المسار: ليست الأزمة السياسية الفلسطينية مجرد غياب انتخابات أو تعطّل مؤسسات؛ جوهرها أعمق في من يملك حق إنتاج الشرعية السياسية، ومن يقرر في غياب الناخب؟ فمنذ الانتخابات الرئاسية عام 2005 والتشريعية عام 2006، لم يشهد النظام السياسي الفلسطيني تجديداً انتخابياً منتظماً يعيد المؤسسات إلى مصدر شرعيتها الشعبية، ومع الانقسام وتعطل المجلس التشريعي وتراكم التفاهمات والاستثناءات، أصبح غياب الانتخابات حالة ممتدة، لا فراغاً مؤقتاً. وحين يطول غياب صندوق الاقتراع، لا تتوقف السياسة؛ بل تنتقل عملية إنتاج القرار تدريجياً إلى التفاهمات بين مراكز القوة والنخب السياسية. وهنا تكمن المشكلة: كلما ابتعد المواطن عن صناعة الشرعية، اتسعت مساحة السياسة التي تُدار بعيداً عنه. لذلك فالانتخابات ليست مجرد استحقاق قانوني، وإنما آلية لإعادة التوازن بين السلطة والمجتمع، وتجديد التفويض السياسي، وفتح المجال أمام التداول والمساءلة.
تكتسب هذه المسألة أهمية إضافية عند استعادة تجربة 2021. فقد بدأت العملية الانتخابية آنذاك، قبل أن يصدر في 30 نيسان/أبريل قرار بتأجيل الانتخابات العامة إلى حين توافر شروط إجرائها في الأراضي الفلسطينية كافة، وفي مقدمتها القدس وكانت قضية القدس تحدياً حقيقياً، كما أن الاحتلال يفرض قيوداً فعلية على أي عملية انتخابية فلسطينية. لكن النتيجة بقيت واحدة هي أن توقفت العملية الانتخابية ولم يصل الناخب إلى الصندوق. ولهذا أصبحت تجربة 2021 جزءاً من الذاكرة السياسية للمجتمع، وجعلت السؤال الحالي أكثر حساسية، هل تستطيع العملية الانتخابية هذه المرة أن تنتقل من الإعلان والإجراءات إلى الاقتراع الفعلي؟
في المسار الانتخابي الحالي، حُدد 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026 موعداً للاقتراع، وبدأت مرحلة الترشح في 26 أيلول/سبتمبر، ثم جرى تمديد فترة الترشح حتى 13 تشرين الأول/أكتوبر، مع تأكيد لجنة الانتخابات المركزية أن التمديد لا يغيّر موعد الاقتراع .وهنا يجب أن تكون المصطلحات دقيقة، تمديد فترة الترشح إجراء انتخابي، أما تأجيل الانتخابات فهو تغيير لموعد الاقتراع. ولا يجوز الخلط بينهما. لكن أهمية الالتزام بالموعد لا تنبع من التمديد ذاته، وإنما من السياق الذي يأتي فيه، فبعد تجربة 2021، تصبح الثقة مرتبطة بقدرة العملية على الاستمرار دون أن تتحول التعديلات الإجرائية أو الخلافات السياسية إلى ذريعة لتغيير موعد الاقتراع. المطلوب، إذن، ليس رفض أي تعديل إجرائي، بل ضمان ألا يصبح المسار الانتخابي مفتوحاً على سلسلة من التغييرات التي تنتهي بإفراغ الاستحقاق من مضمونه.
