المسار :لم يعد التعامل الإسرائيلي مع وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» مجرد خلاف سياسي أو إداري حول دور وكالة أممية، بل يتكشف تدريجيًا باعتباره جزءًا من صراع أوسع على الرواية والهوية والحقوق السياسية للشعب الفلسطيني. ومن هنا، فإن اقتحام منشآت الأونروا في قلنديا، وما رافقه من خطاب إسرائيلي متصاعد ضد الوكالة، لا ينبغي قراءته باعتباره حادثة أمنية عابرة، بل باعتباره حلقة في مسار يستهدف إعادة تعريف قضية اللاجئين الفلسطينيين وإخراجها من إطارها السياسي والوطني وتحويلها إلى مجرد قضية إنسانية قابلة للإدارة أو الإلغاء. وما رافقها من دعوة سموترش الى تدمير بقية مخيمات الضفة وإزالتها من الوجود.
تكمن خطورة هذا المسار في أن الأونروا ليست مجرد مؤسسة تقدم التعليم والصحة والإغاثة. فمنذ إنشائها، أصبحت الوكالة جزءًا من البنية الدولية التي حافظت على حضور قضية اللاجئين الفلسطينيين في الوعي الدولي، وعلى الاعتراف بوجود مشكلة لاجئين نشأت عن النكبة الفلسطينية. ولذلك فإن استهدافها لا ينفصل عن الصراع حول حق العودة، ولا عن المحاولات المستمرة لإعادة صياغة الرواية السياسية والقانونية للقضية الفلسطينية في محاولة بائسة لكي الوعي الفلسطيني وإعادة صياغته وفق الرؤيا الإسرائيلية والتي يعمل الكيان بكل أجهزته على تكريس ذلك عبر تدمير وإلغاء كل مظاهر توحي وتشير الى قضية اللاجئين الفلسطينيين فالحرب على الأونروا ليست منفصلة عن الحرب على الرواية ويمكن النظر إلى التصعيد الإسرائيلي ضد الأونروا ضمن ثلاثة مستويات مترابطة.
المستوى الأول هو المستوى الميداني، ويتمثل في التضييق على عمل الوكالة، واستهداف منشآتها وموظفيها، وفرض قيود على قدرتها على تقديم الخدمات للاجئين وحصارها مالياً.
أما المستوى الثاني فهو المستوى السياسي، حيث يجري الدفع باتجاه إنهاء دور الوكالة أو تقليصه، بما يسمح بنقل مسؤولية اللاجئين إلى مؤسسات أخرى، وبالتالي تفكيك الإطار الدولي الخاص بقضيتهم.
والمستوى الثالث هو المستوى الرمزي، وهو الأخطر على المدى البعيد؛ لأن المسألة تتعلق بمحاولة فصل اللاجئ عن سياقه التاريخي، وتحويله من صاحب قضية وحق إلى مجرد إنسان يحتاج إلى المساعدة.
وهنا تكمن المفارقة كلما جرى الحديث عن الأونروا باعتبارها «مشكلة إنسانية»، جرى عمليًا إبعاد النقاش عن أصل المشكلة السياسية؛ أي النكبة والاقتلاع والتهجير وغياب الحل العادل لقضية اللاجئين. وليس من الدقة القول إن وجود الأونروا هو الذي ينشئ حق العودة؛ فالحقوق السياسية والقانونية لا تتوقف على وجود مؤسسة إغاثية. لكن الأونروا تمثل أحد أبرز الشواهد الدولية المستمرة على أن قضية اللاجئين لم تُحل، وأن النكبة لم تتحول إلى حدث تاريخي مغلق ولهذا فإن تفكيك الوكالة دون إيجاد حل سياسي عادل لقضية اللاجئين قد يؤدي إلى نتيجة خطيرة تحويل مشكلة سياسية عمرها عقود إلى ملف إنساني دائم، بحيث يصبح المطلوب توفير الحد الأدنى من الخدمات، بدل معالجة أسباب اللجوء وحقوق اللاجئين. وهنا يجب التمييز بين أمرين الدفاع عن الأونروا لا يعني تقديسها أو اعتبارها بديلًا عن الحل السياسي، كما أن المطالبة بإصلاحها لا ينبغي أن تتحول إلى مدخل لإلغاء قضية اللاجئين. المطلوب هو حماية دورها الإنساني والسياسي بوصفها وكالة مؤقتة أنشئت إلى حين إيجاد حل عادل لقضية اللاجئين، لا تحويلها إلى بديل دائم عن هذا الحل.
