المسار : “ولكنّها، نظم شاعر وريشة فنّان وقلم كاتب ومبضع جرّاح وإبرة لفتاةٍ تخيط قميص فدائييها وزوجها” هذا ما قاله مرة الشهيد الراحل ياسر عرفات عن عظمة الثورة الفلسطينية، والتي لو أنها اختُزلت بالبندقية لكانت قاطعة طريق، كما ظلّ يردّد ويؤكد.
ما كان للسردية الفلسطينية التي خطّها دم الشهداء على مدار القرن العشرين ومطلع القرن الحالي أن تغدو عقيدة وجدانية متصلة بالأرض وحق أهلها فيها وعليها، لولا ذلك الإرث من الفن المسموع والمرئي والمكتوب، الذي راكمه الفلسطينيون على طول مسيرتهم النضالية في مقارعة المشروع الصهيوني. ومهما علا صوت البندقية، فإنها تظلّ خرساء غير مسموع صوتها، ما لم يرافقها صوت الحق المبعوث من حنجرة الحدّائين، وأقلام الشعراء والكتّاب، وريش الرسامين والفنّانين في فلسطين وبلاد العرب. وها هو رحيل الفنان التشكيلي سليمان منصور يأتي موجعًا، كما لو أنه طرق بابين معًا، باب الله ومشيئته وباب الفن ومسيرته.
قبل أشهر معدودة، وتحديدًا في شباط/فبراير الماضي، أصدرت مؤسسة الدراسات الفلسطينية كتابًا عنوانه “على درب الغول: سيرة غيرية، مذكرات سليمان منصور”، أعدّت الكتاب الكاتبة والباحثة في الفنون البصرية رنا عناني. وقد تناول الكتاب سيرة الفنّان الراحل وفنّه، مؤرخًا في الوقت نفسه لأبرز التحولات التي طرأت على فلسطين وقضيتها منذ نكبة عام 48، مرورًا بنكسة عام 67، وصولًا إلى الانتفاضتين الأولى والثانية، كما تضمن الكتاب مجموعة صور من أعمال الراحل منصور.
منصور التشتو
يقص علينا كتاب “على درب الغول” سيرة عائلة الفنّان الراحل منصور، إذ لإرث العائلة أثر في ذاكرة سليمان وذائقته، خصوصًا جده لأبيه جريس منصور، إذ إن في العودة إلى سيرة هذا الأخير نافذة تفتحنا على صلة مسيحيي بلادنا بمسيحيي بلاد الشام عبر روابط القرابة والنسب. وقد تزوج جريس الجد من هيلانة الشدياق، جدة سليمان، وهي من عائلة الشدياق الشهيرة من قرية عشقوت المارونية في جبل لبنان. وقد أنجب جريس وهيلانة خمسة أبناء وثلاث بنات، منهم أنيس، والد سليمان. وأهم ما في سيرة العائلة تلك التحولات التي طرأت عليها على مستوى تحويل مذهبها الديني من الأرثوذكسية إلى البروتستانتية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، مع ازدياد حركة التبشير البروتستانتي في فلسطين والشام عمومًا وقتئذ. إذ انضم يوسف منصور، والد جد سليمان، إلى الطائفة البروتستانتية مع نشاط هذه الأخيرة في منطقة القدس وبير زيت، لتكون عائلة منصور من أولى العائلات التي اعتنقت المذهب البروتستانتي، ومعها عائلة ناصر في بير زيت في حينه.
كان لهذا التحول المذهبي كبير أثر على عائلة منصور لناحية اهتمامها بالتعليم منذ أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، فبحسب ما يروي الفنّان الراحل، فإن جده جريس قد ساهم في تأليف أحد أهم الكتب المتصلة بالتاريخ الاجتماعي لبيرزيت والريف الفلسطيني المحيط بها، مثل قرية دير غسانة، بالاشتراك مع باحثين ألمان، وبتمويل ألماني كذلك. وكان جريس منصور من كتب الكتاب فعليًا، باللغة العربية وباللهجة الفلاحية المحكية، كما ساهمت أخته عزيزة منصور، التي كانت تشغل منصب مديرة مدرسة دير غسانة وقتها، في ترجمة بعض نصوص الكتاب من اللغة العربية إلى الألمانية، وصدر في عشرينيات القرن الماضي. ولاحقًا قام الباحث الفلسطيني موسى علوش بإعادة إصدار الكتاب نفسه، بعد تخليصه من نصوصه الألمانية، بعنوان “قصص شعبية فلسطينية: جمعت من فلاحي بلدة بيرزيت بمساعدة جريس يوسف، تعريب موسى علوش”. وقد تقاضى جريس منصور الجد على مساهمته في كتابة ذلك الكتاب أجرًا ساعده على شراء قطعة أرض في بير زيت، بنى عليها الجد أحد أكبر وأفخم البيوت في القرية.