الحديث عن المسؤولية يتطلب قدراً من الدقة. فالسلطة والقيادة الرسمية تملك أدوات القرار التنفيذي والمؤسسي، ولذلك تتحمل المسؤولية المباشرة عن حماية المسار الانتخابي والالتزام بالموعد المعلن. وأي قرار رسمي بتأجيل الاقتراع يحمّل الجهة صاحبة القرار مسؤولية سياسية ومؤسسية واضحة. لكن اختزال الأزمة في السلطة وحدها لا يفسر المشهد كاملاً. فالفصائل والقوى السياسية ليست خارج النظام السياسي؛ فهي طرف أساسي فيه، وتمتلك نفوذاً تنظيمياً وشعبياً، وتشارك في صياغة التفاهمات الوطنية، وتؤثر في اتجاهات الرأي العام. ولذلك تتحمل بدورها مسؤولية حماية مبدأ الانتخابات، لا الاكتفاء بمراقبة سلوك السلطة وانتقاده. وهنا ينبغي التفريق بين اختلاف حجم المسؤولية واختلاف أصل المسؤولية. السلطة مسؤولة بصورة أكبر عن القرار التنفيذي والمؤسسي، بينما تتحمل الفصائل مسؤولية سياسية عن مواقفها من العملية الانتخابية، وعن مدى استعدادها للقبول بقواعد تنافس قد تنتج نتائج لا تخدم مصالحها. فالمعارضة الديمقراطية لا تُختبر فقط بانتقاد السلطة، وإنما أيضاً بمدى استعدادها للدفاع عن قواعد يمكن أن تؤدي إلى انتقال السلطة أو إعادة توزيعها. وفي المقابل، لا يكفي أن تعلن السلطة التزامها بالانتخابات؛ فالاختبار الحقيقي هو تحويل هذا الالتزام إلى إجراءات ثابتة تصل بالناخب إلى الصندوق. هنا تتساوى الأطراف في المبدأ، وإن لم تتساوَ في الأدوات والمسؤولية المباشرة.
لا يمكن إنكار أهمية التوافق الوطني في الحالة الفلسطينية. إنه ضروري لمعالجة الانقسام، وتهيئة البيئة السياسية، وحماية العملية الانتخابية، ومعالجة العقبات التي قد تواجهها. والتوافق الوطني ضرورة عندما يحمي الانتخابات، ومشكلة عندما يحل محلها لكن التوافق يصبح إشكالياً عندما يتحول من وسيلة لتسهيل الانتخابات إلى شرط لإنجازها. فالقوى السياسية تستطيع أن تتفق على قواعد المنافسة، وضمان النزاهة، وآليات المشاركة، ومعالجة العقبات. لكنها لا تستطيع أن تتفق مسبقاً على النتيجة التي يفترض أن يحددها الناخب. وهنا يكمن الفرق بين التوافق على قواعد اللعبة والتوافق على نتيجتها، الأول يحمي الديمقراطية؛ والثاني ينتقص من وظيفتها. وقد كان إعلان بكين /يوليو 2024 محطة مهمة في مسار المصالحة الفلسطينية، بما تضمنه من توجهات نحو إنهاء الانقسام وبناء المؤسسات والتحضير للانتخابات. لكن الاتفاقات السياسية، مهما كانت أهميتها، تظل بحاجة إلى ترجمة مؤسسية وشعبية حتى لا يصبح الحوار بديلاً دائماً عن صندوق الاقتراع.
