الصحافة العبرية… الملف اليومي الصادر عن المكتب الصحافي التابع للجبهة الديمقراطية

 الصحافة الاسرائيلة- الملف اليومي

افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات

هآرتس/ ذي ماركر 31/8/2026 

يوجد منطق اقتصادي في جنون الحرب؛ كم من الوقت يمكن أن يستمر؟

بقلم: سامي بيرتس

في شهر أبار 2024، حتى قبل ان يحول الجيش الاسرائيلي الجهد الحربي الى لبنان، وقبل الجولتين ضد ايران، قدر بنك اسرائيل تكلفة الحرب بمبلغ 250 مليار شيكل. كان الجزء المثير للاهتمام في هذا التقدير هو توقع انخفاض مداخيل الدولة من الضرائب، بمبلغ 40 مليار شيكل بالاجمال، نتيجة الحرب. ظهر هذا التوقع منطقي في حينه، بسبب التعبئة الواسعة للاحتياط وعدد المخلين الكبير وتراجع النشاط الاقتصادي لشركات كثيرة.

ظهر هذا الرقم في عروض بنك اسرائيل، لكن بعد سنة تم حذفه منها نهائيا. هذا حدث بعد ان تبين ان مداخيل الدولة من الضرائب لم تنخفض فقط، بل زادت ايضا. 

معروف ان بنك اسرائيل هو جهة محافظة، وقد نشر توقعاته بناء على تحليل مهني، ومع ذلك، اخطأ عندما تجاهل امر بارز طوال الحرب: تجاوزت ايرادات الدولة التوقعات دائما، وهذا يحدث رغم ان نفقات الحرب منذ ذلك التوقع بلغت 420 مليار شيكل، لان الحرب استمرت لفترة اطول من أي توقعات سابقة، وهي تقترب من نصف تريليون شيكل بخطوات واسعة.

هل يتجاهل الاقتصاديون، بمن فيهم كبار المسؤولين في بنك اسرائيل وفي وزارة المالية، شيء ما؟ صحيح ان الاقتصاد اظهر مرونة ملحوظة على مر السنين وقدرة على التعافي السريع من الازمات. ولكن في هذه المرة الامر لا يتعلق بعملية تستغرق اسبوع أو اسبوعين، بل يتعلق بحرب استقطبت في الاشهر الاولى 220 الف جندي احتياط، الامر الذي ادى الى سحبهم من سوق العمل، واخلاء عشرات آلاف السكان من بيوتهم لاشهر كثيرة، واثرت على آلاف الشركات التي تركت بدون موظفين أو زبائن. ايضا تضرر الاقتصاد بسبب الحرب، حيث خسرنا تقريبا 250 مليار شيكل. كان يتوقع ان يؤثر هذا سلبا على مداخيل الدولة، لكن العكس هو ما حدث.

أما بورصة تل ابيب التي هوت في 8 تشرين الاول 2023، لم يستمر الركود فيها طويلا. ففي نهاية 2023 تجاوزت المؤشرات الرئيسية مستوياتها عشية الحرب. وبعد عملية البيجرات في ايلول 2024 وعملية “شعب كالاسد” ضد ايران في حزيران 2025، انتعشت سوق الاسهم، وقفزت المؤشرات بشكل حاد، متجاوزة بذلك أداء وول ستريت. وتضاعفت قيمة الشركات المساهمة العامة منذ 7 اكتوبر وحتى الآن.

خلال الحرب تم خفض التصنيف الائتماني لاسرائيل من قبل وكالات التصنيف الثلاثة. وارتفعت تكلفة زيادة الدين العام بشكل كبير، لكن نحن لم نشاهد في أي وقت انهيار اقتصادي أو ما يشبهه. سال رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الامريكي السابق جيروم باول محافظ بنك اسرائيل البروفيسور امير يارون في احد اللقاءات عن وضع اقتصاد اسرائيل في ظل الحرب. فاجان يارون: كما يقول شعار “نايكي”، نحن ببساطة نفعلها. 

الروح الاسرائيلية

يطلق البروفيسور مومي دهان من كلية السياسة العامة في الجامعة العبرية على ذلك “الروح الاسرائيلية”، وهي القدرة على التكيف والاجتهاد واجتياز الصعوبات وادراك ضرورة النهوض والعمل والشراء والعيش. وهذا له دلالة اقتصادية هامة جدا. 

خلال عملية “زئير الاسد” حيث كانت الصواريخ تطلق هنا وهناك، وكنا نضطر الى التوجه الى الملاجيء عدة مرات في اليوم، سنحت الفرصة للمحافظ يارون لاجراء مقابلة مع الـ “سي.ان.ان” في مكاتب بنك اسرائيل في تل ابيب. كان الوقت تقريبا في منتصف الليل بسبب الفرق في التوقيت. عند مغادرته المكتب نظر الى شارع نحلات بنيامين وشاهد هناك مطاعم مليئة وحركة نشطة للناس. وعندما كان يسافر في سيارته لحق به احد اتباع حركة حباد ونفخ في البوق وحياه. كل ذلك حدث في حين كانت ايران تطلق الصواريخ والمسيرات كل يوم هنا. هذه هي الروح الاسرائيلية ايضا، ولها تاثير على مرونة الاقتصاد. هذا يذكرنا باقوال غولدا مئير للسناتور الشاب جو بايدن، عندما كان قلق جدا اثناء حرب يوم الغفران: “نحن اليهود لدينا سلاح سري – ليس لدينا مكان آخر لنذهب اليه”.

ان مرونة الاقتصاد تثير الاعجاب. فخلافا للازمات السابقة طالت الحرب الحالية بشكل غير معتاد، الامر الذي ادى الى زيادة متكررة وكبيرة على ميزانية الدفاع، ونفقات مدنية بلغت عشرات مليارات الشواقل، وخروج عشرات آلاف الاشخاص من سوق العمل، وتغيرات لا حصر لها في التوقعات الاقتصادية. ثلاثة عوامل ساهمت في استمرار هذه الحرب الطويلة، الامر الذي يناقض المفهوم الاسرائيلي التقليدي للامن: جنود الاحتياط الذين تم استدعاءهم مرارا وتكرارا، المساعدات الامريكية بالدولار، المشاركة الفعالة في الحرب على ايران واستقرار الامن.

ما الذي مكن الاقتصاد وسوق الاسهم من هذه المرونة المدهشة رغم سيل الاخبار عن الشرور التي واجهناها في السنوات الثلاثة الاخيرة؟ هل يمكن ان يكون هناك منطق اقتصادي في جنون الحرب؟ والاكثر اهمية من ذلك هو هل ستستمر هذه المرونة، حتى لو لم يتم اتخاذ القرارات الشجاعة والصعب التي يجب اتخاذها في القريب كي يعود الاقتصاد الى المسار الصحيح؟.

يتفق كبار رجال الاقتصاد على ان السبب الرئيسي لمرونة الاقتصاد هو نقطة دخوله الى الحرب مع عجز منخفض، ونسبة دين للناتج المحلي الاجمالي منخفضة نسبيا، 60 في المئة. وقد مكن هذا الحكومة من زيادة النفقات والدين العام بحوالي 400 مليار شيكل لتمويل الحرب بدون التعرض لصدمة كبيرة.

يقول يانيف باغوت، نائب رئيس بورصة تل ابيب: “كانت نسبة الدين للناتج المحلي الاجمالي عند الدخول الى الحرب 60 في المئة، وفي العام 2000 بلغت هذه النسبة 120 في المئة، أي تقريبا الافلاس. في حينه اضطررنا الى طلب ضمانات لديوننا من الولايات المتحدة، ومنذ ذلك الحين ساد الانضباط المالي وشهدت نسبة الدين للناتج المحلي الاجمالي انخفاض تدريجي ومستمر، وهذا هو الرقم الاساسي. فنسبة الدين المنخفضة للناتج المحلي الاجمالي هي ما يسمح للحكومة بالاقتراض ودفع رواتب جنود الاحتياط والمخلين والفئات الضعيفة التي تضررت بسبب الحرب. 

اليوم يبلغ الدين حوالي 70 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي. وحسب بنك اسرائيل فان زيادة ميزانية الدفاع بمبلغ 400 مليار شيكل في العقد القادم، وقطع المساعدات الامريكية، سيرفع هذه النسبة الى 84 في المئة، وهذا يتطلب اتخاذ خطوات جذرية لخفض الدين. 

