المسار : رغم التحول الكبير الذي شهده الرأي العام الغربي في نظرته إلى القضية الفلسطينية، وتزايد المؤشرات على تراجع الرواية الصهيونية وتقدم الرواية الفلسطينية في الأوساط الشعبية والإعلامية والأكاديمية، فإن هذا التحول، على أهميته، لا يكفي بحد ذاته لإحداث تغيير في السياسات الرسمية للدول الغربية. فالفجوة ما زالت واسعة بين المزاج الشعبي وبين مواقف العديد من الحكومات، الأمر الذي يجعل الحاجة ملحة إلى عمل سياسي وقانوني وإعلامي أكثر تنظيما واستدامة من جانب الشعب الفلسطيني وقواه السياسية، وكذلك من جانب الجاليات الفلسطينية والعربية والإسلامية وحركات التضامن في مختلف البلدان.
وخلال لقاءاتنا السياسية مع أحزاب وقوى ديمقراطية، ونقابات عمالية ومهنية، ومنظمات مجتمع مدني، وشخصيات برلمانية وأكاديمية، يتكرر سؤال يكاد يكون ثابتا وقاسما مشتركا في كل لقاء: «ما هو شكل الدعم الذي تعتقدون أنه الأكثر جدوى وفاعلية بالنسبة للشعب الفلسطيني في هذه المرحلة»؟ هذا السؤال يعكس استعدادا متزايدا لدى قطاعات واسعة في الغرب للانتقال من مرحلة التعاطف إلى مرحلة الفعل، لكنه يكشف أيضا عن غياب رؤية فلسطينية موحدة تقدم أولويات واضحة وخطة عمل محددة للشركاء والمتضامنين.
ينبغي ألا تقتصر الإجابة على بيانات التضامن والفعاليات الجماهيرية، على أهميتها وضرورة مواصلتها، بل أن تتضمن برامج عملية قابلة للتنفيذ تركز على حماية القانون الدولي بمختلف مؤسساته، إضافة إلى خطوات مباشرة وقابلة للتنفيذ في مواجهة التكتيكات اليومية التي يلجأ إليها الاحتلال الإسرائيلي في تعاطيه مع التفاصيل اليومية للمخطط الإسرائيلي. وهنا تتحمل المؤسسات الفلسطينية الرسمية والفصائل، مسؤولية تقديم خطاب سياسي موحد يحدد بوضوح طبيعة الدعم المطلوب من الحكومات والبرلمانات والأحزاب والنقابات والجامعات ومنظمات المجتمع المدني، بما يحول التعاطف الشعبي إلى مطالب محددة، وضغوط سياسية وقانونية واقتصادية قابلة للقياس، تسهم في حماية الحقوق الفلسطينية ودعم حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.
ورغم الدعم الشعبي الواسع وغير المسبوق الذي حظيت به القضية الفلسطينية في العديد من الدول الغربية خلال السنتين الأخيرتين، وما أظهرته استطلاعات الرأي، والمظاهرات الجماهيرية، والحراك الطلابي والنقابي، من تحول ملحوظ في المزاج العام لصالح الحقوق الفلسطينية، فإن هذا التأييد لا يزال يتركز في قطاعات اجتماعية وسياسية محددة، بينما تبقى شرائح وفئات واسعة خارج دائرة التواصل المباشر مع الرواية الفلسطينية، أو ما زالت تتلقى معلوماتها من مصادر إعلامية وسياسية تعكس الرواية الإسرائيلية بصورة أساسية.
لذلك، فإن أحد أبرز التحديات التي تواجه الحركة الوطنية الفلسطينية يتمثل في توسيع دائرة الحضور الفلسطيني داخل المجتمعات الغربية، وعدم الاكتفاء بالعمل مع القوى التقليدية المتضامنة. فهناك حاجة إلى الانفتاح على قطاعات جديدة، تشمل الأحزاب بمختلف اتجاهاتها، والنقابات المهنية والعمالية، والمؤسسات الدينية، والجامعات، ومراكز الأبحاث، ووسائل الإعلام، ومنظمات المجتمع المدني، والهيئات الاقتصادية والثقافية، والشباب، وصناع الرأي المحليين. فالتأثير في هذه الفئات يساهم في بناء رأي عام أكثر رسوخا، ويزيد من فرص تحويل التعاطف الشعبي إلى مواقف سياسية ومؤسسية مؤثرة.