قد يبدو إيتمار بن غفير، بخطابه المتطرف ومواقفه المعروفة، التعبير الأكثر وضوحًا عن هذا الاتجاه، لكن اختزال القضية في شخصه وحده سيكون خطأ تحليليًا. فالمشكلة أوسع من وزير أو حكومة بعينها؛ إنها مرتبطة باتجاهات سياسية إسرائيلية متصاعدة تسعى إلى إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني سياسيًا وجغرافيًا وديموغرافيًا. ومن هنا، فإن اقتحام منشأة للأونروا لا ينبغي أن يُفصل عن سياق أوسع يشمل الاستيطان، والتوسع في السيطرة على الأرض، والتهجير، وتضييق المجال أمام المؤسسات الفلسطينية، ومحاولات إعادة تعريف الصراع باعتباره مشكلة أمنية أو إنسانية بدل كونه قضية شعب واقع تحت الاحتلال ويطالب بحقوقه الوطنية. المسألة، إذن، ليست في المبنى الذي دخلته قوة أمنية أو سياسية، بل في الرسالة التي يحملها هذا السلوك: هل يجري العمل على تفكيك المؤسسات التي تذكّر العالم بأن هناك قضية فلسطينية لم تُحل؟
لا يمكن تجاهل المسؤولية الدولية عن استمرار هذا المسار. فالمجتمع الدولي يمتلك أدوات سياسية وقانونية واقتصادية قادرة، نظريًا، على ممارسة ضغط حقيقي من أجل حماية المؤسسات الدولية واحترام القانون الدولي. لكن المشكلة تكمن في الفجوة الكبيرة بين الخطاب والممارسة. بيانات القلق والإدانة، مهما كانت ضرورية سياسيًا، تفقد قيمتها عندما لا تتبعها إجراءات ملموسة. كما أن استمرار الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي لإسرائيل من بعض الدول، بالتوازي مع الدعوات إلى احترام القانون الدولي، يكشف عن ازدواجية عميقة في النظام الدولي. ومع ذلك، فإن اختزال المجتمع الدولي كله في موقف واحد ليس دقيقًا؛ فهناك تباينات حقيقية بين الدول، ومواقف مختلفة داخل المؤسسات الدولية، ومساحات يمكن للفلسطينيين استخدامها سياسيًا وقانونيًا ودبلوماسيًا. المشكلة ليست غياب كل أدوات التأثير، بل غياب استراتيجية فلسطينية قادرة على تحويل هذه التناقضات الدولية إلى ضغط سياسي فعلي.
ربما تكون هذه اللحظة اختبارًا أكثر جدية للقيادة الفلسطينية الرسمية. والتي تتعرض بشكل مستمر الى اختبارات جدية لم تواجه أي منها، بل وقفت عاجزة فالاكتفاء ببيانات الإدانة لم يعد كافيًا، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمؤسسة تمس بصورة مباشرة حياة ملايين اللاجئين. وعندما يهجر مئات الناس من أرضهم وعندما تسرق ممتلكاتهم وتهان كراماتهم وتزهق أرواحهم ويحاصرون بكل الوسائل والطرق على يد المستوطنين مدعومين من جيش الاحتلال الفاشي لكن النقد لا ينبغي أن يتحول إلى شعار سياسي مجرد؛ المطلوب هو مساءلة فعلية عن غياب استراتيجية وطنية متكاملة تجاه قضية اللاجئين والأونروا. بل اتجاه مجمل القضايا التي باتت تهدد الوجود الفلسطيني وتبقى أسئلة مفتوحة منذ سنوات أين هي الخطة الفلسطينية للتحرك الدبلوماسي؟ وأين التنسيق مع الدول المضيفة للاجئين؟ وأين التحرك داخل الأمم المتحدة؟ وأين إشراك المخيمات والاتحادات والهيئات الشعبية في صياغة الموقف؟ وأين الربط بين الدفاع عن الأونروا وبين إعادة الاعتبار لقضية اللاجئين باعتبارها قضية سياسية وليست مجرد ملف إغاثي؟ فالقضايا الكبرى لا يمكن أن تُدار بمنطق التجاذب الفصائلي، والا بمنطق التفرد والاستفراد ولا يمكن الدفاع عن حق العودة بفعالية إذا ظل الفلسطينيون منقسمين حول أدوات تمثيلهم وآليات اتخاذ القرار الوطني. والاتفاق على أليات وطرق المقاومة بكل أشكالها وصياغة برنامج نضالي جمعي.