فالوقت الإضافي يمنح القوى السياسية مساحة لإعادة ترتيب التحالفات، ومعالجة الخلافات الداخلية، وبناء مواقع جديدة. وفي المقابل، لا يحصل المواطن على امتياز سياسي مماثل؛ بل يُطلب منه الانتظار مرة أخرى. لهذا فإن أي قرار بتأجيل موعد الاقتراع، إذا وقع، ينبغي أن يخضع لمساءلة واضحة، ما أسبابه؟ ما مدته؟ ما الإجراءات التي ستعالج أسباب التأجيل؟ وما الضمانة لعدم تحوله إلى تأجيل مفتوح؟ هذه الأسئلة لا تستهدف طرفاً بعينه، بل تحمي مبدأ عاماً هو لا يجوز أن يصبح الزمن السياسي امتيازاً للنخب على حساب حق المجتمع في تجديد شرعيته. لا يمكن تجاهل الاحتلال باعتباره عاملاً مؤثراً في العملية الانتخابية. فالقدس، وحرية الحركة، والحواجز، والانقسام الجغرافي، والظروف الأمنية والسياسية كلها تحديات حقيقية. لكن الاعتراف بالعائق لا يعني تحويله إلى حق دائم في تعطيل الانتخابات. التحدي الحقيقي هو كيفية حماية العملية الديمقراطية في ظل هذه الظروف، والتعامل مع العوائق سياسياً وقانونياً وعملياً، بدلاً من انتظار ظروف مثالية قد لا تتوافر. وفي الوقت نفسه، لا ينبغي استخدام الاحتلال لتغطية العجز الداخلي، كما لا ينبغي استخدام الخلاف الداخلي لتجاهل القيود التي يفرضها الاحتلال. المسؤولية الوطنية هنا مزدوجة: مواجهة العائق الخارجي، ومنع تحوله إلى ذريعة لتعطيل الإصلاح الداخلي.
إذا أُجلت الانتخابات مرة أخرى، فلن يكون الأثر مجرد تغيير في تاريخ الاقتراع. سيأتي القرار فوق ذاكرة 2021 وفوق سنوات طويلة من غياب التجديد الديمقراطي. وقد يؤدي ذلك إلى مزيد من تآكل الثقة بالمؤسسات، واتساع الفجوة بين المواطن والنظام السياسي، وترسيخ الاعتقاد بأن الانتخابات يمكن أن تبدأ دون أن تصل بالضرورة إلى نهايتها. والخطر الأكبر هو أن يتحول التأجيل من استثناء تفرضه ظروف محددة إلى طريقة لإدارة الخلاف السياسي. عندها تصبح الشرعية قابلة للاستمرار دون تجديد شعبي، ويصبح التوافق بين النخب بديلاً عملياً عن الاحتكام إلى الناخب. وهنا تنتقل الأزمة من أزمة انتخابات إلى أزمة نظام سياسي. القضية في جوهرها: من يقرر؟ السؤال الفلسطيني اليوم ليس فقط: هل ستجرى الانتخابات؟ السؤال الأعمق هو: من يملك حق تقرير مستقبل النظام السياسي؟ السلطة تملك مسؤولية تنفيذية ومؤسسية أكبر. والفصائل تملك مسؤولية سياسية وشعبية في حماية قواعد التنافس الديمقراطي. وكلاهما، رغم اختلاف موقعه، أمام اختبار واحد: هل يُعاد القرار إلى المواطن أم يستمر إنتاجه داخل دوائر النخبة؟ الديمقراطية لا تعني أن تفوز جهة بعينها، ولا أن تحصل القوى السياسية على النتيجة التي تريدها. الديمقراطية تعني أن تكون النتيجة قابلة لأن يقررها المواطن، وأن تقبل الأطراف بنتيجة الصندوق حتى عندما لا تكون في صالحها. ولهذا فإن المطلوب ليس توافقاً على من يحكم، بل توافقاً على كيف يختار الشعب من يحكم. فالاتفاق على قواعد المنافسة مسؤولية سياسية، أما نتيجة المنافسة فحق للناخب.
إذا كان الخروج من أزمة الشرعية يبدأ من الانتخابات، فإن حماية هذا المسار تحتاج إلى التزامات واضحة لا إلى بيانات عامة: –
أولاً: تثبيت موعد الاقتراع. ينبغي أن يكون 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026 موعداً مستقراً، وألا يُغيّر إلا لسبب استثنائي واضح ومعلن ومحدد زمنياً، مع عدم استخدام الخلافات السياسية أو الحسابات الفصائلية سبباً لتأجيل الاستحقاق.
