المسار :يقف متحف عصابة «الإيتسل» في حي المنشية المهجّر بمدينة يافا شاهدًا على سياسة طمس التاريخ الفلسطيني واستبداله برواية استعمارية تحتفي بمن احتلوا المدينة، وتتجاهل السكان الذين هُجّروا ودُمّرت منازلهم عام 1948.
وعاد المتحف إلى الواجهة عقب إعلان العثور على حطام سفينة «ألتالينا»، التي كانت تحمل أسلحة ومهاجرين يهودًا لصالح «الإيتسل»، قبل أن يأمر دافيد بن غوريون بقصفها وإغراقها عام 1948 بسبب رفض العصابة تسليم كامل سلاحها للجيش الإسرائيلي الناشئ.
واستغل وزير الأمن القومي في حكومة الاحتلال إيتمار بن غفير الإعلان للمزايدة على بنيامين نتنياهو واستقطاب جمهور اليمين المتطرف، فأعلن اكتشاف السفينة من داخل متحف «الإيتسل» دون التنسيق معه، قبل أن يسارع نتنياهو إلى زيارة المكان والإدلاء بتصريحات بشأنها.
متحف على أنقاض بيت فلسطيني
وبحسب روايات فلسطينية، أُقيم المتحف داخل مبنى كان مملوكًا لعائلة حمامة الفلسطينية، ويتكون من متاجر في طابقه الأول ومساكن في الطابق الثاني، قبل تهجير أصحابه مع سكان المنشية خلال النكبة.
واختارت «الإيتسل» الموقع لما يحمله من دلالة؛ إذ شاركت في احتلال حي المنشية وقصفه وتدمير منازله وتهجير سكانه. ولم ينجُ من الحي إلا عدد محدود من المباني، أبرزها مسجد حسن بيك الذي أصبح معزولًا بين المنشآت الإسرائيلية بعدما كان يتوسط حيًا فلسطينيًا نابضًا بالحياة.
وقال إمام المسجد الدكتور أحمد أبو عجوة إن الاحتلال هدم أحياء كاملة، وفي مقدمتها المنشية، بهدف محو الهوية العربية والإسلامية الفلسطينية وتغيير معالم المكان، مؤكدًا أن المسجد يقع في يافا وليس في تل أبيب كما تحاول الرواية الإسرائيلية تصويره.
تحويل الاحتلال إلى «تحرير»
وينتقد باحثون الطريقة التي يعرض بها المتحف أحداث عام 1948؛ إذ يستبدل مصطلح «احتلال يافا» بتعبير «تحريرها»، ويتجاهل مئات المنازل الفلسطينية التي هُدمت ونحو 13 ألفًا من سكان المنشية الذين تحولوا إلى لاجئين.
ووصف الباحث الإسرائيلي المناهض للصهيونية غيل غيرتل المتحف بأنه نصب للمنتصرين مقام على أنقاض منازل المهجّرين، مشيرًا إلى أن برامجه التعليمية تشوه الوقائع وتحذف الحضور الفلسطيني من تاريخ الحي.
كما شكك غيرتل في الرواية التي يروجها المتحف بشأن ملكية المبنى، والتي تزعم أنه شُيد على يد رجل أعمال يهودي ثم انتقلت ملكيته لاحقًا إلى عائلة فلسطينية بظروف غامضة، معتبرًا ذلك محاولة لصناعة قصة انتقائية تخفي الحقيقة الأساسية: المنشية كانت حيًا عربيًا احتُل وهُجّر سكانه ودُمّرت مبانيه.
وتلخص الباحثة نورما موسي من منظمة «ذاكرات» جوهر التزييف بقولها إن المتحف يعرض أسماء الذين احتلوا المنشية، لكنه يحجب أسماء الذين عاشوا في المبنى والحي وبنوهما، في محاولة لمحو الضحية من المكان وتخليد رواية المحتل.
وهكذا لا يمثل متحف «الإيتسل» مجرد مؤسسة تاريخية، بل أداة لإعادة صياغة الذاكرة؛ إذ يُحوّل احتلال يافا وتهجير سكانها إلى «تحرير»، ويقيم رواية العصابة التي احتلت المكان فوق أنقاض البيوت الفلسطينية التي دمرتها.