الحكومة اصبحت جهة توظيف ضخمة

لقد ادت التعبئة الجماعية للاحتياط في الايام الاولى في اعقاب 7 اكتوبر الى تغيير جذري في الاقتصاد. فقد اصبحت الحكومة جهة توظيف اكبر مما عليه في الظروف العادلة. يقول يوئيل نفيه، كبير الاقتصاديين السابق في وزارة المالية: “تاثر النمو بالحرب، لكن حتى النمو الطفيف الذي شاهدناه كان نتيجة النفقات الحكومية. لقد اصبحت الحكومة جهة توظيف ضخمة تضخ اموال كثيرة، حتى على من ليس لديهم وظائف والذين انضموا لقوات الاحتياط، وانتقلوا من وحدة الى اخرى. هذا ضخ كبير للاموال في صفوف قوات الاحتياط، وتعويضات للشركات والمخلين. وقد دعم هذا الامر الاقتصاد بشكل كبير على حساب زيادة الدين العام”.

هذه هي ميزة احصاءات المحاسبة الوطنية: عندما تزيد الحكومة النفقات، حتى لو كانت موجهة لقذائف الدبابات أو ايام الاحتياط أو تعويضات المخلين، فانها تزيد الناتج المحلي الاجمالي.

بلغ اجمالي النفقات على جنود الاحتياط 108 مليار شيكل منذ بداية الحرب (مقارنة مع 2.5 مليار شيكل سنويا قبل الحرب). وقد انعكست هذه النفقات الكبيرة على شكل زيادة في مدفوعات الضرائب، نظرا لارتفاع دخل الكثير من جنود الاحتياط خلال الحرب. وتشير تقديرات مصلحة الضرائب الى ان دفعات الضرائب لجنود الاحتياط زادت خلال الحرب بحوالي 6 مليارات شيكل.

ومن العوامل الاخرى التي ساهمت في تخفيف الضغط، الاحتياطي الكبير من العملة الاجنبية المتراكم في بنك اسرائيل، الذي بلغ 239 مليار دولار امريكي في نهاية شهر تموز. وقد خصص بنك اسرائيل 30 مليار دولار لمنع انهيار الشيكل في الشهر الاول للحرب، وقد نجحت هذه الخطوة، حيث لم يستخدم الا 8 مليارات دولار، وتم وقف انهيار الشيكل. 

ويرى دهان ان الاحتياطي يعتبر نقطة قوة مهمة: “بدأ تراكم احتياطي العملة الاجنبية في بنك اسرائيل اثناء فترة ولاية المحافظ ستانلي فيشر، لاسباب تتعلق بالحفاظ على سعر الصرف، ولولا هذا الاحتياطي لما انخفض التصنيف الائتماني لاسرائيل فقط، بل كان سينهار”.

انخفض التصنيف وارتفعت الضرائب

انخفض التصنيف الائتماني بالفعل في اعقاب الحرب. هذا كان من وجهة نظر معينة مفيد للاقتصاد، لان وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ادرك ضرورة اتخاذ خطوات اقتصادية لطمأنة الاسواق بان الوضع تحت السيطرة، ومنع المزيد من خفض التصنيف. هذا ما ادى الى زيادة ضريبية بلغت حوالي 30 مليار شيكل في السنة في بداية العام 2025. لقد تم رفع ضريبة القيمة المضافة الى 18 في المئة، وزاد اسهام التامين الوطني والضرائب الصحية، وتم توسيع نطاق الضريبة التكميلية على اصحاب الدخل، وفرضت ضريبة على الارباح غير الموزعة للشركات، الى جانب تجميد زيادة الاجور في القطاع العام. كان هذا اهم قرار اتخذه سموتريتش خلال فترة توليه لوزارة المالية.

يعتبر التصنيف الائتماني لاسرائيل عامل مهم، لكن وكالات التصنيف تركز الاهتمام بالاساس على الدين الخارجي، في حين انه في الواقع يمتلك الشعب في اسرائيل معظم ديون الحكومة. تبيع الحكومة سندات دين لهذا الشعب كل يوم اثنين في بورصة تل ابيب، عن طريق اصدار سندات واعادة تدويرها. تشتري هذه السندات صناديق التقاعد وصناديق التوفير وصناديق الاستثمار المشتركة التي تدير توفيرات الشعب. منذ 7 اكتوبر جمعت الحكومة 564 مليار شيكل من المؤسسات في اسرائيل، و133 مليار شيكل فقط من الخارج. هذا اسهام آخر من الشعب الذي يخدم ويعمل ويوفر ويدفع الضرائب، فهو ايضا يمول تكلفة الحرب من مخصصات تقاعده. ماذا كنا سنفعل بدونها؟.

قال باغوت: “من يأتي الى اصدارات الدولة؟ المؤسسات اولا وقبل كل شيء”. 85 في المئة من الدين هو محلي. في 7 اكتوبر عرفنا ان دولة اسرائيل ستصدر سندات في يوم الاثنين في اصدار مخطط له مسبقا. ناقشنا مسالة فتح البورصة أو لا، كانت تساؤلات حول كيفية وصول الناس الى اماكن عملهم خوفا من وجود ارهابيين في الخارج. في النهاية فتحنا البورصة وتم الاصدار. الاموال المؤسسية هي بمثابة صمام الامان للدولة ومحرك النمو الاقتصادي، ومن ثم ترتبط بالشركات المسجلة. 

الذكاء الاصطناعي وسباق التسلح حركا الاقتصاد

الاسباب الاخرى التي سمحت للاقتصاد بالحفاظ على المرونة لم تعد ترتبط بالحكومة الحالية أو الحكومات السابقة. مثلا، طفرة الذكاء الاصطناعي. اجريت الانتخابات الاخيرة في 1 تشرين الثاني 2022، وبعد عشرين يوم تم اطلق تشات جي.بي.تي. بلغت قيمة شركة “انبيديا” العملاقة في مجال الرقائق، 337 مليار دولار في بداية تشرين الثاني 2022، والان تبلغ قيمتها 5.5 تريليون دولار. تعتبر اسرائيل من اكبر المستفيدين من هذا الصعود الصاروخي بفضل استحواذ شركة “انبيديا” على شركة “ميلانوكس” في 2020. وقد ساهم هذا الاستحواذ بشكل كبير في تعزيز الناتج المحلي الاجمالي لاسرائيل، الذي يتضمن بند يمثل حصة “ميلانوكس” من المعرفة المستخدمة في تصنيع رقائق “انبيديا” في الخارج. 

لقد نما الاقتصاد بنسبة 3.2 في المئة في النصف الاول من العام 2026، ولكن لولا تاثير “انبيديا” لكان النمو بلغ 1 في المئة فقط.

ومن المساهمات اللافتة الاخرى، بيع تطبيق “ويز” لشركة “غوغل” مقابل 32 مليار دولار، الذي ضخ في خزينة الدولة عائدات ضريبية تقدر بـ 10 مليار شيكل. ومن المفارقة ان اساف ربابورت، الرئيس التنفيذي لشركة ويز واحد مؤسسيها، وايال فالدمان، مؤسس “ميلانوكس”، كانا من اشد معارضي الانقلاب، وحذرا في السابق من انه سيؤدي الى تحويل الاموال الى الخارج. في الواقع هما الاكثر تاثيرا على زيادة مداخيل الدولة خلال الحرب. 

الحروب عادت الى الواجهة ليس فقط عندنا، بل في اوكرانيا ايضا، الامر الذي ادى الى سباق تسلح محموم في اوروبا، لا سيما في الدول القريبة من روسيا، ونتيجة لذلك تضاعفت طلبات الشراء المتراكمة لدى اكبر ثلاث شركات امنية اسرائيلية – صناعات الفضاء الاسرائيلية، “البيت” و”رفائيل”، ثلاثة اضعاف تقريبا، من 100 مليار شيكل في 2020 الى 270 مليار شيكل في الوقت الحالي. ايضا تستفيد شركات مشهورة اقل من هذا التوجه، لا سيما في مجال معدات الامن التي تجتاح اوروبا. فقد قفزت قيمة شركة “اريت” للصناعات، التي تنتج الصمامات الالكترونية للمدفعية وقذائف الهاون والصواريخ من خلال شركاتها التابعة، عشرة اضعاف منذ 7 اكتوبر. أما شركة “نيكست فيجن” التي تطور، ضمن امور اخرى، انظمة كاميرات للطائرات المسيرة، فقد تم تسجيلها في بورصة تل ابيب في حزيران 2021 بقيمة 407 مليون شيكل، والان قيمتها تبلغ 19.3 مليار شيكل.

