل. أما العمليات الاخرى فكانت حول مواجهة اليهود الذين يبحثون عن الاستفزاز. نحن نقوم بالرقابة، نجلس على الجدار في غزة ونشكل خطوط في الضفة الغربية. نركض طوال اليوم في ملاحقة المستوطنين من حادث الى آخر، وهم لا يعطونا أي اهتمام. هم يعتبروننا خادمين، وكأنهم يتفضلون علينا بالسماح لنا بحمايتهم”.

التجول بحرية في غرفة العمليات

بعد 7 اكتوبر جند الجيش حوالي 5500 مستوطن في الضفة الغربية في اطار كتائب الدفاع القطرية من اجل الخدمة كقوة احتياط في المستوطنات القريبة من القرى الفلسطينية. وبسرعة تراكمت الادلة على تورط عناصر هذه الكتائب في اعمال العنف والتهديد وتخريب الممتلكات الفلسطينية. في كانون الثاني 2024 قال مصدر امني لـ “هآرتس” بانه تقرر حصر نشاطاتهم في المستوطنات فقط، واشتراط موافقة قائد اللواء على الاقل رسميا على نشاطاتهم، لكن الواقع كان وما زال مختلفا.

على سبيل المثال، في شهر آذار الماضي، قتل ثلاثة فلسطينيين بالنار في حادثتين تورط فيهما مستوطنون من كتيبة الدفاع القطرية. وفي شهر نيسان الماضي اطلق جندي من هذه الكتائب النار على فلسطيني وقتله في قرية دير جرير في رام الله. وفي شهر أيار الماضي اطلق جندي من هذه القوات، كان ثمل حسب شهادات المقاتلين، النار بشكل عشوائي على بيوت الفلسطينيين في مخيم العروب للاجئين. وحسب اوامر الجيش الاسرائيلي فان وحدات الدفاع القطرية، وتخضع للكتيبة واللواء الموجود في المنطقة، وتقوم بالاعمال في نفس المنطقة. ولكن حسب شهادات المقاتلين يتبين مرة تلو الاخرى بان اعضاء وحدات الدفاع القطرية لا يقبلون سلطة القيادة العسكرية. يقول ن.، وهو جندي احتياط خدم مئات الايام منذ بداية الحرب، كيف لاحظت قوته اثناء الخدمة في جنوب جبل الخليل خيمة اقيمت على مدخل سوسيا الفلسطينية. في البداية وصل شباب مع قطيع، بعد ذلك جاءت شاحنات ومعدات وأغنام. وقد قال: “لم يكن لدينا أي شك حول نهاية هذا الامر. كان الهدف هو اثارة التوتر مع الفلسطينيين”. وحسب قوله فقد ابلغ قائد السرية قائد الكتيبة عن الحادث، بل وحذر من ان القوات لا تملك وسيلة لحماية الخيمة، وأنه مطلوب منها منع المواجهة. عندما طلب القائد اخلاء الخيمة واظهر الخوف من ان الاحتكاك سينتهي بقتل فلسطيني أو مستوطن، رفضوا في اللواء في البداية وفضلوا انتظار قدوم حرس الحدود. فقط بعد ان هاجم الشباب فلسطيني بالحجارة واصابوه اصابة بالغة في رأسه، تم الحصول على الاذن.

لقد وصلت قوة ن. الى منطقة الخيمة وبدأت باخلائها. وعندها ظهرت سيارة عسكرية فيها اعضاء من فرقة الدفاع القطرية. “كان جندي على المدخل حاول منعهم، لكنهم تجاهلوه واستمروا في السفر. الشاحنة داست على ساقه، حرفيا. نزلوا من الشاحنة وبدأوا في مهاجمتنا. وكانوا يسألون: ماذا تفعلون؟ لماذا تقومون باخلاء الخيمة؟ وبدأوا في تهديدنا. هذا يظهر مستوى تشويه الواقع. اشخاص يرتدون الزي العسكري ويحملون السلاح في سيارة عسكرية صغيرة يحاولون منع الجيش من تنفيذ مهمة قررها القادة”.

وقد قال ن: “في حينه انتشر فيديو في الشبكات الاجتماعية، وقد ظهر فيه مستوطن وهو يصل الى قرية فلسطينية ويقوم بضرب أحد سكانها، بمرافقة جنديين مسلحين. وقد قال ن: نحن كنا نعرف ان هذا حدث في قطاعنا، لكن الجنديين لم يكونا من الكتيبة ولم نكن نعرفهما. عرفنا انهم من وحدة الدفاع القطرية. كما ترون الرجل هنا يعتدي على فلسطيني. هناك فلسطينيون يقفون ولكنهم يعجزون عن فعل أي شيء بسبب الجنود المسلحين بجانبه”. وحسب ن. لم يبدأ اللواء في التحقيق في الحادث الا بعد توجه المقاتلين لقائد السرية والضغط عليه. وقد قال اللواء لهم ان بعض صلاحيات قائد اللواء قد تم تقييدها، وان المستوطن الذي قام بالضرب تم اعتقاله من قبل الشرطة وبعد ذلك بساعات تم اطلاق سراحه”.

حسب ن. فانه في يوم اخلاء الخيمة تبين ان المستوطن كان من الذين وصلوا في السيارة العسكرية وهددوا الجنود. وقد قال ن: “في المساء اتصل قائد اللواء مع هذا المستوطن، الذي تبين انه صاحب مزرعة قرب سوسيا وشخص معروف في المنطقة، وقام بمصالحته. وبالمناسبة هو لم يتحدث معنا”. وحسب الشهادات، اقامت قوات الدفاع القطرية والمستوطنون نقاط تفتيش في بعض الحالات بدون اذن أو تنسيق مع الكتيبة التابعين لها. وقد قال ل. وهو جندي خدم في الضفة الغربية: “يخرجون الفلسطينيين من سياراتهم ويوقفونهم على الشارع حتى تحت اشعة الشمس، ويقومون بتكبيلهم ويفككون السيارات وكأنهم يجرون تفتيش، ولكنهم في الحقيقة يخرجون كل شيء. أما اليهود فيمرون بحرية في نقاط التفتيش هذه”. وقال قائد خدم في شمال السامرة مؤخرا: “يعمل اعضاء قوة الدفاع القطرية بالزي العسكري وهم يحملون السلاح. من وجهة نظر الفلسطينيين هم جنود في الجيش الاسرائيلي عمليا. حتى لو تصرفوا بدون تفويض أو بشكل مخالف للاوامر والقانون”.

وتشير الشهادات الى ان اعضاء الدفاع المناطقية يصلون الى اماكن النزاع قبل الجيش الاسرائيلي دائما. ح.، وهو جندي خدم في منطقة غوش عصيون، قال: “في كل مرة كنا نصل فيها كانوا يكونون هناك بالفعل. لم يقوموا بابلاغنا مسبقا في اللاسلكي. كنا نصل ونجدهم هناك بالفعل، ليس كعامل تهدئة، بل كجزء من الذين يثيرون الفوضى”. ويشير ح. وجنود آخرون الى ازدواجية اشكالية. فمن جهة يعتبر اعضاء هذه القوة جنود، وبالتالي، هم لديهم صلاحيات ووسائل عسكرية. ومن جهة اخرى، بصفتهم من سكان المستوطنات فانهم على صلة بمن يشاركون في بعض المواجهات العنيفة. وعلى الاغلب يعملون على حمايتهم، حتى عندما يكونون مصدر الاحتكاك والعنف ضد الفلسطينيين.

