مخاوف من تهجيره مجددًا.. «البلقاء» تجمع بدوي يقاوم عنف المستوطنين ويتمسّك بأرضه

المسار : في خيام لا تقي حرَّ الصيف ولا بردَ الشتاء، وتفتقر إلى أدنى مقومات الحياة، يعيش أهالي تجمع “البلقاء” شمالي أريحا ظروفًا إنسانية ومعيشية قاسية، في ظل استمرار اعتداءات الاحتلال الإسرائيلي ومستوطنيه، لتبقى معاناتهم شاهدة على واقعٍ يُدفعون فيه نحو الاقتلاع والتهجير القسري من جديد.
وتجمع “البلقاء” واحدًا من التجمعات البدوية التي استقبلت عشرات العائلات التي هُجرت قسرًا من مناطق شلال العوجا والمعرجات شمالي أريحا ومنطقة النقب، بعدما أُجبروا على مغادرة منازلهم وأراضيهم التي عاشوا فيها لعقود.
ويعتمد سكانه بشكل رئيس على تربية المواشي والرعي، إلا أن مصادرة الأراضي وحرمانهم من الوصول إليها، بسبب اعتداءات الاحتلال ومستوطنيه المتكررة، فاقمت أوضاعهم المعيشية ودفعتهم إلى مواجهة ظروف أكثر قسوة.
عنف المستوطنين 
ممثل التجمع جمال سليمان يتحدث  عن معاناة سكان التجمع ومخاوفهم من تهجيرهم قسرٕا من جديد، وسط تواصل مضايقات واعتدءات المستوطنين بحماية قوات الاحتلال.
يقول سليمان: إن التجمع تعرض ولا يزال لاعتداءات إسرائيلية متكررة، شملت الاقتحامات والضرب والاعتقال، فضلًا عن التضييق على السكان ومنعهم من الوصول إلى المراعي، ما انعكس بشكل مباشر على حياتهم اليومية ومعيشتهم.
ويضيف أن الاعتداءات وصلت إلى الحد من قدرة السكان على التحرك وقضاء حوائجهم العادية، حتى في أبسط احتياجاتهم اليومية، إضافة إلى الاعتداء على المواشي أو تهديدها وسرقتها أو إلحاق الضرر بها، وما يترتب على ذلك من خسائر اقتصادية مباشرة.
وفي الثالث من تموز/يوليو 2025، تعرض التجمع لعملية تهجير قسري نفذها المستوطنون، برفقة قوات من جيش الاحتلال، وسط اعتداء على السكان ومهاجمة رعاة الأغنام، وحرمانهم من مصادر رزقهم.
ويتابع أن المستوطنين انتشروا بشكل مكثف داخل التجمع وتمركزوا أمام منازل المواطنين، ما قيّد حركتهم ومنعهم من التنقل، وأجبرهم على مغادرة منازلهم في التجمع، بعد إخراج ممتلكاتهم منها.
ويصف سليمان “البلقاء” بأنها منطقة صحراوية ومعزولة، يصعب الوصول إليها من مدينة أريحا، كما أنها بعيدة عن القرى والطرق الرئيسية، فيما يعاني الطريق المؤدي إليها من حالة سيئة، ما يجعل السير فيه صعبًا.
معاناة متفاقمة
ولم تتوقف معاناة أهالي التجمع عند هذا الحد، بل يعانون من نقص حاد في الخدمات الأساسية، ولا سيما المياه والكهرباء، فضلًا عن صعوبة في التنقل والوصول إلى المدارس والخدمات الصحية، ما يُفاقم من صعوبة الظروف التي يعيشونها.
وعن التعليم، يوضح أن الأهالي يضطرون إلى توفير مركبات على نفقتهم الخاصة لنقل أبنائهم إلى المدارس في مدينة أريحا، في ظل افتقار التجمع للمدارس، وبعده عن التجمعات السكانية والطرق الرئيسية، ما يضيف أعباء مالية ومعيشية جديدة على العائلات.