ويعتقد نفيه ان اداء سوق الاسهم اقل اهمية من المسار العام للاقتصاد. ويقول ان “زيادة الميزانية ناتجة عن مدخرات قسرية تتدفق بكمية كبيرة الى سوق الاسهم. اذا تغيرت الحكومة فقد نشاهد قفزة اخرى في سوق الاسهم، لكن السؤال هو ما هو وضعنا على المدى البعيد؟. عندما تهدأ الامور سنعرف ان وضعنا الاستراتيجي اسوأ، وليس افضل. والسؤال الرئيسي هو ما هو الوضع الامني الذي سيسود في السنة القادمة؟. اذا كانت ميزانية الدفاع ضخمة فستخنق الاقتصاد. تكمن المشكلة الاخطر في غياب الرقابة على ميزانية الدفاع، هي ذات عواقب وخيمة، ويستحيل التخطيط لأي شيء كهذا”.

في الفصل التالي والاخير: هل يجب مضاعفة ميزانية الدفاع، ومن الذي سيدفع الفاتورة؟.

——————————————

هآرتس 31/8/2026 

الطرد، وليس الدولة الفلسطينية، هو المطروح على جدول الاعمال

بقلم: عميره هاس 

موقف غادي ايزنكوت من اقامة الدولة الفلسطينية لا يعتد به. فالمسالة الان لا تتعلق بـ “حل سياسي” بل بوجود الشعب الفلسطيني نفسه بين البحر والنهر. القوى اليهودية التي تسعى الى “اخفاءهم” لا تعرف الحدود أو القيود. انصارها اكثر من ان نعتمد فقط على صمود هذا الشعب وقدرته على التحمل، أو ان نتعلم من خطط الطرد التي نفذتها اسرائيل بالفعل ضدهم. 

العالم يقف مكتوف الايدي، اليسار ضعيف وضئيل وصوته مبحوح من كثرة التحذير، المعارضة الواقعية تتارجح بين التقليل من الخطر، اللامبالاة ودعم الطرد، الادانات المتفرقة التي تاتي على الاغلب بسبب تغريدة السفير الامريكي، تشبه ارتداء منخل في يوم ماطر. في نهاية المطاف تشن الكتائب اليهودية هجماتها باستمرار وفي كل مكان، وليس فقط في قسرة. النقاش اصبح حول دولة واحدة أو دولتين أو اتحاد، اكثر تنظيرا من أي وقت مضى. ومن اجل التوصل الى حل متفق عليه يجب الاعتراف بالمشكلة والاتفاق عليها. لقد تم تضليل الكثير من اليهود في اسرائيل، للاعتقاد بان المشكلة تكمن في وجود شعب فلسطيني له جذور، واستمرارية تاريخية واقتصادية، ورأس مال ثقافي ومادي، وتراث زراعي غني، وحب للوطن ويعيش في هذه الارض. المحو هو الحل للكابوس الذي يكتب كل يوم. قوانين الكنيست والبيانات السياسية والاوامر العسكرية والكتب التعليمية وقوى العقارات المقدسة في غزة والضفة الغربية والنقب – كلها معا أو منفردة – تروج لهذا “الحل” بجدية وبدون خوف من غير اليهود.

تهدف سياسة اسرائيل الى جعل حياة الفلسطينيين بائسة اينما كانوا، حتى يتم تعريف مفهوم الهجرة بانه ارادة حرة. وفي اسرائيل نفسها تمنح السلطات حرية مطلقة للمنظمات الاجرامية العربية لتسليح نفسها وقتل المدنيين الفلسطينيين في بيوتهم، وفي الضفة الغربية تعطي السلطات الاسرائيلية نفسها قواتها الحرية المطلقة في التسلح والقتل والتهجير، في حين يواصل الجيش النظامي هجماته صبح مساء. وفي غزة المنكوبة والعطشى تجند الحكومة والجيش مليشيات مسلحة من المتعاونين المجرمين، ويواصل الطيارون اطلاق صواريخ انتقامية تحصد ارواح المزيد من الاطفال. كل هذه الممارسات، المدفوعة بهيرمون التيستوستيرون مترابطة. 

في نفس الوقت تدمر اسرائيل أو تقلص الى ادنى حد محتمل سبل عيش الفلسطينيين. في غزة يتم انجاز المهمة. مجتمع حي يقوم على التبرعات، 2 مليون شخص مع حوالي 74 الف قبر جديد، عائلات وذكريات، مواهب ومهن ومدخرات تبخرت، يكتظون في حوالي 150 كم مربع من الارض المحروقة. الابداع والابتكار والتضامن يتضاءل امام الدمار والحظر الاسرائيلي على اعادة الاعمار والتاهيل. في الضفة الغربية تحكم وزارة المالية قبضتها المالية على حوالي 3 ملايين شخص وعلى السلطة الفلسطينية. وينضم نهب الدخل المتكرر الى حملات التدمير للجيش في المدن وفي المخيمات، وغيرها من الاساليب التي تمنع الفلسطينيين من فلاحة اراضيهم وتنميتها: الحواجز، القيود البيروقراطية، الاسوار والرعاة اليهود. وفي اسرائيل نفسها كان تهويد الجليل والنقب، وما زال، مصطلح مخفف لسرقة الاراضي والموارد من الفلسطينيين، مواطني اسرائيل. دائما كان التمييز ضدهم في المخصصات والاعانة والعمل وحظر البناء والهدم، سياسة رسمية داخل الخط الاخضر. 

دعونا نكرر، ان وجود الشعب الفلسطيني بين البحر والنهر اليوم في خطر. هناك عوامل كثيرة تساهم في هذا الخطر: القوة العسكرية الاسرائيلية وقدراتها، تقديس الخدمة العسكرية تحت أي ظرف وفي ظل أي حكومة، الطاعة كقيمة، السلاح والهجمات العسكرية كخيار تلقائي، تطبيع ظاهرة اضطراب ما بعد الصدمة والانتحار في اوساط الجنود، اغراءات الحياة العسكرية وما تفتحه من ابواب، اغراءات امتلاك فيلا في متسبيه في الجليل أو في ضاحية استيطانية في السامرة بسعر شقة، اكاذيب الدعاية الرسمية وغير الرسمية، اللامبالاة تجاه الجحيم الذي صنعته اسرائيل في قطاع غزة، انكار ستين سنة من الاحتلال والحكم القسري، الرد الآلي “لكن 7 اكتوبر”، تضافر جهود الجيش والحكومة والحاخامات مع المليشيات التي ترتدي القبعة المنسوجة، اللامبالاة تجاه تدمير لبنان، تجاهل احتلال المزيد من اراضي سوريا، تطبيع خطاب التهجير، الانظمة القانونية والتعليمية الملوثة بالعنصرية، العلمانية والدينية، وجيش السجانين الذي ينكل بآلاف السجناء الفلسطينيين كما يشاء.

هذه العوامل وغيرها تشكل البنية التحتية، المادية والايديولوجية والنفسية، في المجتمع اليهودي الاسرائيلي لتنفيذ عملية تهجير جماعية اخرى للفلسطينيين، وما يرافقها دائما من جرائم القتل الجماعي. يعلن ابطال المليشيات اليهودية جهارا بان التهجير هو هدفهم، وهم يعرفون تماما استعداد قطاعات واسعة في المجتمع اليهودي الاسرائيلي للمشاركة بنشاط وطواعية، بشكل مباشر وغير مباشر، في تحقيق هذا الهدف. في استفزازاتهم وجرائمهم اليومية، في وضح النهار – وهو امر ما كان ليحدث لولا الدعم المؤسسي – تسعى هذه الكتائب باستمرار الى اثارة رد فعل فلسطيني غاضب وانتقامي، سيستخدم كشرارة لاشعال حرب مقدسة جديدة. تعتمد الكتائب اليهودية ومنظمات اليمين التي تغذيها على حشد واسع النطاق يشمل قادة وناخبي وانصار “يشار” و”الديمقراطيين” – لحرب يمكن وصفها بالفعل انها “شعب واحد، جيش واحد، ارض واحدة خالية من العرب”.