حسب ح. فان اعضاء هذه القوة يتحركون يحرية في ارجاء القواعد والمواقع الامامية ويدخلون الى المقرات العسكرية ويطلعون على التقارير والمعلومات الحساسة. ويرى المقاتلون ان هذه الطريقة تمكنهم من معرفة اماكن تحركات الجيش الاسرائيلي المتوقعة والقوات التي توجد في كل قطاع وهوية الفلسطينيين الذين اشتكوا من اعمال العنف. ويكمن قلق المقاتلين في تسريب المعلومات العسكرية للمدنيين.

يصف القائد م.، الذي انهى الخدمة العسكرية في شمال السامرة، عمليات نهب وقعت امام انظار جنوده في نقطة تفتيش في جبل عيبال، حيث كانت سيارات فلسطينية مصادرة متوقفة. ويقول ان مستوطنين وصلوا وبدأوا في تفكيك اجزاء من السيارات. وعندما سألهم احد الجنود عن هذا التصرف قالوا: “ما الذي تقصده؟ سنأخذها، هي لنا”. واضافوا بانهم حصلوا على اذن من الحاخام بأنها “غنائم حرب”، وهددوه بقولهم: “اهرب قبل ان تحدث مشاكل”.

شاهد م. حادثة، وحسب قوله اطلق فيها حاخام من مستوطنة النار على راعي لم يكن يشكل أي تهديد. كان الراعي بعيد ولم يكن هناك أي خطر. مع ذلك، وقف الحاخام واطلق النار عليه من داخل المستوطنة عبر السياج. ماذا فعلوا؟ قال: “قاموا بمصادرة سلاحه مثلما يصادرون هاتف ولد في المدرسة. وبعد اسبوعين ارجعوه له. هذا لم يكن مجرد عقاب صغير، بل اظهر انه حتى اطلاق النار غير المبرر لا يعتبر مبرر للقيادة من اجل التحقق من اهلية مطلق النار لحمل السلاح العسكري”. وحسب الشهادات يشارك اعضاء في وحدة الدفاع القطرية في عمليات الاعتقال، ليس دائما بالتنسيق. ويقول ر. القائد الذي خدم في غوش عصيون: “ياتون معنا احيانا بملابس مدنية، وكانهم قوة لا تنفصل عن الكتيبة. في احيان كثيرة ينضم مدنيون من المستوطنات ايضا بدون تنسيق أو تعريف. ويدخلون بيوت الفلسطينيين بدون ان يخبرهم أي احد بشيء. بعضهم ليسوا مقاتلين اصلا، ولا يعرفون عن التدريب العملياتي. وفي اكثر من مرة كاد الامر ينتهي باطلاق نار متبادل”. ويقولون لك بصراحة انهم هم اصحاب البيت، وهذا هو الشعور السائد على الارض.

أحد المقاتلين في الضفة الغربية

لا ينعكس الشعور الملكية فقط على النشاطات العملياتية. ت. يقول، وهو جندي انهى الخدمة في نابلس مؤخرا، كيف انه ذات يوم، في اعقاب انفجار انبوب في الموقع، قطع تدفق المياه لوقف الفيضان. “بعد ساعة وصل مستوطن وسال: من الذي قام بقطع المياه؟ في البداية اعتقدت ان هذا احد الجنود. قلت له: اسمع، حدث هنا انفجار. فقال لي: انت قمت بقطع المياه عني وعن عائلتي. واشار الى انه يعيش هناك فوق التلة، وان المياه تصل عبر هذا الانبوب. انا قلت: ماذا تقصد؟ هل تحصل على المياه من الموقع العسكري؟. فاجاب: نعم، هذا هو الترتيب هنا. بعد ذلك غضب”. حسب ت. فان ربط البنى التحتية المدنية الخاصة بالجيش بدون رقابة أو دفع منتظم لم يؤد الى اتخاذ أي اجراء ضد المستوطن. وحسب تقديره فان سرقة المياه ما زالت قائمة.

احيانا يتم بناء العلاقة بين الجيش واعضاء وحدة الدفاع القطرية على اساس التقارب الشخصي. يدعو المستوطنون الجنود والقادة لتناول الطعام ويبنون شعور بالشراكة. ولكن حسب المقاتلين يتضح دائما ان هذه الشراكة مزيفة، وهي تخفي صراع دائم من اجل السيطرة على المنطقة، وتحد مستمر للسلطة العسكرية. في نفس الوقت، التقارب الذي يظهره المستوطنون يجعل من الصعب وضع حد لهم. وربما بسبب ذلك هم يشعرون أنهم اصحاب البيت حتى في المواقع العسكرية.

——————————————

هآرتس 9/8/2026 

حان الوقت لقادة المعارضة لاظهار انهم جديرون بالقيادة والتحدث عن الاحتلال

بقلم: اوري بار يوسف

خلال الحملة الانتخابية توجد قضية شائكة يتجاهلها كل من يريد الحفاظ على نفسه، وهي قضية الاحتلال. هذه القضية لا تثير اهتمام غالبية الاسرائيليين. صحيح أن الجميع يهتمون بالامن، ولكن ليس بالاحتلال. في افضل الحالات تبدو المفاوضات مستحيلة لعدم وجود طرف للتفاوض معه، أما في اسوأ الحالات، السيناريو الواقعي لمعظم الاسرائيليين، فانه ينظر الى انهاء الاحتلال بانه تنازل عن امن اسرائيل، لذلك فانه محظور التحدث عنه.

لو أننا كنا بحاجة الى دليل على التناقض بين مفهوم الامن وبين مسألة الاحتلال، لكنا وجدناه قبل اسبوعين في مؤتمر الامن القومي الذي نظمته “واي نت” و”يديعوت احرونوت”، بالتعاون مع معهد بحوث الامن القومي. المؤتمر كان حول رد رؤساء الاحزاب على سؤال رئيسي: ما هو الحل للوضع الذي تعيش فيه دولة اسرائيل في قلب مجتمع مسلم، بعضه يرفض وجودها في المنطقة بشكل قاطع؟.

السؤال لم يتطرق بالتحديد الى الاحتلال، ولكن لا يجب ان يكون المرء خبير استراتيجي كي يعرف الصلة. الدول العربية تربط التطبيع مع اسرائيل بانهاء الاحتلال، واستمراره يصعب جدا على تشكيل تحالف معتدل يواجه التهديد الايراني، وجزء كبير من قوة الجيش الاسرائيلي يتم استثمارها بشكل دائم في حماية المستوطنين في الضفة الغربية على حساب احتياجات اخرى، والنفور المتزايد عالميا من الاحتلال يحول اسرائيل الى دولة منبوذة ومعزولة. وواضح انه اذا استمر الاحتلال فانه لن تتمكن حتى حكومة اكثر اعتدالا من انقاذ اسرائيل من فقدان الدعم الاستراتيجي الامريكي لها.