وفي هذا السياق، يمكن للسفارات والبعثات الفلسطينية، بالتعاون مع الجاليات الفلسطينية والعربية والإسلامية، أن تؤدي دورا محوريا في بناء جسور التواصل مع هذه المكونات المجتمعية. إذ لا ينبغي أن يقتصر هذا الدور على المناسبات الوطنية أو الأنشطة البروتوكولية، بل يجب أن يتحول إلى عمل مؤسسي دائم، يقوم على الحوار، وتنظيم الندوات واللقاءات، وتزويد مختلف الجهات بالمعلومات والحقائق والمواد القانونية والإعلامية، وبناء شبكات علاقات طويلة الأمد مع القوى السياسية والاجتماعية والثقافية المؤثرة.
وفي المقابل، تدرك إسرائيل والمنظمات الصهيونية أهمية الرأي العام الغربي، ولذلك تستثمر موارد سياسية وإعلامية ومالية كبيرة في حملات مضادة تهدف إلى ترميم صورتها، وإعادة تسويق روايتها، والتقليل من آثار الانتقادات الدولية المتزايدة لسلوكها، فضلا عن التأثير في مواقف النخب السياسية والإعلامية والأكاديمية. وقد رصدت خلال الأشهر الأخيرة مئات الملايين من الدولارات في إطار جهود لتحسين صورتها وترميم روايتها، التي تعرضت لتراجع كبير، مستفيدةً في ذلك من شبكات ضغط وعلاقات ممتدة داخل العديد من المؤسسات الغربية.
لذلك، فإن الحركة الوطنية الفلسطينية مطالبة بإيلاء المجتمعات الغربية أهمية استراتيجية، باعتبارها إحدى ساحات النضال السياسي والدبلوماسي والإعلامي. فنجاحها في ترسيخ الرواية الفلسطينية داخل هذه المجتمعات، وتوسيع قاعدة المتضامنين، وبناء شراكات مع القوى الديمقراطية والنقابية والأكاديمية والثقافية، من شأنه أن يعزز الضغوط الشعبية على الحكومات الغربية، وأن يسهم تدريجيا في تحويل التحولات التي يشهدها الرأي العام إلى سياسات أكثر ديمومة واتساقا مع مبادئ القانون الدولي وحقوق الشعب الفلسطيني.
وفي الاجابة على المباشرة على السؤال المفتاحي، فلا يمكن حصر أشكال الدعم المطلوبة للشعب الفلسطيني في إطار واحد، أو التقليل من أهمية أي منها، فكل أشكال الدعم، السياسية والقانونية والدبلوماسية والإعلامية والاقتصادية والإنسانية والثقافية والأكاديمية، تمثل عناصر متكاملة في معركة الدفاع عن الحقوق الوطنية الفلسطينية. وتزداد أهمية كل شكل من أشكال الدعم تبعا للمرحلة السياسية وطبيعة التحديات التي يواجهها الشعب الفلسطيني، إذ لا يوجد دعم يمكن اعتباره ثانويا إذا كان يسهم في تعزيز صمود الفلسطينيين، أو في حماية القانون الدولي، أو في زيادة الضغط على الحكومات وصناع القرار.
تتمثل إحدى ابرز الإشكاليات التي يواجهها الشعب الفلسطيني في غياب هيئة وطنية للتخطيط الاستراتيجي تكون مهمتها إدارة العلاقة مع الدول الغربية ومجتمعاتها، وتحويل أشكال الدعم السياسي والشعبي والقانوني والإعلامي إلى برامج عملية ذات اثر مستدام. فمهما بلغ حجم الدعم واتسعت دوائر التضامن، سيظل محدود الأثر ما لم تتوافر أطر وطنية قادرة على استثماره وتوجيهه وفق أولويات واضحة، وتنسيق الجهود الفلسطينية، ومتابعة تنفيذ المبادرات وتقييم نتائجها. ومن هنا تبرز الحاجة إلى منظومة وطنية للتخطيط والتنسيق، تحدد احتياجات المرحلة وتصوغ مطالب واضحة وقابلة للتنفيذ، بما يحول الدعم الدولي والشعبي إلى تأثير سياسي وقانوني ومجتمعي فعّال.
ومع ذلك، فليس مطلوبا من جميع القوى والأحزاب والنقابات ومنظمات المجتمع المدني أن تقوم بالأدوار ذاتها، بل ان يسهم كل طرف في المجال الذي يمتلك فيه القدرة الأكبر على التأثير. فهناك جهات تستطيع ممارسة ضغط سياسي مباشر على الحكومات، وأخرى تملك أدوات قانونية أو برلمانية، بينما تتمتع النقابات والجامعات والمؤسسات الأكاديمية والإعلامية بقدرة مؤثرة على تشكيل الرأي العام، في حين تضطلع المنظمات الإنسانية بدور أساسي في تخفيف معاناة المدنيين وتعزيز صمودهم.