——————————————

 

هآرتس 31/8/2026 

الحرب ستنشب في 27 اكتوبر

بقلم: روغل الفر 

تعرض استطلاعات مهنية ومصداقة في قنوات 11 و 12 و 13 صورة ثابتة: ليس لبنامين نتنياهو فرصة للفوز في الانتخابات. كتلة المعارضة في ميل تعزز دائم، تلامس الـ 61. غادي آيزنكوت يوسع الفجوة عن نتنياهو بالملاءمة لرئاسة الوزراء. فاي أدوات توجد لدى نتنياهو لمنع خسارته وتنحيته عن منصبه فيما أن محاكمته لا تزال جارية؟ يمكنه أن يحاول تزوير النتائج، لكن تعالوا نفترض ان لجنة الانتخابات المركزية ستحبط ذلك. يمكنه أن يدعي بان المعارضة والدولة العميقة زورتا النصر بهدف اسكات “إرادة الشعب” واسقاط رئيس وزراء يميني. 

الكثيرون من بين مصوتيه سيصدقون بالفعل بان الدولة العميقة التآمرية سرقت لهم الانتخابات. وهم لا يؤمنون باستقامة جهاز القضاء كما يؤمنون بان الاستطلاعات في القناتين 14 و 15، والتي تتنبأ بثبات بانتصار الائتلاف بفارق نحو 10 مقاعد تعكس الواقع كما هو. وعليه فعندما ستأتي نتائج مختلفة جوهريا في يوم الانتخابات، سيستنتجون بان هذا كان تزويرا. 

هذه المواجهة المحتمة لا تزال بانتظار المجتمع الإسرائيلي. وهي ستبدأ منذ ليل الـ 27 أكتوبر مع تلقي نتائج العينات المختلفة في القنوات المستقلة وفي القنوات الحكومية، استمرارا للاستطلاعات المتضاربة. نتنياهو لن يعترف بالهزيمة، لن يتصل لتهنئة آيزنكوت وسيرفض نقل الحكم بشكل مرتب. ستنشأ هنا جلبة. يمكن القول انها جلبة الرب. لان الرب سيؤدي دورا مركزيا في تفكير المعسكر الديني – الكهاني – الحريدي. 

لا يمكن أن نعرف كيف سينتهي هذا الصدام المقدمة لحرب أهلية. هذه لعبة مبلغها الصفر. فوز نتنياهو سيعتبر في أوساط كثيرين في المعارضة كنهاية إسرائيل في الدولة التي هم معنيون او حتى قادرون على أن يعيشوا فيها، وكل من يمكنه سينضم الى الموجة الكبيرة على أي حال من الفرار الليبرالي من هنا. فوز المعارضة سيعتبر في أوساط الكثيرين من مؤيدي الحكومة كخطر وجودي، الآخرة التي مسموح عمل كل شيء من اجل تحققها. ولهذا فلا يوجد مكان لحل وسط. 

بغياب اجماع على إجراءات متفق عليها لحل الخلاف، ستنشأ فوضى. هذه ستخدم نتنياهو الذي تعد الفوضى بالنسبة له مبرر وجوده، والذي لا يزال يمسك بزمام الحكم. اما إسرائيل، التي تدار منذ الان بشكل جزئي جدا، فستدخل في معمعان خطير. كنتيجة لذلك ستتخذ صورة الضعيفة والهشة في عيون اعدائها. عمليا، الغالبية الساحقة من الجمهور الإسرائيلي سيشعر بان الدولة خانته وتركته لمصيره، ومن شأنه ان يتصرف بموجب ذلك عندما يستدعى الى العلم. 

الضفة، التي يتعامل معها نتنياهو كبرميل يملاءه بالمواد المتفجرة ويلقي اليه بعود ثقاب، يوجد منذ الان على شفا انفجار. في أجواء الفوضى المتزايدة من شأن الإرهابيين اليهود المدعومين من الحكومة أن يصعدوا أعمالهم. اذا لم تنفجر الضفة قبل الانتخابات، فانها ستنفجر فورها. والجيش المتآكل والمنهك، المنهار تحت العبء، سيعاني من نقص حاد في القوات. إسرائيل ستكون معزولة في العالم.

حزب الله سيشخص فرصة، حماس ستشخص فرصة. تركيا وقطر ستشخصان فرصة. وهكذا أيضا الحوثيون، وربما حتى ايران. حرب أهلية، وفي حبلها السري انتفاضة معربدة ودامية. الانفجارات ستعود الى مراكز المدن. الحرب ضد الأعداء من الخارج ستنسي او للأسف ستؤجل الحرب الداخلية على نتائج الانتخابات. المتفائلون والعميان ممن يؤمنون بان نتنياهو سيسير الى زنزانته في السجن بعد الانتخابات، سيتبين لهم ان الحرب ضده بدأت فقط في 27 أكتوبر. 

——————————————

يديعوت أحرونوت 31/8/2026 

إجلاء واعتقالات وأدوات اقتصادية

بقلم: اليشع بن كيمون

تتوقع الشرطة وجهاز الأمن العام (الشاباك) اعتقال المشتبه بهم في أحداث العنف التي شهدتها قرية قصرة في السامرة يوم السبت قريبًا. التحقيق جارٍ، وأسماء المشتبه بهم معروفة، وقد بُذلت محاولات لاعتقالهم.

صودرت ثلاث سيارات استخدمها مثيرو الشغب اليهود في موقع الحادث يوم السبت، لكن يبدو أنها سيارات “مشطوبة” (سيارات أُخرجت من الخدمة ولم تعد مسجلة)، لذا فليس من الواضح ما يمكن استخلاصه منها كدليل.

أمس، اتهمت الشرطة الجيش الإسرائيلي، الذي وصل إلى موقع الحادث لكنه لم يُلقِ القبض على أحد. كما زعم مصدر في الشرطة أن المسؤول العسكري وجّه قوات الشرطة إلى موقع آخر، وليس إلى موقع الحدث، عند وصولها. رفض الجيش الإسرائيلي هذه الادعاءات، موضحًا أن قواته وصلت بسرعة، لكنها كانت صغيرة جدًا وغير قادرة على إجراء اعتقالات. وقال الجيش أمس: “لا يستطيع الجيش الإسرائيلي التعامل مع هذا الحدث بمفرده. نحن بحاجة إلى خطة وطنية شاملة وتعاون من مختلف الجهات، بما في ذلك الرعاية الاجتماعية والتعليم”.

وأوضح الجيش الإسرائيلي أنه يعمل بإمكانيات محدودة، لكنه يبذل قصارى جهده. وأضاف: “لا يمكن توجيه الاتهامات إلى الجيش وحده”. هذا حدثٌ يجب على الجميع المشاركة فيه، فهو يُلحق بنا أضرارًا جسيمة على جميع الأصعدة.

ولمكافحة العنف القومي، تعتزم قيادة المنطقة الوسطى وفرقة يهودا والسامرة مواصلة موجة إخلاء البؤر الاستيطانية غير القانونية – التي بدأت جولة التصعيد الحالية – لاعتقال العناصر المشتبه في قيادتها للأحداث في قصرة، وفي الوقت نفسه تكثيف استخدام الأدوات الاقتصادية. والهدف هو الاستيلاء على المعدات الثقيلة والأثاث وكل ما يمكن الاستيلاء عليه أثناء إخلاء البؤرة. وأوضح مصدر أمني: “لقد أثبتت هذه الأداة فعاليتها الكبيرة”.

طمس الحدود

يتمثل الهم الرئيسي في الجيش الإسرائيلي في تزايد حدة طمس الحدود بين المناطق (أ) و(ب) و(ج)، وتغلغل العناصر الأكثر تطرفًا فيها. إذ يدخل مثيرو الشغب اليهود هذه المناطق تحديدًا، مدعين أن الأمر يتعلق بالأيديولوجيا والريادة، ثم يشنون الهجمات. وأوضح مصدر أمني: “إنهم يُلحقون الضرر بالمشروع الاستيطاني برمته، ويُلحقون الضرر بالجيش الإسرائيلي. لا يُبالون بشيء”. وأضاف: “علينا مواجهتهم بالحكم الرشيد والحزم في تطبيق القانون، ومن يُمكن علاجه ودمجه في برامج أخرى. انظروا إلى عدد الشباب الذين نقلناهم إلى مزارع في التلال، وقد نجح الأمر، ثم يأتي هؤلاء المتطرفون ويدمرون كل شيء”.