الدفاع عن المخيمات لا ينبغي أن يكون حملة مؤقتة مرتبطة بكل اقتحام أو قرار إسرائيلي جديد، بل يجب أن يتحول إلى جزء من استراتيجية وطنية ودولية طويلة المدى. هذه الاستراتيجية تحتاج إلى خمس مسارات متوازية:
أولًا: المسار السياسي والدبلوماسي بناء تحالف دولي واسع للدفاع عن استمرار الأونروا ودورها في خدمة المخيمات الفلسطينية وضمان تمويلها، مع التأكيد أن إنهاء عملها لا يمكن أن يكون بديلًا عن الحل السياسي لقضية اللاجئين.
ثانيًا: المسار القانوني تفعيل المؤسسات والآليات القانونية الدولية لمواجهة الانتهاكات المتعلقة بالتهجير والاستيطان واستهداف المؤسسات الإنسانية، دون التعامل مع المسار القانوني باعتباره بديلًا عن النضال السياسي والدبلوماسي.
ثالثًا: المسار الشعبي دعم أشكال المقاومة الشعبية والمدنية والقانونية التي ترفع كلفة السياسات الإسرائيلية وتُبقي القضية حاضرة في المجالين الفلسطيني والدولي.
رابعًا: مسار المقاطعة والضغط الاقتصادي تطوير حملات المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات بصورة مدروسة، بحيث تستهدف الجهات المتورطة مباشرة في دعم الاحتلال والاستيطان، وتكون جزءًا من استراتيجية سياسية واضحة لا مجرد رد فعل عاطفي.
خامسًا: إعادة بناء التمثيل الوطني إعادة الاعتبار لمنظمة التحرير باعتبارها إطارًا جامعًا للفلسطينيين في الوطن والشتات، وإشراك اللاجئين وممثلي المخيمات في صناعة القرار المتعلق بقضيتهم، بدل التعامل معهم باعتبارهم جمهورًا لتلقي القرارات.
الخطر الحقيقي لا يكمن في إغلاق مكتب هنا أو السيطرة على منشأة هناك، بل في محاولة إعادة تشكيل الوعي السياسي بالقضية الفلسطينية بحيث يصبح اللاجئ مجرد مستفيد من خدمات، وتصبح النكبة ذكرى تاريخية، ويصبح حق العودة موضوعًا قابلًا للتفاوض من دون ارتباط بأصل القضية. ولهذا فإن الدفاع عن دور الأونروا يجب ألا يتحول إلى دفاع عن مؤسسة بيروقراطية، بل إلى دفاع عن الحقيقة التاريخية والسياسية التي تمثلها قضية اللاجئين. وفي المقابل، يجب ألا يقع الفلسطينيون في خطأ آخر يتمثل في اختزال كل المعركة في الأونروا. فالوكالة ليست القضية، وإنما واحدة من ساحات الصراع على القضية.
المطلوب هو الانتقال من سياسة رد الفعل إلى سياسة المبادرة، ومن البيانات إلى الفعل السياسي، ومن الانقسام إلى بناء إطار وطني جامع، ومن التعامل مع اللاجئين باعتبارهم ملفًا إغاثيًا إلى التعامل معهم باعتبارهم جزءًا أصيلًا من الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية.إن اقتحام احدى مؤسسات الأونروا في قلنديا، أيًا كانت تفاصيله الميدانية والقانونية، يجب أن يكون مناسبة لإعادة طرح السؤال الأهم: كيف يمكن حماية قضية اللاجئين من محاولات تفريغها من مضمونها السياسي، دون الوقوع في أسر مؤسسة واحدة أو انتظار المجتمع الدولي ليتحرك من تلقاء نفسه؟
الإجابة لن تكون في الصراخ وحده، ولا في بيانات الشجب وحدها، ولا في انتظار تسوية تأتي من الخارج. الإجابة تبدأ ببناء استراتيجية فلسطينية تمتلك رؤيا واضحة أهدف محددة، وتعدد أدوات النضال، وتستند إلى القانون الدولي، وتعيد تنظيم القوة الشعبية والسياسية والدبلوماسية الفلسطينية حول هدف واضح: حماية الحقوق الوطنية الفلسطينية، وفي مقدمتها حق اللاجئين في العودة، ومنع تحويل النكبة من قضية سياسية مستمرة إلى مجرد ملف إنساني منسي. وحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس ذات سيادة كاملة على حدود الرابع من حزيران. ويجن ان يسبق ذلك إنجاز الوحدة الوطنية شاملة فهذا الطريق الذي بدونة سوف نبقي ندور في حلقات لا تنتهي .