ثانياً: إبقاء إدارة العملية الانتخابية في إطارها المهني المستقل. يجب حماية لجنة الانتخابات المركزية من التدخلات السياسية، وتمكينها من تنفيذ الجدول الانتخابي وفق القانون وبشفافية كاملة.
ثالثاً: التزام السلطة والفصائل بقواعد المنافسة قبل نتائجها. المطلوب إعلان التزام سياسي واضح باحترام نتائج الانتخابات، أياً كانت، وعدم تحويل الخلاف السياسي إلى وسيلة للطعن في العملية بعد ظهور النتائج لمجرد عدم ملاءمتها.
رابعاً: تحويل التوافق الوطني إلى أداة لإنجاح الانتخابات. يجب أن يتركز الحوار بين القوى السياسية على إزالة العقبات، وضمان المشاركة، ومعالجة قضايا القدس والانقسام والحريات، لا على التفاوض حول نتيجة الانتخابات أو شروط تمنع الوصول إليها.
خامساً: وضع آلية معلنة للتعامل مع العوائق الاستثنائية. إذا واجهت العملية الانتخابية عقبات مرتبطة بالاحتلال، أو القدس أو الحركة أو الأمن، فينبغي أن تكون هناك إجراءات معلنة للتعامل معها، حتى لا يتحول كل عائق إلى سبب مفتوح لتعليق الاستحقاق بأكمله.
سادساً: فتح المجال أمام المواطن لا أمام النخب فقط. الديمقراطية لا تختزل في يوم الاقتراع؛ فهي تتطلب بيئة سياسية تسمح بحرية الترشح، والحملة، والتعبير، والمنافسة، والمراقبة، والوصول المتكافئ إلى الناخبين.
سابعاً: جعل التأجيل، إن أصبح حتمياً، قراراً قابلاً للمساءلة. أي تأجيل يجب أن يكون مسبباً، ومحدداً بمدة، ومرتبطاً بخطة لمعالجة أسباب التأجيل، وألا يتحول إلى تمديد غير محدد للحالة القائمة.
هذه ليست شروطاً لطرف واحد، بل قواعد ينبغي أن تلتزم بها السلطة والفصائل والمرشحون والمؤسسات ذات الصلة، لأن الانتخابات لا تنجح فقط بإجراء الاقتراع، وإنما بقبول قواعده ونتائجه.
بعد أكثر من عقدين من الغياب الانتخابي، لم تعد القضية تحتمل إدارة سياسية مفتوحة بلا أفق زمني. المطلوب ليس انتخابات شكلية، ولا توافقاً ينتج سلطة جديدة من داخل النخبة، وإنما عملية ديمقراطية تعيد للمواطن حقه في الاختيار والمساءلة والتغيير. وهذا يتطلب من السلطة أن تحمي الموعد والمؤسسات والإجراءات، ومن الفصائل أن تحمي مبدأ التنافس وقبول النتائج، ومن الجميع أن يتعامل مع التوافق باعتباره وسيلة للوصول إلى الصندوق لا بديلاً عنه.أما المواطن، فلا ينبغي أن يبقى متلقياً لقرارات تتخذ باسمه ثم يُطلب منه منح الشرعية لأصحابها. لقد طال زمن إدارة الخلاف من فوق، وحان وقت إعادته إلى حيث ينبغي أن يُحسم، عبر إرادة الناخب، فالشرعية لا تُمدد بالتفاهمات، ولا تُحسم بالتوازنات، ولا تُمنح بقرار سياسي؛ إنها تُجدد عندما يُتاح للشعب أن يختار، وأن يراقب، وأن يحاسب، وأن يغيّر. المطلوب اليوم واضح، ثبّتوا موعد الاقتراع، احموا استقلال العملية الانتخابية، افتحوا المجال للمنافسة، عالجوا العقبات بشفافية، التزموا مسبقاً بقبول النتائج، واجعلوا كل توافق سياسي جسراً إلى صندوق الاقتراع لا جداراً أمامه.