إن في سيرة عائلة الفنان الراحل منصور في كتابه ما يُحيل قارئه إلى تشكّل النخبة الفلسطينية منذ مراحل مبكرة من تاريخ فلسطين الحديث. ومن طريف ما يقصه الفنان الراحل عن جده جريس منصور، الذي تعوّد مخاطبة أهالي قريته في بير زيت بلغة عربية فصيحة مطعمة بلهجتهم المحكية في الوقت نفسه، أنه دخل على مجموعة رجال في بيرزيت متسامرين، وكان الفصل شتاءً، فسألوه عن حال الطقس في الخارج، فأجابهم بالفصحى: “إنها تشتُ”، ومنذ ذلك الحين صار يُطلق على عائلة منصور لقب “دار التشتو”. “ولا يعرفني أهل بير زيت اليوم باسم سليمان منصور، إنما بـ سليمان التشتو”، يقول الراحل في كتاب سيرته.
غير أن لسيرة عائلة منصور وجهًا آخر يؤرخ لذاكرة الوجع الفلسطيني منذ مطلع القرن العشرين. إذ قدمت عائلة منصور حصتها في ذلك الوجع، باختفاء يوسف منصور، العم الأكبر لسليمان، بعد التحاقه قسرًا بالجيش التركي في الحرب العالمية الأولى 1914-1918، “راح ع السفر برلك ولم يعد”، يقول الراحل. ولاحقًا، في ظل الثورة العربية الكبرى 1936-1939 في فلسطين على سلطات الاستعمار البريطاني، استشهد عمه أديب منصور بفعل قنبلة زرعتها عصابة “الإتسل” الصهيونية في دار محطة الإذاعة الفلسطينية في القدس، يوم الأربعاء 2 آب/أغسطس 1939، حيث كان أديب منصور، بعد تخرجه بتخصص الهندسة الكهربائية من ألمانيا، يعمل إلى جانب الشاعر إبراهيم طوقان في القسم العربي من إذاعة “هنا القدس”، وكان أديب مهندس الصوت الوحيد في الإذاعة في حينه. وقد رثى الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان أديب منصور في استشهاده بقصيدة مؤثرة تقول آخر أبياتها:
أبيًّا على الضيم، عفَّ اليدينِ
نقيَّ السريرةِ ممّا يريبُ
فذاك ابنُ عمٍ، وهذا صديقٌ
وذاك عفيفٌ، وهذا أديب…
لكن أقسى ما حلّ بالراحل من ذاكرته عن طفولته كان رحيل جده جريس وأبيه أنيس في أسبوع واحد من عام 1953، وقد قضى والد سليمان، أنيس منصور، شابًا صغيرًا بالمرض، ولم يتجاوز عمر سليمان الابن ست سنوات، إذ ولد الراحل سليمان منصور عام 1947 في بيرزيت. وربما في عمله الأشهر “جمل المحامل” (1973) ما مردّه إلى طفولته ونشأته يتيم الأب.
جمل المحامل
يقول الراحل في سيرته:
“في سنة 1969، عملت الاسكتشات الأولى للوحة، وذلك قبل أن أرسم اللوحة بشكلها النهائي بعد أربعة أعوام. واستوحيت الفكرة من الواقع، فقد صادفت عتالين في الطريق كلما مررت من القدس، بالإضافة إلى اطلاعي على كثير من الصور القديمة لسوق القدس. وألهمني ذلك لرسم لوحة صغيرة للعتال الذي احتل المشهد في المدينة، ورسمته يحمل على ظهره حِملًا كبيرًا عبارة عن ثلاجة وأكياس. وبالتدريج صارت الفكرة تتبلور، وفي النهاية خطر لي أن أضع القدس فوق ظهر العتّال”.
كان سليمان منصور من رسم تلك اللوحة، لكنه ليس هو من أطلق عليها اسمها، فبعد أن حار في تسميتها، يقول: “بدأنا نقترح أسماء، وكان إميل حبيبي وبشير البرغوثي جالسين بالصدفة، فنظر إميل إلى اللوحة مليًا، وقال: سموها “جمل المحامل”، وهكذا أصبح اسمها”. كان إميل حبيبي من اقترح على سليمان منصور اسم اللوحة بعد سنتين من رسمها، سنة 1975، وذلك أثناء لقاء لمنصور بحبيبي عند صاحب مكتب صلاح الدين في القدس، إلياس نصر الله، حيث أراد هذا الأخير طبع ملصق “جمل المحامل” لأغراض تجارية، لجني المال من بيع الملصق.