إن وصول التوتر إلى منازل الفلسطينيين في المنطقة “ب” يُثير قلقًا بالغًا لدى الجيش الإسرائيلي، خشية أن يردوا بالعنف ويُقوّضوا الوضع الأمني، وهو خوفٌ يتزايد حدّته عشية فترة الأعياد الحساسة وقبيل الانتخابات.

ولمنع تصعيد الاشتباكات، تعتزم قوات الأمن تركيز جهودها على التعامل مع مثيري الشغب، الذين يُوصفون بأنهم “أهدافٌ شخصية”. ووفقًا لمصادر أمنية، فهم من يُوجّهون الأحداث، ويستدعون “التعزيزات”، ويُشعلون فتيل الصراع. كما أنهم ينتقلون من مكانٍ إلى آخر حسب الحاجة.

لقد كان الهجوم على قرية قصرة يوم السبت جزءًا من سلسلة أحداث عنف مستمرة منذ سنوات، يرتكب فيها اليهود أعمال عنف ضد السكان الفلسطينيين وقراهم وحقولهم. وقد تصاعدت هذه الأحداث بعد تشكيل حكومة نتنياهو السابقة، وتفاقمت منذ مجزرة 7 أكتوبر. وتصدر الحكومة بين الحين والآخر إدانات ضعيفة، وتستجيب الشرطة أحيانًا بالاعتقالات، لكن ذلك لا يوقف هذا التوجه، وعدد لوائح الاتهام الموجهة ضد مثيري الشغب اليهود ضئيل، على الرغم من الثمن الباهظ الذي يدفعه الفلسطينيون من أرواح وممتلكات.

في أغلب الأحيان، يهدف مثيرو الشغب إلى جعل حياة الفلسطينيين بائسة، وبالفعل، في السنوات الأخيرة، هجرت بعض التجمعات البدوية أماكن سكنها، لكن حتى القرى الدائمة، مثل قصرة، تتعرض للهجوم.

على الرغم من انتشار أحداث العنف في الضفة الغربية، تصر المؤسسة الأمنية على أن قادتها لا يتجاوز عددهم 70 إلى 100 شاب (يُطلق عليهم اسم “اهداف شخصية”)، يتبعهم نحو 300 شاب آخر. أوضح مصدر أمني: “إنهم يريدون إنشاء مملكة، وطمس الحدود بين المنطقة (ج) (الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية الكاملة والتي تسمح الحكومة رسميًا بالاستيطان فيها) والمنطقتين (ب) و(أ). صدرت بالفعل أوامر إقامة جبرية بحق بعضهم، ولوائح اتهام بحق آخرين. لكن لا يزال هناك الكثير مما يجب فعله. إنهم المحرك الرئيسي وراء الاضطرابات”. وينصبّ النقد الموجه للمشاغبين في الضفة الغربية بشكل أساسي على الأضرار التي لحقت بالمستوطنات، وليس على الفلسطينيين. وقال مسؤول استيطاني رفيع: “علينا أن نفهم أن المزارع الجديدة لا تُبنى بسبب هؤلاء المشاغبين. إنهم يُلحقون أضرارًا جسيمة. عن أي نوع من الريادة يتحدثون؟ لقد قمنا بثورة هنا وهم يدمرونها. في كل مرة يقع فيها هجوم كهذا، تُوجّه انتقادات لاذعة من الأمريكيين، ويتردد صداها في كل مكان. الاستيطان يزدهر وهم يُلحقون بنا الضرر”.

المشروع يعمل بالفعل

هؤلاء الشباب الثلاثمئة، “المعززون”، قدموا إلى التلال بحثًا عن معنى لحياتهم، ويتجولون في المنطقة دون أي رقابة. أُرسل بعضهم إلى مزارع حيث يوجد شخص بالغ مسؤول وروتين يومي، لكن الوضع مختلف تمامًا في البؤر الاستيطانية. هناك، ينتقلون من منطقة إلى أخرى وفقًا لتوجيهات المتشددين، ويبقون في البؤرة حتى إخلائها، ثم يعودون. “لا وجود للقانون هناك، وكل امرىء يفعل ما يحلو له”، هكذا أوضح مسؤول كبير في المستوطنات.

ملامح هؤلاء الشباب مألوفة: معظمهم فتيان تركوا الدراسة، وبعضهم سبق أن تورط في مشاكل مع القانون، وفي التلال يتلقون نوعًا من الدعم الأيديولوجي لنشاطهم العنيف، ما يقنعهم بأنهم يفعلون ذلك كرواد لأرض إسرائيل كاملة.

لقد بدأ مدير مشروع الشباب في التلال، الذي عيّنه وزير الدفاع يسرائيل كاتس، العمل ميدانيًا. يهدف البرنامج الخاص الذي ابتكره إلى انتشال الشباب المتورطين في أعمال العنف من دوامة العنف. ومن المتوقع أن يكتسب البرنامج زخماً في الأشهر المقبلة، لكن وفقاً لمصادر أمنية، لن تظهر آثاره إلا بعد بضعة أشهر.

——————————————

هآرتس 31/8/2026 

في القدس يفرض المنهاج الإسرائيلي في المدارس الرسمية

بقلم: نير حسون

ستتعلم كل الصفوف الجديدة التي ستبدأ التعليم غدا في مدارس القدس الشرقية المنهاج الاسرائيلي، للمرة الاولى منذ العا 1967. منذ ضم شرقي القدس بقي نظام التعليم فيها جزء من نظام التعليم في الضفة الغربية، حيث كان يتم تعليم المنهاج الاردني، الذي استبدل بعد ذلك بالمنهاج الفلسطيني. في هذه السنة، بعد عملية طويلة بدأت بطلبات لاولياء الامور وتطورت الى ضغوط من قبل الدولة على مدراء المدارس في المدينة، سيتعلم طلاب الصف الاول والصف السابع الجدد، الذين سيبدأون التعلم الرسمي في شرقي القدس، المنهاج الاسرائيلي.

سيتعلم اكثر من 45 ألف طالب من اصل حوالي 120 الف طالب في شرقي القدس (38 في المئة) المنهاج الاسرائيلي في السنة الدراسية القادمة. هذا مقارنة مع نسبة قليلة حتى قبل 15 سنة. وحتى قبل ست سنوات كان عدد الطلاب الذين يتعلمون المنهاج الاسرائيلي اقل من 13 ألف طالب. يتعلم معظم الطلاب الذين سيتعلمون المنهاج الاسرائيلي في مدارس البلدية التي عددها 105 مدارس في شرقي القدس (39.363 طالب)، في حين سيتعلم الآخرون في مؤسسات تعليم غير رسمية ولكن معترف بها (5.085 طالب). وفي مراحل التعليم المتقدمة في المدارس الابتدائية والثانوية، من الصف الثاني وحتى الصف السادس، ومن الصف الثامن وحتى الثاني عشر – ما تزال هناك صفوف تعلم المنهاج الفلسطيني، وينطبق نفس الامر على المدارس غير الرسمية: المدارس الخاصة، المدارس غير الرسمية ولكن المعترف بها.

بعد فترة قصيرة على ضم القدس الشرقية في 1967 حاولت اسرائيل فرض المنهاج الاسرائيلي على المدارس في شرقي القدس، ولكنها واجهت مقاومة كبيرة من قبل الجمهور الفلسطيني. بدأ المعلمون واولياء الامور والطلاب اضراب طويل لم ينته الا بعد ان تنازلت اسرائيل عن هذا الطلب، واستمرت المدارس في شرقي القدس في تعليم المنهاج الاردني واجراء امتحان الثانونية العامة الاردني مثلما هي الحال في كل ارجاء الضفة الغربية. 

في تسعينيات القرن الماضي، عند قيام السلطة الفلسطينية، تم اعتماد المنهاج الفلسطيني في مدارس شرقي القدس، في التعليم الخاص – في معظمها مدارس الاوقاف، وفي التعليم غير الرسمي المعترف به – المدارس الخاصة الخاضعة لرقابة الدولة، وفي التعليم الرسمي – مدارس البلدية. وكان الطلاب يخضعون لامتحان الثانونية العامة الفلسطيني، الذي اعترفت به الجامعة العبرية من اجل التعلم فيها. 