ويؤكد سليمان أن التجمع بحاجة ماسة وعاجلة لتوفير الدعم اللازم، وتعزيز صمود السكان في مواجهة سياسة الاقتلاع والتهجير القسري، داعيًا المجتمع الدولي والمؤسسات الدولية والحقوقية لزيارة التجمع للاطلاع على أوضاع سكانه واحتياجاتهم.
وبهذا الصدد، يقول: “خاطبنا العديد من المؤسسات والجهات المختصة، وأطلعناهم على أوضاع التجمع والظروف التي يعيشها السكان، في ظل اعتمادهم على الخيام كمساكن لهم، ونقص الخدمات الأساسية، لكننا لم نتلق أي استجابة”.
ويشدد على أن سلطات الاحتلال تسعى لتهجير كل التجمعات البدوية الفلسطينية، بهدف الاستيلاء على الأراضي لصالح المستوطنات والتوسع الاستيطاني.
ظروف صعبة
وأما المشرف العام لمنظمة البيدر الحقوقية حسن مليحات فيقول إن سكان تجمع” البلقاء” يُواجهون ظروفًا معيشية وإنسانية صعبة، في ظل استمرار الإجراءات والاعتداءات التي تضيق على حياتهم اليومية، وتحد من قدرتهم على الوصول إلى أراضيهم ومراعيهم ومصادر رزقهم.
ويوضح مليحات في حديث له ، أن معاناة السكان تبدأ من الاعتداءات على المساكن والممتلكات، وتهديد الرعاة والمزارعين، ومنعهم أو تقييد وصولهم إلى أراضيهم ومراعيهم، وصولًا إلى مخاطر مصادرة الأراضي والمعدات الزراعية والرعوية، وإقامة بؤر أو منشآت استيطانية في محيط المناطق التي يعتمد عليها السكان في معيشتهم.
ويضيف أن الرعي يشكل مصدرًا أساسيًا للدخل بالنسبة للعديد من العائلات، ولذلك فإن منع الرعاة من الوصول إلى المراعي أو تخويفهم وملاحقتهم، إلى جانب الاعتداء على المواشي أو إطلاق مواشي المستوطنين في أراضي المواطنين، ينعكس بصورة مباشرة على الأمن الاقتصادي والغذائي للأسر، ويزيد من هشاشة السكان وقدرتهم على الصمود في مناطقهم.
ويشير إلى أن سكان التجمعات الرعوية يُواجهون كذلك ضغوطًا مرتبطة بالمياه وسبل الوصول إليها، وتوفير الخدمات الأساسية، واستخدام الأراضي الزراعية والرعوية، ما يجعل الحياة اليومية أكثر صعوبة، خصوصًا بالنسبة للأطفال والنساء وكبار السن، ويؤثر في قدرة العائلات على الاستمرار في المنطقة.
التمسك بالأرض
ووفقًا لمليحات، فإن استهداف التجمعات الرعوية الفلسطينية، يرتبط بمحاولة إضعاف قدرة السكان على البقاء في أراضيهم ودفعهم تدريجيًا إلى مغادرتها، خصوصًا في المناطق التي تتمتع بأهمية جغرافية واستراتيجية أو تقع بالقرب من بؤر استيطانية أو مسارات توسع استيطاني.
ويؤكد أن الأرض بالنسبة لسكان تجمع “البلقاء” ليست مجرد مكان للسكن، وإنما هي مصدر للهوية والعيش والعمل والاستقرار.
ويحذر مليحات من أن استمرار التضييق على هذه المقومات الأساسية قد يؤدي إلى تراجع النشاط الرعوي والزراعي، وفقدان مصادر الدخل، وتفكك قدرة الأسر على الصمود، وزيادة احتمالات التهجير القسري أو النزوح التدريجي.
ويشدد على أن ما يجري في تجمع “البلقاء” يجب أن يُنظر إليه ضمن سياق أوسع يتعلق بحق الفلسطينيين في البقاء على أراضيهم والعيش بأمان وكرامة، ورفض أي سياسات أو ممارسات تؤدي إلى اقتلاع السكان من مناطقهم أو حرمانهم من مقومات الحياة الأساسية.
Share This Article