ومن هنا، يصبح من الضروري تقديم رؤية فلسطينية واضحة للشركاء والمتضامنين تحدد أشكال الدعم الأكثر إلحاحا والأعلى أولوية في كل مرحلة، مع الحفاظ على أهمية بقية أشكال المساندة. إن ترتيب الأولويات لا يعني التقليل من قيمة أي جهد تضامني، بل يهدف إلى توجيه الطاقات والإمكانات نحو المجالات الأكثر قدرة على احداث اثر سياسي وقانوني وانساني ملموس. فكلما كانت المطالب محددة، والاهداف واضحة، والمهام موزعة وفق امكانات كل جهة، ازدادت فاعلية حركة التضامن الدولية، واصبح بالامكان تحويل التعاطف الواسع مع القضية الفلسطينية إلى إنجازات عملية وسياسات ملموسة تدعم حقوق الشعب الفلسطيني وتحميها.
بالرغم من كل ما سبق، يمكن ترتيب أشكال الدعم المطلوبة للقضية الفلسطينية وفق الأولوية السياسية والقانونية في المرحلة الراهنة، مع التأكيد على أن هذه الأشكال مترابطة ومتكاملة، بحيث يعزز كل منها الآخر ويسهم في بناء موقف دولي اكثر فاعلية في حماية الشعب الفلسطيني وضمان حقوقه. ويأتي في مقدمة هذه الأولويات الدعم السياسي والدبلوماسي، المتمثل بممارسة ضغط حقيقي من اجل وقف الحرب وحماية المدنيين، والاعتراف بدولة فلسطين ودعم حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. كما يتطلب ذلك موقفا واضحا من الاستيطان والضم والتهجير القسري ومن الاعتقالات وهدم المنازل وجرائم التطهير العرقي، والعمل بصورة جدية من أجل إنهاء الاحتلال وضمان الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني.
ويتكامل الدعم السياسي والدبلوماسي مع الدعم القانوني والقضائي، الذي يكتسب أهمية خاصة في مواجهة الإفلات من العقاب وضمان المساءلة عن الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي. ويشمل ذلك حماية استقلال المحكمة الجنائية الدولية وسائر المحاكم والهيئات القضائية الدولية من الضغوط السياسية، ودعم تنفيذ القرارات الصادرة عن القضاء الدولي (خاصة الدول الاطراف في نظام روما الخاص بالمحكمة الجنائية الدولية)، بما يرسخ مبدأ خضوع جميع الدول للقانون الدولي دون انتقائية أو ازدواجية في المعايير.
كما يشكل الدعم البرلماني أحد المسارات المهمة لترجمة المواقف السياسية والقانونية إلى إجراءات مؤسسية، من خلال إصدار القرارات والتشريعات التي تؤكد احترام القانون الدولي وحقوق الإنسان، ومساءلة الحكومات والسلطات التنفيذية بشأن سياساتها وعلاقاتها مع إسرائيل. كما يمكن للبرلمانات أن تضطلع بدور رقابي فاعل من خلال تنظيم جلسات الاستماع، واستقبال الوفود الفلسطينية، بمن فيهم الناجون من حرب الإبادة. ويتطلب الأمر، كذلك، اتخاذ تدابير برلمانية وسياسية مناسبة تجاه الكنيست الإسرائيلي، في ضوء دوره في سن سلسلة من القوانين والتشريعات التي شرعت القتل والاستيطان واعدام الاسرى وغير ذلك من قوانين شكلت تمردا على القانون الدولي وعلى ميثاق الامم المتحدة.. بما يستدعي مساءلة المؤسسة التشريعية الإسرائيلية ومراجعة علاقات التعاون البرلماني معها.
ويأتي الدعم الاقتصادي بوصفه أداة إضافية للضغط والتأثير، من خلال فرض قيود على الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمستوطنات غير القانونية، ومراجعة اتفاقيات التعاون والعلاقات الاقتصادية التي قد تسهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة في انتهاكات القانون الدولي. وفي المقابل، ينبغي تعزيز المساعدات التنموية الموجهة إلى الشعب الفلسطيني، ودعم جهود إعادة الإعمار والتنمية، بما يسهم في تعزيز قدرة المجتمع الفلسطيني على الصمود وتحسين ظروفه الاقتصادية والاجتماعية.