ولكن عند اقامة جدار الفصل العنصري في بداية الالفية الثانية بدأت تغييرات جذرية في اقتصاد القدس الشرقية، وتوجه المزيد من المقدسيين الفلسطينيين الى سوق العمل في اسرائيل والبحث عن فرص عمل، وفي نفس الوقت ازداد الطلب على تعلم البغروت وتعلم اللغة العبرية في شرقي القدس، كوسيلة لتحسين الاندماج في اوساط الاكاديميا وفي سوق العمل. في نفس الوقت بدأت دولة اسرائيل بالضغط على المدارس لتبني المنهاج الاسرائيلي، ووعدت المؤسسات التي ستفتح صفوف لتعليمه بالميزانيات. لسنوات طويلة عارضت لجان اولياء الامور الفلسطينيين والنشطاء في المدينة تطبيق المنهاج الاسرائيلي في المدارس، لكن هذه المعارضة تراجعت بالتدريج مع ازدياد الاقبال على تعلم هذا المنهاج.

في 2018 اقرت الحكومة الخطة الخمسية لشرقي القدس، التي خصصت ميزانيات لتشجيع “أسرلة” نظام التعليم. في نفس الوقت سنت الكنيست قوانين تحرم خريجي الجامعات في الضفة الغربية من الاعتراف الاكاديمي. كل ذلك زاد من اقبال السكان على التحول الى المنهاج الاسرائيلي، الى جانب تزايد الضغط من قبل وزارة التربية والتعليم والبلدية على مدراء المدارس. وحسب مصادر في بلدية القدس فانه خلافا للسنوات السابقة، لا توجد في هذه السنة أي معارضة لـ “أسرلة” المنهاج في اوساط الفلسطينيين في المدينة.

ومن العوامل الاخرى التي ساهمت في تخفيف مخاوف السكان بشأن المنهاج، التغيير الذي طرأ الى ادارة المدارس. فخلافا للسابق اصبح معظم مدراء مدارس البلدية الآن من سكان القدس. منذ العام 1967 كان معظم مدراء المدارس من المواطنين العرب الاسرائيليين الذين جاءوا الى القدس من الجليل أو من المثلث. وحسب مصدر في قطاع التعليم فان كون المدراء ليسوا من عائلات مقدسية زاد من شكوك السكان بنظام التعليم الرسمي.

وتشمل عملية “أسرلة” نظام التعليم في شرقي القدس ايضا اغلاق مدارس الاونروا واستيلاء اسرائيل عليها. وحتى قبل سنتين كانت الاونروا تدير ست مدارس في شرقي المدينة، وبعد اصدار تشريع ضد وكالة الغوث التابعة للامم المتحدة قامت الشرطة باغلاق هذه المدارس. وفي الاسابيع الاخيرة استولت بلدية القدس على مجمعين كبيرين تابعين للاونروا، وسيتم افتتاح مدارس جديدة فيها في الاسابيع القادمة. 

في مخيم شعفاط للاجئين توصلت البلدية الى اتفاق مع اصحاب الاراضي واستولت على المدرسة الكبيرة التي بنتها الاونروا في ستينيات القرن الماضي في قلب المخيم. وسيضم المبنى 14 صف للمرحلة الثانوية، ومدرسة ابتدائية مختلطة للبنين والبنات وخمس رياض اطفال لذوي الاحتياجات الخاصة. وتنوي بلدية كفر عقب في شمال القدس افتتاح مدرسة ثانوية للبنين في مركز التشغيل الذي كانت تديره الاونروا حتى الاسبوع الماضي. واوضحت البلدية بان افتتاح المدارس في هذه القرى، الموجودة وراء جدار الفصل، سيسهل على الطلاب الوصول الى مدارسهم بدون حاجة الى العبور في الحواجز. وقد ادانت الامم المتحدة والقنصليات الاوروبية في القدس بشدة الاستيلاء على المباني، واعتبرت ذلك انتهاك لحصانة الامم المتحدة والقانون الدولي.

——————————————

 

هآرتس 31/8/2026 

الجيش يحذر من رد فعل فلسطيني عنيف

بقلم: ينيف كوفوفيش 

حذر كبار المسؤولين في الجيش الاسرائيلي، خلال لقاءات مغلقة مع رئيس الحكومة واعضاء المجلس الوزاري السياسي الامني، من وجود مؤشرات مبكرة على سيناريوهات متطرفة في الضفة الغربية في اعقاب اعمال عنف المستوطنين، بما في ذلك هجوم من قبل المستوطنين ضد الفلسطينيين يشبه هجوم احراق بيت في دوما في العام 2015. وحذر الجيش من ان مثل هذا العمل أو اطلاق نار على الفلسطينيين يتسبب بعدد من القتلى قد يدفع الفلسطينيين غير المنخرطين حاليا في المواجهات الى المشاركة في مقاومة عنيفة في عدة مواقع في الضفة الغربية.

يوجد سيناريو متطرف آخر يتمثل بقيام الفلسطينيين، الذين يشعرون ان الجيش الاسرائيلي والسلطة الفلسطينية لا يوفرون الحماية اللازمة لامنهم، بعمل انتقامي وشن هجمات على المستوطنين خلال الهجمات العنيفة على القرى. ايضا يخشى الجيش الاسرائيلي من احتمالية قيام الفلسطينية بعملية انتقام ضد مزرعة أو مستوطنة.

يعترف الجيش الاسرائيلي بان عدد المستوطنين المتورطين في اعمال الشغب في الضفة الغربية ازداد بشكل ملحوظ، ويقول ان المستوطنين لا يخشون من الجيش. ويعتقد ايضا ان وصول المستوطنين الى القرى في سيارات في ايام السبت، مثلما حدث في قسرة في نهاية الاسبوع، يشير الى وجود مرجعية دينية تدعم هذه الاحداث. في نفس الوقت يلاحظ الجيش ازدياد عدد مجموعات الشباب الفلسطينيين الذين ياتون لحماية سكان القرى عند نقاط التوتر. في هذه المرحلة، الفلسطينيون غير مسلحين، لكن الخوف يكمن في قيامهم بمهاجمة المستوطنين أو قيام خلية ارهابية بتنفيذ هجوم على مستوطنة أو بؤرة استيطانية في اعقاب التصعيد.

وحسب مصادر امنية رفيعة يوصف الوضع على الارض بضعف انفاذ القانون وانقطاع حاد في التنسيق بين الجيش والشرطة. وتفيد المصادر بان هذا الانقطاع تفاقم بين قائد المنطقة الوسطى، الجنرال آفي بلوط، وقائد منطقة يهودا والسامرة في الشرطة، المفتش موشيه بنتسي. ويقول الجيش الاسرائيلي ان بنتسي يتصرف حسب توجيهات وزير الامن القومي ايتمار بن غفير، ويتجاهل بشكل متعمد طلبات قيادة المنطقة الوسطى ويخالف احكام القانون. وحسب هؤلاء الضباط فقد اصبح تطبيع عنف المستوطنين يشكل خطر امني حقيقي يعتمد على الدعم العلني من حاخامات بارزين بينهم، وقد امتنع الشباك عن استدعاءهم لجلسات تحذير. وفي لواء شاي اختاروا عدم الرد على هذه الادعاءات.

تحذر مصادر عسكرية بالقول: ان اسوأ التوقعات توشك ان تتحقق في القريب، مشيرة الىان نتائج التحقيقات العملياتية لا تنفذ بالشكل الافضل على اعلى مستويات الجيش. وحسب هذه المصادر يخشى الكثير من الضباط من هجمات شخصية وفقدان الدعم من القيادة السياسية، الامر الذي ادى الى وضع يحذر فيه الجيش في جلسات مغلقة بدون ان يجد اذن صاغية.

ينعكس هذا التوتر ايضا في داخل القيادة العليا في الجيش الاسرائيلي. لم يعد هناك جلسات في هيئة الاركان العامة، ويتم اجراء النقاشات بتوتر شديد في ظل فترة سياسية حساسة تسبق جولة من التعيينات القيادية. وتشير مصادر امنية الى ان الضباط المرشحين للترقية يحصلون على الدعم من وزير الدفاع اسرائيل كاتس والوزير بتسلئيل سموتريتش ورئيس الحكومة. ويتهم بعض اعضاء هيئة الاركان العامة هؤلاء الضباط بمحاولة فرض “صمت سياسي” على القيادة السياسية حتى موعد الانتخابات، أو استخدام الضغط على رئيس الاركان لاستخدام المزيد من القوة ضد الفلسطينيين.