على خلفية كل ذلك يجب تلخيص حلول الذين يطمحون الى قيادة البلاد بعد الانتخابات مثلما جاءت في الاجابات في المؤتمر.

يرى غادي ايزنكوت ان الحل يكمن في بناء القوة والنفوذ، وسياسة امنية تقوم على الردع، والسعي الى تحقيق نصر حاسم من اجل تجنب الحرب القادمة. كل ذلك يحتاج الى تكافل اجتماعي وتجنيد الحريديين. ويعتقد نفتالي بينيت ان حل المشاكل الامنية يكمن في اتفاق تطبيع مع السعودية، يمكن تحقيقه بدون اقامة دولة فلسطينية وتحقيق أي تقدم نحوها، على اساس المصالح الاقتصادية المشتركة.

ويرى بني غانتس ان الامن يقوم على ركيزة امنية قوية وركيزة القيم الديمقراطية والليبرالية، الامر الذي يسمح بـ “السيطرة على الوضع بشكل سليم”. أما افيغدور ليبرمان فلديه “حل سهل نسبيا”، وهو “بناء تحالفات حتى لا يتم عزلنا، لذلك فان الحل هو حكومة صهيونية تتصرف حسب ما تقتضيه الدولة”.

رغم ان يئير غولان لم يذكر كلمة “احتلال”، الا انه اوضح بان الطريق الى الامن يكمن في الانفصال عن الفلسطينيين، من اجل ضمان قيام دولة يهودية وديمقراطية، واطلاق عملية سياسية تمكن من التوصل الى ترتيبات اقليمية تعزز امن الدولة.

ويرى منصور عباس ان الحوار هو عملية تفضي الى اعتراف الشعبين، اليهودي والفلسطيني، المتبادل. واشار الى ان المواطنين العرب في اسرائيل يمكن ان يكون لهم دور مهم في تقريب المواقف. وكان يوسف جبارين، رئيس القائمة المشتركة، هو الوحيد الذي اشار بصراحة الى مبادرة السلام العربية لجامعة الدول العربية، التي تدعو الى انهاء الاحتلال واقامة الدولة الفلسطينية الى جانب اسرائيل في اطار اتفاق شامل، باعتبارها عملية ستنهي الصراع.

من جهة اخرى، كان هناك اليمينيون، مثل ايتمار بن غفير الذي اوضح بان الحل يكمن في “تشجيع الفلسطينيين على الهجرة من قطاع غزة ومن الضفة الغربية”. وبتسلئيل سموتريتش، الذي رأى مفتاح الامن في منطق “الجدار الحديدي” لجابوتنسكي، وفي ضرورة ان تكون اسرائيل قوية، وعندها الجميع سيرغبون في التحالف معها. واسحق غولدكنوفف، الذي رأى ان ضم كل الاراضي هو الذي سيحقق الامن.

واذا تجاهلنا حلول اليمين الوهمية فان القاسم المشترك بين معظم رؤساء المعارضة هو الهرب من الواقع. الحقيقة هي ان العالم لا يهتم بوحدة اسرائيل أو مسألة تجنيد الحريديين. ان محور الاهتمام الدولي هو مطالبة اسرائيل بانهاء الاحتلال والدفع قدما بتسوية تقوم على حل الدولتين. اذا كان هناك حتى 7 اكتوبر في العالم من يتقبل ادارة النزاع كحل ممكن، فان الصدمة الاخلاقية التي احدثتها المذبحة وتدمير قطاع غزة واعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية والضرر الذي لحق بالاقتصاد العالمي وعدم الامن الناتج عن تقويض النظام الاقليمي، كل ذلك اوضح للجميع بان المطلوب الان هو عملية جراحية وليس مجرد وضع لصقة جروح.

تتبلور امام انظارنا بوادر حل، وليس بالضرورة نذير شؤم. يسعى مجلس السلام في غزة الى تنفيذ خطة للتسوية. احد عناصرها هو انسحاب الجيش الاسرائيلي وضمان أمن اسرائيل. في تموز 2025 طرحت فرنسا والسعودية نسخة محدثة لمبادرة الجامعة العربية لانهاء الصراع. وبالمثل، تتبلور في الحزب الديمقراطي الامريكي خطة تعرف باسم “حل الدول الـ 23، التي تستند ايضا الى مبادرة الجامعة العربية لانهاء الصراع. هذه حلول معقولة تهدف الى ضمان وجود اسرائيل الامن كدولة يهودية وديمقراطية وانهاء الاحتلال.

ان تجاهل قادة المعارضة الكامل للاجماع الدولي حول حل النزاع يشير الى سياسة التغاضي عن الواقع. ويحذر رام عمانوئيل، احد البارزين الداعمين لاسرائيل ومرشح رئاسي محتمل في انتخابات 2028، في مقابلات صحفية من ان اسرائيل والولايات المتحدة تقفان على مفترق طرق بين التوجه الى تسوية شاملة وبين استمرار الصراع وفقدان التحالف الاستراتيجي، وعندما تصور نانسي بلوسي، ابرز الداعمين في الكونغرس لصالح انهاء المساعدة العسكرية، يتصاعد التوتر بشكل عام.

مع ذلك فان من يطمحون الى قيادة دولة اسرائيل في السنوات القادمة يتهربون من الاجابة عن كيفية اختيارهم بين الخيارين. لقد حان الوقت لاظهار قيادة حقيقية وتقديم اجابة واضحة حول مواقفهم عندما يقفون على مفترق الطرق الذي يتحدث عنه رام عمانوئيل.

——————————————

 

القناة 12 العبرية 9/8/2026

عندما ينظر نتنياهو إلى آيزنكوت، يتذكر انتخابات 2006؛ ويحاول تغيير تكتيكاته

بقلم: دافنا لييال

إذا كانت هناك حملة انتخابية واحدة يُفضّل بنيامين نتنياهو محوها من ذاكرته السياسية، فهي على الأرجح حملة انتخابات 2006. نتذكر جميعًا الخلفية جيدًا: الانسحاب، والانقسام في الليكود، وتأسيس حزب كاديما على يد أرييل شارون. بعد إصابة شارون بجلطة دماغية، قاد أولمرت الحزب إلى الانتخابات. وكانت النتيجة زلزالًا سياسيًا: فاز كاديما بـ 29 مقعدًا، وتراجع الليكود من 38 إلى 12 مقعدًا فقط.

لكن المفاجأة الكبرى كانت عمير بيرتس. فاز رئيس حزب العمل بـ 19 مقعدًا، مما جعل حزبه ثاني أكبر الأحزاب. أشارت دراسات أُجريت بعد الانتخابات إلى أن جزءًا كبيرًا من قوة حزب العمل الجديدة جاء من ناخبي الليكود. وأظهر تحليلٌ للأصوات نُشر بعد سنوات في صحيفة غلوبس أن حزب العمل هزم الليكود في 17 مدينة من أصل 25 مدينة تنموية، وهو تغييرٌ غير مألوف في المشهد السياسي لتلك السنوات.