أما الدعم الإنساني، فيمثل ضرورة عاجلة لا تنفصل عن المسؤولية السياسية والقانونية، ويتطلب ذلك ضمان وصول المساعدات الإنسانية بصورة آمنة ودون عوائق، وإعادة تأهيل البنية التحتية التي تعرضت للدمار، فضلا عن توفير المساعدة والحماية للنازحين والأطفال والنساء وسائر الفئات الاكثر تضررا من الحرب والاحتلال. كما يقتضي الامر توفير الحماية السياسية والدعم المالي اللازمين لوكالة الغوث (الأونروا)، بما يعزز قدرتها على مواصلة اداء ولايتها، ويحد من الآثار السلبية للحرب والحملات السياسية التي تستهدفها، ويضمن استمرار خدماتها الأساسية للاجئين الفلسطينيين.
وبالتوازي مع ذلك، تبرز أهمية الدعم الشعبي والمجتمعي في تحويل التضامن مع الشعب الفلسطيني من مواقف ظرفية مرتبطة بالأزمات إلى عمل مجتمعي مستدام. ويمكن تحقيق ذلك من خلال توسيع حملات التضامن داخل النقابات والجامعات والبلديات ومنظمات المجتمع المدني، وتنظيم الفعاليات والأنشطة التوعوية التي تعزز المعرفة بالقضية الفلسطينية وأبعادها السياسية والقانونية والإنسانية، إضافة إلى بناء شبكات تضامن مستدامة قادرة على الاستمرار والعمل المنظم وتجاوز ردود الفعل المؤقتة التي غالباً ما ترافق تصاعد الأحداث.
ويؤدي الإعلام والثقافة دورا أساسيا في تشكيل الوعي العام وفي مواجهة محاولات التضليل والتعتيم على حقيقة ما يجري. ومن ثم، تبرز الحاجة إلى تعزيز التغطية الإعلامية المهنية والمتوازنة للأحداث، والاعتماد على الحقائق والوثائق والمصادر الموثوقة في مواجهة المعلومات المضللة، إلى جانب دعم الإنتاج الثقافي والأكاديمي الذي يسهم في التعريف بالقضية الفلسطينية وتاريخها وأبعادها الإنسانية والقانونية والسياسية، ويمنح الرواية الفلسطينية مساحة أوسع في المجالين الثقافي والإعلامي. ويكتسب الدعم الأكاديمي والبحثي أهمية متزايدة في بناء معرفة موضوعية وموثقة بالقضية الفلسطينية، وفي تعزيز حضور الباحثين والمؤسسات الفلسطينية في المجال الأكاديمي الدولي.
وهنا، تتحمل الأحزاب والقوى السياسية مسؤولية مهمة في تحويل الدعم للقضية الفلسطينية إلى جزء مستدام من العمل السياسي، من خلال إدراج القضية الفلسطينية ضمن برامجها ومواقفها السياسية، وتطوير تحالفات دولية للدفاع عن القانون الدولي وحقوق الإنسان، والتنسيق مع الفصائل الفلسطينية والقوى الديمقراطية في مختلف أنحاء العالم لإطلاق مبادرات مشتركة. ومن شأن هذا الدور أن يربط بين الجهود السياسية والبرلمانية والشعبية والأكاديمية والإعلامية، وأن يسهم في بناء جبهة دولية أوسع للدفاع عن الحقوق الفلسطينية، وترسيخ مبادئ القانون الدولي، ومواجهة سياسات الاحتلال والاستيطان والتهجير، وصولا إلى دعم حق الشعب الفلسطيني في الحرية وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة.
إن ترتيب هذه الأولويات لا يعني أن بعضها أقل أهمية من الآخر، بل يعكس طبيعة المرحلة الحالية، حيث يعد الضغط السياسي والقانوني الأكثر قدرة على إحداث تغيير في مواقف الحكومات، بينما يشكل الدعم الشعبي والإعلامي والأكاديمي الأساس الذي يضمن استدامة هذا الضغط وتحويل التحولات في الرأي العام إلى سياسات ومواقف مؤسسية أكثر اتساقاً مع القانون الدولي.
إن ما يريده الشعب الفلسطيني لا يقتصر على الدعم العاطفي أو المساعدات الإنسانية، على أهميتها وضرورتها في التخفيف من آثار الحرب والاحتلال، لأن هذا النوع من الدعم يظل بطبيعته مرتبطا بالظروف الطارئة وقابلا للتراجع مع تغير الأولويات السياسية والإعلامية الدولية. وإنما المطلوب هو دعم مستدام ومنهجي يتجاوز معالجة النتائج والآثار المباشرة للاحتلال إلى استهداف البنى السياسية والقانونية والاقتصادية والعسكرية التي تتيح استمراره وتوفر البيئة اللازمة لإعادة إنتاج الانتهاكات بحق الشعب الفلسطيني.
كتب: فتحي كليب / مسؤول دائرة العلاقات الخارجية في الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين تحصين الدعم الدولي مع فلسطين، مسؤولية وطنية راهنة