في ظل الازمة الامنية عملت الادارة المدنية بدون رئيس لها في الاسابيع الاخيرة، وظهر انها على وشك الانهيار، لكن تم التوصل مؤخرا الى حل وسط بشأن شغل هذا المنصب. رفض الوزير سموتريتش التعيين المؤقت للمرشحين المهنيين الذين اقترحهم رئيس الاركان، بمن فيهم العميد (احتياط) فارس عطيلة والعميد (احتياط) دافيد مناحيم، بل وهدد بوقف تحويل الاموال للمؤسسة الامنية اذا لم يتم تعيين شخص يدعمه. في نهاية المطاف ادى هذا الضغط من ناحية المستوى السياسي الى تعيين العقيد (احتياط) ايلان مالكا، الذي يعتبر شخص يحظى بموافقة القيادة السياسية. في الجيش الاسرائيلي يعترفون ان رئيس الاركان اضطر الى الخضوع للضغوط السياسية، مع الادراك بان الادارة المدنية لا يمكنها الاستمرار في العمل بدون رئيس دائم في هذه الفترة الحساسة. ويتمثل الشاغل الرئيسي للضباط في نقل الصلاحيات الى القيادة السياسية.

وقدم منسق اعمال الحكومة في المناطق، الجنرال يورام هليفي، مؤخرا خطة بناء على طلب من وزير الدفاع اسرائيل كاتس، تهدف الى نقل السلطة في الضفة الغربية من الجيش الى الشرطة في كل المسائل المتعلقة بالتعامل مع الجرائم. يرفض الجيش الاسرائيلي والنظام القضائي طلب كاتس، بذريعة ان الجيش الاسرائيلي يتمتع بالسيادة حسب القانون الدولي، وأنه من المستحيل قانونيا وعمليا نقل السلطة الى الشرطة. ولا يؤيد رئيس الاركان هذه الخطوة، ويعتقد الجيش الاسرائيلي انها محاولة من القيادة السياسية للتغطية على وقف انفاذ القانون ضد البؤر الاستيطانية غير القانونية ومنع التحقيق مع المستوطنين العنيفين.

——————————————

إسرائيل اليوم 31/8/2026 

الصفقة مع اليونان إسرائيل تكسب .. وبقوة

بقلم: أهرون لبيدوت 

إذا لم تقع مفاجآت في اللحظة الأخيرة، سيوقع اليوم اتفاق أمني تاريخي ليس أقل من هزة أرضية جيو-استراتيجية. فإسرائيل واليونان ستوقعان على صفقة التصدير الأمني الأكبر في تاريخ الدولة – مشروع “درع أخيل”، بمبلغ هائل يصل الى 3.1 مليار يورو، والتي اقرت قبل نحو شهر في البرلمان اليوناني. 

تتنكر اليونان من المنظومات الروسية والأوروبية القديمة لديها، وتودع أمن سمائها – من أثينا وحتى جزر السياحة في بحر ايجه – في يد ثلاث منظومات صواريخ إسرائيلية متطورة. كل من يتابع خريطة التهديدات الحالية يفهم بان هذه ليست مجرد مشتريات عسكرية بل إعادة تقويم لميزان القوى الإقليمي. 

يخرج المعنى السياسي للصفقة عن حدود البحر الأبيض المتوسط. ففي الآونة الأخيرة نشهد تبلور حلف سُني – تركيا، مصر، السعودية ودول الخليج – الذي يتطلع لان يملي النبرة في الشرق الأوسط. فبينما تميزت العلاقات بينها في الماضي بصراعات قوى داخلية، أدت السنوات الأخيرة الى مسيرة مصالحة تحركها مصالح اقتصادية وأمنية. يتطلع هذا الحلف لان يرسخ سيطرة في المنطقة سواء كوزن مضاد للمحور الشيعي بقيادة ايران أم كأداة لتقليص النفوذ الغربي والإسرائيلي. امام هذا المحور فان الارتباط العملياتي بين القدس وأثينا يخلق وزنا مضادا شديد القوة – والى جانب قبرص يتبلور حاجز ذو مغزى في وجه تطلعات التوسع التركية. 

درع في وجه اردوغان

بالنسبة لليونان تعد الصفقة جوابا مباشرا لخلق ردع في وجه التطلعات الإقليمية التركية. ومع ان الدولتين عضوا في الناتو، تعيش اليونان تحت تهديد دائم من جانب تركيا التي ترغب في بعض من جزرها – بل واجتاحت في الماضي قبرص وتحوز القسم الشمالي الشرقي منها حتى اليوم. لدى تركيا ترسانة صواريخ باليستية من انتاج ذاتي (مثل “التايفون”) ومنظومة مُسيرات هجومية هائلة (اسرة اير قطر). ويوضح “درع أخيل” يوضح لانقرة من سماء بحر ايجه اقل قابلية للتسلل مما قدرت تركيا. 

وبالنسبة لإسرائيل، فان القيمة السياسية والاقتصادية بارزة: دولة عضو في الناتو تختار استبدال المنظومات الروسية مثل S300  و  (Tor-M1) بمنظومات أزرق أبيض وبذلك تثبت مكانة إسرائيل كقوة عظمى تكنولوجية بالذات في فترة ضغوط دبلوماسية. الصفقة ليست لمرة واحدة بل حلقة في سلسلة: سبقتها صفقة “حيتس 3” لألمانيا (نحو 3.5 مليار دولار)، التي جعلت “حيتس” العمود الفقري لمبادرة “سماء أوروبية محمية” في وجه التهديد الروسي؛ وصفقة “مقلاع داوود” لفيلندا (نحو 317 مليون يورو) بعد انضمامها الى الناتو امام حدود روسية تمتد 1300 كيلو متر. سوق التصدير الأمني الإسرائيلي ليس فقط لم يتضرر – بل يزدهر. التجربة العملياتية المثبتة لإسرائيل في وجه تهديدات مركبة في حرب تتواصل منذ نحو ثلاث سنوات جعلت صناعتها الأمنية منتجا لا يمكن لاوروبا ان تسمح لنفسها بان تقاطعه. 

ثلاث طبقات دفاع

في قلب المشروع يقبع تغيير فكري، ينقل مبنى الدفاع متعدد الطبقات لسلاح الجو الإسرائيلي الى سلاح الجو اليوناني. المنظومات الإسرائيلية، الى جانب منظومات قائمة في اليونان مثل الباتريوت الأمريكي سترتبط بمركز تحكم ورقابة قطري يقوم على أساس الذكاء الاصطناعي الذي يحلل التهديدات في الزمن الحقيقي ويوصي بالصاروخ الاعتراضي الأكثر نجاعة.

تتضمن الصفقة ثلاث طبقات: “مقلاع داوود” من رفائيل لدفاع بعيد المدى ضد صواريخ باليستية. “باراك MX” من الصناعة الجوية، المرنة في وجه الطائرات، المروحيات والمُسيرات؛ و “سبايدر” منظومة متنقلة لاعتراض طائرات منخفضة الطيران والحوامات تنتشر في جزر اليونان. 

منظومة الرادارات التي تندرج في الصفقة توفر جوابا غير مسبوق: رادارات ألتا متحركة من سلسلة MMR تغلق مناطق ميتة في طبوغرافيا بحر ايجه وتمنع “تسلل” مُسيرات وصواريخ جوالة من تحت التغطية المعيارية. رادار AESA يسمح بمتابعة دقيقة لمئات الأهداف بالتوازي بما في ذلك اهداف ذات بصمة متدنية؛ ورادارات بعيدة المدى تشخص اطلاق صواريخ باليستية من مسافة مئات الكيلومترات وتمنح الجيش اليوناني دقائق باهظة الثمن من زمن الاخطار.

الصفقة تضخ مبالغ طائلة من الصناعات الأمنية الإسرائيلية. لكنها ستثيب الاقتصاد اليوناني أيضا: نحو 25 في المئة من المشروع سينتج محليا، وستشارك 12 شركة يونانية كمقاولين فرعيين في عقود بقيمة اكثر من 700 مليون يورو. 