وكانت التقديرات آنذاك تشير إلى أن حوالي سبعة مقاعد انتقلت من الليكود إلى حزب العمل. ومما زاد الطين بلة بالنسبة لنتنياهو هو بقاء ستة مقاعد أخرى لليكود في البرلمان يوم الانتخابات. ثم تمكن بيرتس من إضعاف الليكود بشكل ملحوظ في مدينته سديروت (حيث فاز حزب العمل)، وفي ديمونا، حيث انخفضت نسبة تأييد الليكود من 44 في المئة إلى 10 في المئة، بينما ضاعف حزب العمل قوته تقريبًا، وفي كريات شمونة، حيث فقد الليكود صدارته.

لقد نجح بيرتس في كسر الانقسام التقليدي بين “اليمين” و”اليسار”، بين “نحن” و”هم”، وفي الوصول إلى الجماهير التي تُعرّف نفسها بأنها متحالفة مع الليكود، ليصبح بذلك تهديدًا حقيقيًا.

لهذا السبب تحديدًا يُثير غادي آيزنكوت قلق حزب الليكود اليوم. لقد تغير الكثير منذ عام 2006: فالمجتمع الإسرائيلي أكثر استقطابًا، ويتجه الرأي العام نحو اليمين، والساحة السياسية مختلفة تمامًا. لكن خلفية آيزنكوت تُخالف النمط التقليدي – فهو ابن عائلة مغربية نشأ في إيلات، ومقاتل في لواء جولان أصبح رئيسًا للأركان، وأبٌ ثكل ابنه وابني أخيه خلال الحرب. حتى كمرشح في الانتخابات، أثبت أنه هادئ ومتزن، ويتعامل مع المحافظين بتعاطف واحترام.

أصبحت خلفيته نقطة ضعف كبيرة لنتنياهو، لدرجة أن أضمن طريقة لإخراجه من مأزقه هذه الأيام هي القول إن آيزنكوت “واحد منا”. عندما غضب الحاخام اسحق يوسف من نتنياهو وأوضح أن آيزنكوت قد “يتوب”، قال دودي أمسلم هذا الأسبوع إنه سيكون سعيدا أن براه في الليكود – لا توجد شهادة كوشير (حلال)  أفضل من ذلك.

لقد أدرك حزب الليكود مؤخرًا أن الهجمات الشخصية ضد آيزنكوت لا تحقق التأثير المرجو. فهي لا تُضعف الكتلة، بل تُعزز مكانة آيزنكوت على حساب نفتالي بينيت. لذا، سيتحول التركيز تدريجيًا إلى يئير غولان. ورغم أنه نزل للقتال في السابع من أكتوبر وشغل منصب نائب رئيس الأركان، إلا أن الليكود يرى أن تشويه صورته سيكون أسهل بكثير، ومن خلاله يُمكن أيضًا تقويض مكانة غادي آيزنكوت.

هذا وفاجأ إعلان جلعاد اردان ترشحه هذا الأسبوع الكثيرين. فكثير من سياسيي أحزاب الوسط لا يملكون خيارًا آخر، إما الترشح أو الرحيل. أما اردان، فوضعه مختلف. فهو يتمتع بنفوذ قوي داخل الليكود، وكان بإمكانه الانتظار حتى اليوم التالي لنتنياهو.

فلماذا الآن؟

وبحسب التقييم السائد في الساحة السياسية، لا يطمح اردان فقط إلى تلك المقاعد الأربعة أو الخمسة التي تتنافس عليها الكتل. حلمه أكبر بكثير: أن يكون صوتًا لناخبي الليكود الذين سئموا من نتنياهو، لكنهم لا يرغبون في التصويت لأحزاب الوسط.

وفي هذا السياق، تُعدّ انتخابات عام 2006 تذكيرًا مهمًا آخر. ففي ذلك الوقت، ولأول مرة، تحوّل جزء كبير من ناخبي الليكود إلى حزب جديد – كاديما. يأمل اردان أن يتمكن اليوم من تحقيق البديل نفسه، لكنه لن ينتقل إلى الوسط، بل يخطط للبقاء على اليمين. ويأمل أن يتمكن هذا الحزب من اختراق حاجز تسعة أو عشرة مقاعد، وأن يصبح صاحب الكلمة العليا، وربما حتى الوصول إلى منصب رئيس الوزراء إذا ما تعقّدت خريطة الكتلة.

وبالطبع، لا تدعم استطلاعات الرأي هذا السيناريو في الوقت الراهن، لكن الليكود يخشى سيناريو وسيطًا – فهم يرون في اردان وكيلًا لأفيغدور ليبرمان. بحسب تقييمهم، سيحصل اردان على أصوات أقل بكثير، لكن حتى لو فاز بأربعة مقاعد، فسيكون قادرًا على استخدامها للترويج لليبرمان وبناء قوة يمينية جديدة وكبيرة، وقاعدة جديدة لناخبي الليكود. ولهذا السبب أيضًا تشنّ القناة 14 هجومًا مستمرًا عليه، بدلًا من الفهم بان هذه قد تكون فرصة استكمال مقاعد نتنياهو الـ 61.

لقد حذّر كثيرون اردان من احتمالية فشله. لكنه يبدو مصممًا على المضي قدمًا حتى النهاية، على أمل أن يستسلم المنافسون. على أي حال، يُعدّ دخول اردان إلى الساحة السياسية وتعزيز موقف آيزنكوت مؤشرًا هامًا. أما فيما يتعلق بالتحدي الهائل الذي يواجه الليكود بعد مجزرة 7 أكتوبر في انتخابات 2026، وكما ذُكر سابقًا، فقد حدثت أمور مماثلة من قبل.

——————————————

هآرتس 9/8/2026

الكلمات التي مكنت من ارتكاب الجرائم: من ارمينيا ومرورا بالمانيا وفيتنام ورواندا وانتهاء بقطاع غزة

بقلم: دانييل بلاتمان

في العام 1947، بعد سنتين على انهيار النظام الذي هدد حياته، نشر عالم اللغة الالماني – اليهودي فيكتور كليمبرر كتاب صغير بعنوان “لغة الرايخ الثالث”. لم يكتب كليمبرر الذي نجا من المحرقة بفضل زواجه من امرأة غير يهودية، عن معسكرات الابادة أو فرق الموت التابعة لقوات الامن الخاصة النازية (اس.اس)، بل كتب عن الكلمات. فقد جادل بان النازية لم تتغلعل فقط من خلال الخطابات والملصقات في الشوارع، بل بشكل رئيسي من خلال تعابير استوعبها الناس بدون وعي، مثل جرعات صغيرة من السم التي تتسرب الى مجرى الدم. كلمات وعبارات وانماط نحوية فرضت على الجماهير ملايين المرات، فتبنتها البشرية بشكل آلي وبدون وعي. لقد كتب بان السم لا يؤثر على الفور، بل هو يتراكم.