لاحقًا، وفي مذكراته “شهادة على القرن الفلسطيني الأول”، يحكي إلياس نصر الله حكاية طباعة ونشر لوحة “جمل المحامل”، يقول نصر الله: “ونشرت اللوحة وبدأنا ببيعها على نحو شبيه بالملصقات، فذاع صيتها، ولفتت نظر الصحافيين الأجانب الذين كانوا يرونها معلقة في الواجهة الزجاجية لمكتبنا، فكان الفلسطينيون يقتنون نسخًا منها ويحملونها هدايا إلى أقربائهم وأصدقائهم في الخارج”، كما يذكر نصر الله في مذكراته الخلافات التي وصلت إلى حد الشكاوى والتقاضي في المحاكم الفلسطينية على خلفية سرقة وكالة طبع اللوحة سرًا في مدن الضفة الغربية، مما يجعل للوحة حكايتها غير الحكاية التي تُحيل اللوحة إليها.
رسم الراحل منصور لوحته “جمل المحامل” في مرسمه الأول في بلدة الرام ما بين القدس ورام الله، وفي حديثه عنها في كتاب سيرته، يروي الراحل من سيرة لوحته مواقف وطرائف متصلة بـ”جمل المحامل”، منها يوم أن تقدم لخطبة زوجته حنان من أبيها سنة 1976، يقول: “ولما ذهبت لكي أزورهم في بيتهم، فإذا بملصق جمل المحامل معلقًا في صدر غرفة الضيوف، تفاجأت به، وتشجعت بصورة أكبر على إتمام الخطبة. كان والدها قد اشترى الملصق وعلقه في البيت، دون أن يعرف بأنني الرسام. جلسنا في غرفة الضيوف، وجلس والد حنان قبالتي. نظرت إلى ملصق جمل المحامل بكل فخر وقلت له: هل تعرف من رسم هذه اللوحة؟
فأجاب: لا.
فقلت مبتسمًا: أنا.
فرد قائلًا: “سيبك من هالشغلة يا ابني، وافتح دكان سمانة أحسن لك”.
لم تظلَ لوحة “جمل المحامل” على نسختها الأصلية، إذ أجرى عليها الفنان الراحل تعديلًا في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، بإعادة رسمها مستبدلًا الحبل الذي يستخدمه العتّال العجوز، وذلك بناءً على نصيحة عتّالين من مدينة القدس كانوا قد شاهدوا اللوحة. فعلى عكس الحبل المجدول الذي رسمه الراحل منصور في اللوحة الأولى، كما يقول، فقد استخدم حبلًا مسطحًا، مثل ذلك الذي كان يستخدمه عتّالو القدس فعليًا، والذي يساهم بصورة أكبر في السيطرة على الحِمل منعًا لانزلاقه.
أخيرًا
صوّرت لوحة “جمل المحامل” عتّالًا يحمل مدينته القدس، فيما صارت جدران بيوت فلسطين في مدنها وأريافها ومخيماتها تحمل اللوحة مشكوكة بمسمارٍ، تختزل في ملامحها حكاية أكبر مسمارٍ شكّه الاستعمار في الشرق. ولما قصف الأميركيون عام 1986 باب العزيزية، حيث كان مقر إقامة الرئيس الليبي السابق معمّر القذافي جنوبي العاصمة الليبية طرابلس، كانت لوحة “جمل المحامل” تُطل من بين الركام.
لم يسبق للوحة، في كل إرث الفن التشكيلي الفلسطيني والعربي عمومًا، أن سبق رسمها اسمها، ثم تفوق اسمها على رسمها لاحقًا. وذلك إلى حد تسللت فيه تسمية اللوحة إلى القاموس الاجتماعي والسياسي الفلسطيني والعربي، دون أن يعني استخدام تعبير “جمل المحامل” إشارة أو إحالة إلى اللوحة. وهناك كثيرون لا يعرفون صلة التعبير بوصفه اسمًا للوحة فنية رسمها سليمان منصور الراحل.
لقد تحولت “جمل المحامل”، التسمية، إلى قول مأثور فلسطينيًا وعربيًا، يُحيل إلى دلالته الاجتماعية والنفسية. وأكثر من ذلك، فقد طرأ على التسمية تصحيف “تحوير”، فبدلًا من القول “جمل المحامل”، صار يقال أحيانًا “جبل المحامل”، في إشارة مردّها إلى التسمية إياها.
رسم الراحل سليمان منصور لوحته ورحل، فيما ستظل اللوحة “جمل المحامل” تحمل توقيع صاحبها في أبلغ تصوير عن وجداننا الفلسطيني الجمعي، رسمًا واسمًا…