في غضون 35 شهرا ستنهي اليونان ثورة هندسية كاملة في سمائها – هدوء استراتيجي لها – وشريك حقيقي مسلح من اخمص القدم وحتى الرأس بالتكنولوجيا الإسرائيلية، في قلب شرق البحر المتوسط – بالنسبة لإسرائيل.

——————————————

يديعوت احرونوت 31/8/2026 

خذني يا إيتمار

بقلم: ناحوم برنياع

في شمال تل أبيب القديم، بالقرب من إيخيلوف الحالية، كانت توجد دار أيتام. أحيانًا كان طفل يضغط وجهه على السياج، ممسكًا بقضبان حديدية بكلتي يديه، متوسلًا: “يا عمي، خذني، يا عمي، خذني”. كان المارة يرتعدون فزعًا ويسرعون في خطاهم؛ ويبقى الطفل يتيمًا.

باختصار، مشهد يُفطر القلب. تذكرته في مناسبة الموقف المحزن الذي يمر به وزير المالية وشبه الأمن بتسلئيل سموتريتش، قبل ثمانية أيام من تقديم قوائم الانتخابات. سموتريتش هو الطفل؛ وبن غفير هو العم. يمارس نتنياهو ضغوطًا هائلة على بن غفير لإيواء سموتريتش وأنصاره المدرجين على قائمته. يرفض بن غفير ذلك، إذ يرى أن انضمام أعضاء الحزب الصهيوني الديني لا يزيد من عدد ناخبيه فحسب، بل يسحب منهم ناخبين آخرين. ويقترح بن غفير: “فليأخذهم فينتر، فليأخذهم الليكود”. لكنهم يرفضون بدورهم، للسبب نفسه: سموتريتش يسحب منهم ناخبين.

هذه فرصة سانحة لمناقشة الجوانب الإيجابية للعملية الديمقراطية. على عكس جميع الأحزاب الأخرى في الائتلاف، عمل حزب الصهيونية الدينية بجد من أجل ناخبيه. بدأ ذلك بانقلاب قانوني. عشية الانتخابات، عقد سموتريتش وسيمحا روثمان مؤتمرًا صحفيًا في كفار مكابيا، حيث عرضا بالتفصيل خطة لما أسمياه إصلاحًا قانونيًا. ويُحسب لهما أن يريف لفين ونتنياهو لم يكشفا عن التزامهما بالخطة إلا بعد الانتخابات. لقد اختارا إخفاء خططهما عن ناخبيهما، بينما أخبر سموتريتش وروتمان الناخبين بالحقيقة.

منذ لحظة تعيين روتمان رئيسًا للجنة الدستور والقانون والعدل، سعى جاهدًا وبقسوة لإقرار قوانين الانقلاب. لم يثنه شيء – لا المظاهرات الحاشدة، ولا التحذيرات الأمنية، ولا الانقسام الشعبي. مضى قدمًا حتى النهاية.

حوّل المالية إلى مستودع نقدي

حصل سموتريتش، بمساعدة لفين، على حقائب وزارية هامة، تفوق بكثير ما كان من المفترض أن يحصل عليه حزبه وناخبوه. كان تعيينه وزيرًا للمالية فشلًا محتومًا، لكنني أرغب هنا في مناقشة مصلحة ناخبيه، لا مصلحة البلاد. لقد حوّل المالية إلى مستودع نقدي للقضايا التي تتصدر أجندة حزبه. ضمن سموتريتش أن تضخ المالية مليارات الدولارات في يهودا والسامرة – بعضها عبر وزارة الاستيطان برئاسة أوريت ستروك، وبعضها الآخر من خلال الصلاحيات التي مُنحت له كوزير في وزارة الدفاع، وبعضها عبر وزارات حكومية أخرى. كما يشهد كل من له دراية بالموضوع، بدءًا من رؤساء المجالس الإقليمية في يهودا والسامرة وصولًا إلى الجمعيات اليسارية، فإن حجم إنفاق الحكومة على يهودا والسامرة وسكانها اليهود قد فاق أي حكومة سابقة. فرغم الحرب، ورغم الحاجة المُلحة لإعادة الإعمار في الجنوب وفي الشمال، تدفقت الأموال بغزارة. 

ومثل الانقلاب القانوني، استندت هذه الخطوة أيضًا إلى خطة مُحكمة التنظيم. وتنطلق هذه الخطة من أن قصة الاستيطان قد انتهت: فبعد النمو الطبيعي، لا يرغب السكان الصهاينة المتدينون في الانتقال للعيش في يهودا والسامرة. ووفقًا لتقرير صادر عن مجلس “يشع”، فإن مدينتي موديعين عيليت وبيتار عيليت، وهما مدينتان يهوديتان متشددتان، لا تزالان تنموان بمعدل 1.75 في المئة سنويًا، كما تشهد مدينة عمانويل المتشددة نموًا سريعًا، وكذلك مدينة جفعات زئيف التي تتجه نحو أن تصبح متشددة. هذا هو المستقبل، وهذه هي التركيبة السكانية.

إذا استنفدت المستوطنات كل مقوماتها، فما هي إذن؟ الجواب واضح، ويرافقنا يوميًا في الأخبار: مضايقات، تخريب، إتلاف ممتلكات وأرواح، وتهجير سكان الريف. المنطقة “ب”، حيث يُفترض ألا يكون لإسرائيل وجود مدني، مغرية بشكل خاص. الشباب الذين يعجز الجيش الإسرائيلي عن إيقافهم في قصرة هم جنود سموتريتش. بدلًا من مطاردتهم في تلال نابلس، كل ما على رئيس الأركان فعله هو السير ببطء مسافة العشرين مترًا التي تفصل برج الجيش الإسرائيلي في الكريا عن برج وزارة الدفاع، والضغط على زر الطابق الخامس عشر في المصعد، والقبض عليهم متلبسين. يدين نتنياهو “المشاغبين” ولكنه في الوقت نفسه يمارس ضغوطًا هائلة على من يرسلونهم لكي يتجاوزوا العتبة. ما يحدث على أرض الواقع كارثة على البلاد، على أمنها، على علاقاتها الخارجية، على قيمها، ولكن هذا ما يريده حزب الصهيونية الدينية ويعرف كيف يفعله.

فيما يتعلق بأجندته، يُعدّ سموتريتش نجاحًا باهرًا: لا يُضاهيه أي وزير في هذه الحكومة الفاشلة، لا يسرائيل كاتس، ولا جدعون ساعر، ولا يوآف كيش، ولا درعي وغفني، ولا ريغيف، ولا نتنياهو. على ناخبيه أن يشكروه، لا أن ينجذبوا للتصويت لـ”فينتر”، الذي لم يُقدّم لهم شيئًا يُذكر، أو لـ”بينيت”، أو – لا سمح الله – لـ “أيزنكوت”.

إلا إذا كانت أجندته لا تُطابق أجندتهم، ورؤيته لا تُطابق رؤيتهم، ودينه الحريدي لا يُطابق دينهم، ودعمه لتهرّب الحريديم لا يُطابق دعمهم. قال أحد أعضاء حركة سموتريتش في مقابلة لكتاب جديد عن الوضع في يهودا والسامرة (“على درب الأجداد”، للحاخام بيني لاو): “نحن مصنع نقانق. الجميع يستمتع بالأكل، لكن لا أحد يُريد أن يعرف ما يجري في المصنع”.

 سموتريتش، وستروك، وأصدقاؤهما يعرفون تمامًا ما يُريده الرب تبارك اسمه. المشكلة تكمن في أن الناخبين هم من يقررون في الانتخابات، وليس الرب. فتحتُ الصفحة الرئيسية للحزب. ظهرت دمية تشبه نسخةً طفوليةً لطيفةً من سموتريتش السياسي. ذلك المتغطرس الذي يدّعي المعرفة بكل شيء، والذي يحتقر الجميع، قد وُلد فجأةً. تُسمّي الدمية نفسها “بوت-ريتش”. تسأل: “اكتشف ما فعلناه من أجلك. الأمر لا يستغرق أكثر من دقيقة”. عندما انقضت الدقيقة، عاد إليّ ذلك الصبي. توسّل قائلًا: “يا عمّي، خذني، خذني”.

—————-انتهت النشرة—————–

Share This Article