هذه المصطلحات مالوفة للجميع تقريبا اليوم، لذلك يجب تذكرها. هاكم بعض الامثلة: “المعاملة الخاصة”، وتعني القتل. “اعادة التوطين”، وتعني الارسال الى غرف الغاز. “الاعتقال الوقائي”، وتعني السجن في معسكر اعتقال بدون محاكمة. “القتل الرحيم”، وتعني قتل المعاقين في برنامج القتل الرحيم. وحتى اشهر عبارة على الاطلاق، “الحل النهائي للمسألة اليهودية”، تمت صياغتها باسلوب بيروقراطي واضح: هناك مشكلة، وهناك حل، ولا وجود للجثث.

لقد اطلقت حنة ارنديت على هذه الالية “تنظيم اللغة”. في تقاريرها عن محاكمة آيخمان اوضحت بان هذه المصطلحات المشفرة لم تكن تهدف فقط الى اخفاء الجرائم عن العالم، بل كانت تهدف بالدرجة الاولى الى تمكين الجناة انفسهم من مواصلة افعالهم بدون الحاجة الى الكذب. فقد وفرت للقتلة كلمات ومصطلحات واحكام يمكنهم التعايش معها.

هذه الظاهرة ليست حكر على المانيا، وبالتاكيد هي لم تنته مع سقوط الرايخ الثالث. فحتى قبل الابادة الجماعية النازية عرفت تركيا الابادة الجماعية للارمن في الحرب العالمية الاولى بانها “نقل” أو “تهجير”، وهو مصطلح كان يعتبر ايضا مصطلح اداري.

في الارجنتين تحت حكم الزمرة العسكرية الديكتاتورية، كانت رحلات الطيران التي يرمى فيها السجناء وهم احياء في المحيط تسمى “نقل”، وكان يطلق على القتلى لقب “المختفين”، وهو لقب ساخر وقاسي، وكأنهم تبخروا من تلقاء انفسهم. وفي رواندا اطلق قتلة الهوتو على القتل اسم “عمل”، وعلى ضحايا التوتسي اسم “صراصير”.

وقد استخدمت مصطلحات مشابهة في الولايات المتحدة، كل منها لها سياقها التاريخي الخاص. فمصطلح “الاضرار الجانبية” صاغه الجيش الامريكي في حرب فيتنام، عندما كان من الضروري تقييم عمليات قتل المدنيين بدون ذكر اسمائهم. أما مصطلح “اساليب التحقيق المعززة” فقد ظهر في الوثائق القانونية لادارة جورج دبليو بوش بعد هجمات 11 ايلول، من اجل السماح باستخدام التعذيب بدون ذكر كلمة “تعذيب” صراحة، وبالتالي استبعاد تعريفه كجريمة.

وفي مقاله المشهور “السياسة واللغة الانجليزية” (1946)، جادل جورج اورويل بان اللغة السياسية مصممة لجعل الاكاذيب تظهر وكأنها حقائق، والقتل يظهر وكأنه عمل مشرف. وقد بين باحثون بعد ذلك كيف يلعب تركيب اللغة دور ايديولوجي. فاستخدام الفعل المبني للمجهول يخفي منفذي الجريمة، ولا يبقي الا على الضحايا (“قتل فلسطينيون”). الافعال التي لا يوجد لها فاعل (التي تسمى الافعال غير السببية، تحول الحدث الى عملية حدثت من تلقاء نفسها، مثل حدث مناخ (“نشبت صراعات”، “حدث تصعيد”). ينشيء التمييز بين “نحن” و”هم” تقسيم ثنائي سطحي، “خير” و”شر”. توصف افعالنا بلغة النوايا والظروف (“فشل استخباري” و”اصيب بالخطأ”). في حين توصف افعالهم بلغة الصفات (“متعطشون للدماء”، و”يحملون كراهية شديدة”).

لقد ميز ستانلي كوهين في كتابه “حالات الانكار” (2001) بين الانكار اللفظي (“لم يحدث”) وبين الانكار التاويلي الذي لا ينكر الواقع، بل ينكر معناه. صحيح، مات اشخاص، لكن هذه ليست مذبحة أو جريمة قتل، بل هي حدث. هذا ليس احتلال، بل هو وضع. هذه ليست عملية ترحيل، بل عملية اخلاء. ولا يوجد مثال اوضح على ذلك من العبارة الصادمة “التشجيع على الهجرة الطوعية”. فالدولة التي دمرت معظم البيوت في قطاع غزة، وقطعت عنه الغذاء والماء والكهرباء والادوية، ومنعت اعادة تأهيله، وشردت مليون شخص عدة مرات، تنشيء ادارة خاصة في وزارة الدفاع للتشجيع على الهجرة. وتقدم “حزمة مساعدات” و”طرق خروج” وتعلن ان عدد كبير من السكان “يهتمون” بالهجرة.

هذا تلاعب بالالفاظ، لا يخفي الترحيل، بل يقلبه رأسا على عقب. يصبح المجرم مقدم خدمة، ومن يتم ترحيله هو زبون، والتطهير العرقي يخضع لادارة لها اسم وميزانية. وتفترض كلمة “طوعية” وجود ارادة حرة، لكن هذه الارادة (اذا وجدت اصلا) هي نتيجة الابادة والدمار. تنشأ ظروف يستحيل العيش فيها، بعد ذلك يصور الهرب منها وكأنه خيار. بالمناسبة، توظف المفردات الليبرالية التي توحي بحرية التنقل والاختيار الشخصي لخدمة الهندسة الديمغرافية. والتعبير المخفف، مثلما هي التعابير المخففة، هو بحد ذاته اعتراف. وقد اطلق البعض على هذه الهيئة الاسم الحقيقي، “ادارة الترانسفير”. وهذا هو الاسم الصحيح، ولكن يتهم تجاهله في وسائل الاعلام وفي الخطاب العام المتعالي.

تمتلك وسائل الاعلام في اسرائيل اليوم قاموس لغوي كامل وناجع ومصقول بدرجة كبيرة، مهمته غرس التعبير المخفف في ذهن الاسرائيليين للتغطية على الجرائم التي ترتكبها الدولة. فالمذابح الجماعية في غزة تصنف تحت اسم “العمليات العسكرية”. أما تدمير احياء باكملها فيسمى “قص العشب” أو “تسوية الارض”، وهي صور مستعارة من عالم الحدائق والبناء. وعمليات الاغتيال المركزة من الجو والتي تسبب بعشرات القتلى الابرياء تصنف بـ “احباط”، وهو مصطلح من عالم الاستخبارات، ويعني منع شر أكبر. وتسمى المنطقة التي لا تزال تتعرض للقصف (مثل منطقة المواصي) بـ “منطقة انسانية”. وعندما يتبين قتل مدنيين ابرياء، بما في ذلك اطفال، يتم استخدام اوصاف غامضة مثل “قتلوا في المعركة”، “عثر عليهم قتلى”، “تم الابلاغ عن موتهم”. وعندما يتعلق الامر بقتل اسرائيلي واحد، نعرف اسمه وعمره ومدينته ووالده ووالدته وزوجته واولاده، أما عندما يكون عشرات القتلى الفلسطينيين فلا نعرف الا العدد، واحيانا مصدر التقرير، حسب وزارة الصحة في غزة، مع ما هو مفهوم ضمنا، وهو ان المعلومات لا يمكن تصديقها أصلا.

في الشهر الماضي دخلت مجموعة من الاسرائيليين الى محيط قرية تل قرب المسجد. وحسب التقارير الاخبارية وصفوا بانهم “متنزهون”، وليسوا مستوطنين، أو حشد قاتل أو حتى مجموعة جاءت من محيط بؤرة حفات جلعاد الاستيطانية. فقط “متنزهون”، وهي كلمة توحي بنزهة عائلية في صباح يوم السبت. تصف هذه الكلمات المتسللين بانهم مجموعة ابرياء خالصين. لانه من غير المؤكد ان يكون شخص خرج للتنزه هو الذي بدأ العنف. وعندما تستمر الكلمات “واجهوا فلسطينيين قاموا بمهاجمتهم” يكون كل المشهد اكتمل. كانت نزهة في الطبيعة، وكان مسار، وكان متنزهون هادئون في يوم السبت، فجأة اندلع عنف من قبل قتلة فلسطينيين.

في الواقع منذ ايام كثيرة اصبح معروف حدوث سلسلة من الاقتحامات الموثقة التي شنها مستوطنون مسلحون على قرى في المنطقة، مثل فرعاتا، جت، مادما وجالود. ومحاولات السكان الفلسطينيين لوقفهم. هناك في المواجهات في قرية تل قتل اربعة اشخاص من نفس العائلة، عائلة رمضان، اضافة الى شخص من فرقة الطوائي في مزرعة حفات جلعاد وضابط في الجيش الاسرائيلي. وقد تم وصف الضحايا من الطرف الاسرائيلي بالتفصيل، بما في ذلك الاسماء والعمر والعنوان والخلفية العائلية. أما الضحايا من الطرف الفلسطيني فقد وصفوا في معظم وسائل الاعلام بصفة واحدة وهي “ارهابيون”. هذا مصطلح عام يطلق بأثر رجعي، بعد حدوث جريمة قتل، على أي فلسطيني يقوم بايذاء يهودي، حتى لو كان ذلك في محاولة للدفاع عن بيته وعائلته من زعران يهود مسلحين.  بعد ذلك يأتي الوصف المألوف، الذي يعتبر بحد ذاته، تبرير بأثر رجعي، “لقد تم القضاء على الارهابي”. التعريف يسبق التوضيح، بل ويجعله غير ضروري.

لو أن المشهد نفسه  كان بالعكس، ودخلت مجموعة من الفلسطينيين المسلحين الى محيط مستوطنة اسرائيلية في صباح يوم السبت ووصلت الى منطقة كنيس وواجهت السكان، هل كان أي أحد في النشرات الاخبارية سيصفهم بـ “المتنزهين”؟ هل كان السكان الذين خرجوا لصدهم سيتم وصفهم بـ “الارهابيين”؟.

هذا بالتحديد ما قصده عالم الاجتماع بيير بورديو عندما تحدث عن “العنف الرمزي”. هذا لا يعتبر كذبة قرر شخص ترويجها، أو توجيه صدر من أعلى، بل هذا انماط فكرية ترسخت فينا الى درجة أن المصنِف والمصنَف يوافق عليها كأمر طبيعي. أن محرر الاخبار الذي يكتب “متنزهون” أو “ارهابيون” لا يشعر بانه يقوم بانتقاء كلمة، بل هو يصف واقع. هذه هي قوة العنف الرمزي. لا يحتاج الى تطبيق اداري لانه تم دمجه بالفعل في مفرداتنا.

ان الالية اللغوية التي وصفها كليمبررر توجد في أي مجتمع يرغب في الاستمرار في فعل شيء يعرف مسبقا انه لا يستطيع تسميته باسمه الحقيقي. فالكناية ليست فقط زينة، بل هي بنية اساسية. هي ما يسمح للمواطن العقلاني والاخلاقي بمشاهدة نشرة الاخبار والقول “هذا امر فظيع الذي يحدث هناك”، بعد ذلك الانتقال الى الحلقة التالية من برنامج “الزواج من النظرة الاولى” أو “الرقص مع النجوم”، بدون ان تضعضع أي كلمة استقراره النفسي.

مع ذلك، الخطيئة الكبيرة لا تقتصر على وسائل الاعلام التي تدعي الصواب المطلق، بل هي تشمل ايضا المعارضة التي تبنت نفس المفردات. فقد تعرض يئير غولان، الذي تجرأ ذات مرة على تحطيم الجمود والقول بان “الدولة العقلانية لا تقتل الاطفال كهواية”، الى ادانة عامة، وسارع الى التوضيح والتبرير والاعتدال. ويبدو ان الدرس الذي تعلمه غولان لا يتعلق بحدود الانتقاد، بل بحدود مفرداته. فمن الجائز مهاجمة سير الحرب أو ما يحدث في المناطق المحتلة، لكن محظور تسمية النتائج باسمها الحقيقي.

يجسد غادي ايزنكوت، المرشح البارز الان في معسكر المعارضة، نفس المبدأ بطريقته الخاصة. فهو يطالب بتشكيل لجنة تحقيق رسمية في حرب 7 اكتوبر وتحمل المسؤولية الشخصية، لكنه يكاد لا يشير الى عنف المستوطنين في الضفة الغربية أو ادارة “الهجرة الطوعية”. لا يمكن تفسير هذا الصمت بانه فقط تكتيك انتخابي، بل له دلالة تاريخية عميقة. فعندما يتحدث من يدعون تقديم بديل للحكومة بلغة الحكومة نفسها، يتوقف التلطيف عن ان يكون دعاية لمعسكر واحد، ويصبح الوصت الوطني. وفي هذه الحالة ستتم صياغة دور لجنة التحقيق الرسمية، اذا شكلت اصلا، بنفس الكلمات، ولن تتمكن من استخلاص استنتاجات دقيقة حول حدث لم يتم تعريفه أبدا باسمه الحقيقي، “الابادة الجماعية”.

الدور النقدي الوحيد الذي بقي لنا كمستهلكين للاعلام، من الذين ما زالوا يؤمنون بنقاء اللغة والقيم الانسانية، هو دور التفسير. فعندما نسمع تقرير عن حدث نتساءل من فعل ماذا بمن. وعندما نسمع عن “متنزهين” نتساءل من أين جاءوا وما هو السلاح الذي كانوا يحملونه. وعندما نسمع أن هناك اشخاص “قتلوا” نتساءل من الذي قتلهم. وعندما نسمع كلمة “ارهابي” نتساءل من هو الطرف العنيف بالتحديد. وعندما نسمع عن عمليات عسكرية في غزة، نحاول فهم ما يحدث بالضبط للضحايا الابرياء، المكشوفين في الخيام، والذين اضعفهم وابل القنابل التي تسقط عليهم من الجو.

كليمبررر كتب ان الكلمات المسممة تسربت الى دمه، وهي تتسرب الى دمائنا ايضا. ولكن ما زال يمكننا اختيار الكلمات الصحيحة بدلا منها، وهذا هو تقريبا الشيء الوحيد الذي بقي لنا لنفعله في الوقت الحالي.

——————————————

يديعوت احرونوت 9/8/2026

يورام كوهن عن  قانون المتهمين: آمل أن نُقرّه في الحكومة القادمة

بقلم: امير اتينغر

“لا أريد ذكر أسماء محددة، ولكن هذا الأمر نوقش في حكومة لبيد-بينيت السابقة، ولسبب ما لم يكن من الممكن إقراره آنذاك، وهذا أمر مؤسف للغاية. آمل حقًا أن نتمكن من إقراره”. هكذا أجاب يورام كوهن، الرئيس السابق لجهاز الأمن العام (الشاباك) والشريك الأقدم في حزب غادي آيزنكوت، على سؤال حول ما إذا كانوا سيُعملون على “قانون المتهمين”، الذي يمنع أي مرشح من تشكيل حكومة طالما وُجهت إليه تهمة جنائية. لو تم إقرار هذا القانون آنذاك، لما تمكن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من تشكيل الحكومة الحالية.

لقد أدلى كوهن بهذه التصريحات يوم الخميس الماضي في قاعة “شوهام هاوس”، أمام جمهور وُصف بأنه من أنصار الصهيونية الدينية الليبرالية. ووعد كوهن قائلاً: “سنشكل حكومة لا تتجاوز 24 وزيراً”.     

وكان كل من آيزنكوت وكوهن صرّحا مسبقا بأنهما سيشكلان حكومة أقلية إذا لم يحصلا على 61 مقعداً. وفي هذه الجلسة تهرب كوهن مرارًا من الإجابة على سؤال ما إذا كانوا سيوافقون على تشكيل حكومة دون ائتلاف، قائلاً: “نريد 61 صهيونيًا. لا أريد الخوض في حلول أخرى متاحة إذا لم نحقق ذلك.”

وأشار كوهن، أحد رؤساء جهاز الأمن العام (الشاباك) السابقين الذين عارضوا تعيين دافيد زيني في هذا المنصب، إلى أداء زيني كرئيس للشاباك قائلاً: “هناك تصدعات نراها اليوم في كيان الدولة. آمل ألا تتسع وأن نعمل على سدها. التحدي الأكبر ليس زيني نفسه، بقدر ما هو السيد نتنياهو. لقد تواصل رئيس الوزراء حتى الآن مع رؤساء الشاباك، وأنا واحد منهم، بمطالب إما غير قانونية أو غير شرعية تصب في مصلحته. ونحن بحاجة إلى رئيس شاباك حازم، ذي شخصية قوية، ليقول لرئيس الوزراء: “لا يمكنني فعل هذا، لأنه غير قانوني، أو غير أخلاقي، أو ليس من صميم عملي”. وأضاف: “إن الحفاظ على الجهاز كمنظمة رسمية للدولة وغير سياسية هو الهدف الأول. يعرف الشاباك كيف يلاحق الإرهابيين في نابلس. وزيني لن يمنع ذلك. ولكن إذا، لا قدر الله، اذا طلب المستوى السياسي من رئيس الجهاز استخدام قدرات جهاز الأمن العام (الشاباك) ضد المدنيين، سواءً لأسباب سياسية أو لحاجة شخصية لرئيس الوزراء، أو لترويج رؤية معينة باسم الأمن – وهو ما يحدث دائمًا باسم الأمن – فعذا أمرٌ بالغ الخطورة. سيُلحق هذا ضررًا بالغًا بثقة الجمهور في الجهاز، وسيُدمره من الداخل، وسيُدخل التسييس فيه، ولذلك فهو أمرٌ بالغ الخطورة.

لا للضم الكامل

طُرحت مسألة الدولة الفلسطينية، وحظيت بردٍّ واضح من كوهن: “الدولة الفلسطينية غير واردة. أعتقد أنه في المستقبل، ربما، إذا انقلب الوضع رأسًا على عقب، فحينها نعم، ربما نصل إلى فيلم يُسمى الحكم الذاتي. الحكم الذاتي هو أقصى ما يُمكن تحقيقه. لكن عمليًا، علينا الحفاظ على الوضع على ما هو عليه. علينا إبقاء أمننا في أيدي الجيش الإسرائيلي والمؤسسة الأمنية؛ يجب أن تزدهر المستوطنات – وأنا أؤيدها – وتتطور وفقًا لخطة الحكومة، لا وفقًا لأي كيان سياسي؛ يجب أن تكون أفعالنا قانونية دائمًا. رابعًا؛ وألا نفعل أي شيء يُنظر إليه في العالم على أنه ضد مصالحنا الوطنية المستقبلية. هذا كل شيء.”

ووفقًا لكوهن: “بإمكاني الحديث عن هذا الموضوع لعشرين ساعة الآن، لكنني نظريًا أتحدث عن العقل لا عن الأيديولوجيا. لنفترض أن ترامب يعود الآن إلى سيناريو السنوات الماضية ويقول: “يا جماعة، ضم كامل”. هل من مصلحة إسرائيل ضمّ كامل يهودا والسامرة؟ هناك فئة قليلة من الشعب الإسرائيلي تعتقد ذلك. أما الأغلبية فترى أن هذا سيجعلنا دولة ثنائية القومية، ويجرّنا إلى صراع أكبر، ويضعنا في مواجهة مع العالم أجمع، ويقوّض اتفاقيات السلام، وسندفع ثمناً باهظاً من الدماء. لذلك، لا أعتقد أن هذا صواب أيضاً.

بحكم منصبه كرئيس سابق لجهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك)، تناول كوهن أيضًا مسألة نزاهة الانتخابات، وشرح بالتفصيل دور الشاباك في هذا الشأن: “الشاباك أحد الجهات التي يجب أن تساعد الحكومة الإسرائيلية في إجراء الانتخابات بشكل سليم. ويقوم بذلك بشكل مستمر، بغض النظر عن موعد الانتخابات، من خلال الحماية من الهجمات الإلكترونية الخارجية وحماية البنية التحتية الحيوية في مجالات أخرى. وعادةً ما ينجحون في ذلك، ليس دائمًا، ولكن في الغالب ينجحون. هناك مخاوف، لا أستطيع تحديد مدى قوتها لعدم اطلاعي على البيانات، من احتمال وجود تدخل خارجي لإلحاق الضرر بقواعد بياناتنا. آمل حقًا ألا ينجحوا في ذلك ويعرقلوا الانتخابات بهذه الطريقة.”

هناك أيضًا الجانب الداخلي: في هذا الجانب، الأمر سيان – حماية البيانات، بيانات الانتخابات، ولأن بعض الأشخاص، بسبب الترهيب أو غيره، يُثيرون الفوضى في بعض مراكز الاقتراع، ما يدفع الشرطة إلى التدخل وإغلاقها حفاظًا على السلامة العامة. آمل حقًا ألا يحدث ذلك. يجب على جهاز الأمن العام (الشاباك) التنسيق في هذا الشأن مع الشرطة الإسرائيلية، والمركز الوطني للأمن السيبراني، والحكومة الإسرائيلية، والقاضي سولبرغ أيضًا.

 ليس بديلًا عن الشرطة

على عكس ما صرّح به شريكاه السابقين في الكتلة، نفتالي بينيت ويوعز هندل، ، واللذان قدّما خططًا للشاباك لمعالجة الجريمة في الوسط العربي، حذّر كوهن من ذلك، وقال إن الشاباك يمكنه تقديم قدر محدود من المساعدة للشرطة في هذا الشأن، وليس بشكل كامل. “جهاز الأمن عمومًا جهاز ممتاز، فعّال، ويؤدي عملًا جليلًا. الأمر الثاني هو أنه مشغول للغاية.” قال: “لا يوجد لدى جهاز الأمن الإسرائيلي قوات احتياطية، والوضع متوتر نسبيًا بسبب تدخله في جميع المجالات، حتى تلك التي تقع خارج حدود الدولة، والتي لا يعرفها الكثيرون”.

وأضاف: “بإمكان الجهاز مساعدة الشرطة في أمور محددة. حتى الآن، اقتصر دوره على قضايا رمزية، كحوادث إطلاق النار في المجلس المحلي، أو في حال الإقدام على اغتيال نائب رئيس البلدية، أو ما شابه. في مثل هذه الحالات، يمكن للجهاز التدخل نظرًا للأهمية الرمزية، ومحاولة مساعدة الشرطة الإسرائيلية بالمعلومات الاستخباراتية. لكن لا يمكن للجهاز أن يحل محل الشرطة. فالشرطة بحد ذاتها تتطلب تغييرًا وتحسينًا. لا يمكن للجهاز أن يحل محل الشرطة بالقدر الذي تتطلبه الدولة. وإن تمكن من تقديم المساعدة، فهو أمر مرحب به، ولكن بشكل مركّز وبجرعة محدودة نسبيًا، لا جرعة كبيرة”.

وأضاف كوهن: “هناك جوانب أخرى لهذا الأمر أيضًا، سأذكر ثلاثة منها سلبية. تحدثتُ عن تشتيت انتباه الجهاز. حتى لو زادوا من الأموال، فلا يهم. لديكم مسؤولية يجب عليكم الوفاء بها. الأمر الثاني هو كشف القدرات والأساليب. بما أن الشرطة تعمل على كشف جميع الأدلة أمام المحكمة، فقد ينشأ وضعٌ تُكشف فيه الأدلة التي جمعها جهاز الأمن العام (الشاباك) وأساليب عمله لأعدائنا، أو خصومنا في هذه الحالة. الأمر الثالث هو أنه قد يُسبب مشكلة في الصورة العامة. اليوم، هناك صورة نمطية سلبية بين عرب إسرائيل، مفادها أنهم مُهمّشون، وأنهم مواطنون من الدرجة الثانية. الآن تأتي الحكومة وتقرر أن يعمل الشاباك ضد العرب فقط. لماذا؟ إذا كان الشاباك سيعالج الجرائم، فليعمل هذا في حالة اليهود أيضًا، ولماذا ضد العرب فقط؟ هذه ثلاثة مقاييس سلبية تُعارض مثل هذا الأمر”.

——————————————

هآرتس 9/8/2026

“مهووس بالولاء الشخصي”.. هيروفيتس “يفضح المستور”: هذا نتنياهو وهذه عائلته

بقلم: أسرة التحرير

يحصل مرة أخرى. أحد الأشخاص الذين كانوا في دائرة اتخاذ القرار الحميمة لنتنياهو قرر تحطيم الصمت. هذه المرة هو يوآف هورفيتس، رئيس طاقم نتنياهو ومدير عام ديوان رئيس الوزراء في 2018 – 2019 الذي أجريت معه لقاءات تلفزيونية في القنوان 11، 12 و13 وأتاح للجمهور إطلالة تقشعر لها الأبدان على ما وراء الكواليس.

ظاهراً، ما الذي يمكن أن يروى لنا عن نتنياهو ونحن لا نعرفه؟ ما الذي يمكن أن يكشف عن الرجل، اعتباراته، مزاجه والدور الذي تؤديه عقيلته وابنه يائير في سياقات اتخاذ القرارات، لم يتعرف عليه حتى التعب؟

رغم ذلك، وفي كل مرة يختار فيها شخص ما عمل في الدائرة الداخلية أن يحطم مؤامرة الصمت، تنبثق الدهشة من جديد. الأمور التي تعرف عليها الجمهور بشأن سلوك نتنياهو طوال سنين، وبشأن مشاركة شاذة من عقيلته وابنه، وبشأن إخضاع المصلحة العامة للمصلحة الشخصية، ها هي تتأكد مرة أخرى من خلال شهادة من مصدر أول. هورفيتس، الذي انضم مؤخراً إلى غادي آيزنكوت كرئيس الطاقم الذي ينسق خطط العمل للمئة يوم الأولى لحكومة برئاسته، روى كيف طلب منه أن يوقع عاملين في المكتب وفي المنزل على تصريح ولاء شخصي لعائلة نتنياهو. “طلب الولاء الشخصي كان يحوم هناك طوال الوقت كنوع من الهوس”، أكد ما عرفه الجميع. وعلى حد قوله، منذ رفع لائحة الاتهام ضد نتنياهو، كان كل قرار سياسي أو أمني أو اقتصادي أو حزبي “يمر عبر منشور الموضوع الشخصي”. وكان هورفيتس استقال من منصبه في 2019، لكن كل من يسمع أقواله يشخّص النمط الذي يملي أعمال نتنياهو في السنوات الأخيرة وبقوة أكبر: عندما أدت مصالح البقاء إلى تقويض صفقات مخطوفين وتصل لدرجة انقلاب قضائي وخطوات سياسية وعسكرية.

شهد هورفيتس على تدخل عنيف من قبل سارة ويئير نتنياهو في قرارات سلطوية. وعلى حد قوله، فقد أثرا على قرارات عديدة، بما فيها نصب البوابات الإلكترونية في الحرم في 2017، وإلغاء مخطط اللاجئين الذي اتفق عليه مع الأمم المتحدة. وشهد على أن العائلة اتصلت فألغي الاتفاق. لماذا من هي الأمم المتحدة مقابل “لا فاميليا”، يا نتنياهو؟

إن أقوال هورفيتس شهادة أخرى على أن الحدود ديست بين نتنياهو والدولة، بين الولاء الشخصي والولاء للدولة، وبين بقائه السياسي وبقاء الدولة والمصلحة القومية.

رئيس وزراء كل قرار له يمر، على حد قول رئيس طاقمه السابق عبر “منشور البقاء الشخصي”، ويسمح لأبناء عائلته بالتدخل في قرارات سلطوية دون أن يكونوا منتخبين، ودون أن يتحملوا المسؤولية عنها، ليس أهلاً من مواصلة الوقوف على رأس الحكومة. هذا لا يعني أننا لم نعرف، ولا يزال كل تذكير مهماً: على الجمهور أن يضع حداً لهذا في الانتخابات القريبة القادمة.

—————-انتهت النشرة—————–

Share This Article