المسار : نشرت صحيفة “فايننشال تايمز” افتتاحية قالت فيها إن الضم الفعلي للضفة الغربية ينهي فكرة دولة فلسطينية مترابطة. وقالت إن سكان القرى الفلسطينية يعيشون تحت الحصار، فيما يعزل المزارعون عن أراضيهم، ويدفع عنف المستوطنين اليهود، الذي يكاد يكون يوميا، المزيد من العائلات إلى النزوح من ديارها.
وقالت الصحيفة إن هذا الوضع أصبح سائدا في الضفة الغربية المحتلة خلال السنوات الثلاث الماضية في عهد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وترتكب هذه الهجمات دون رادع يذكر، فالجيش الإسرائيلي، بوصفه قوة الاحتلال الملزمة بضمان النظام العام، يقف مكتوف الأيدي في أغلب الأحيان، أو لا يتدخل عند وقوع الهجمات.
وترى أن حلفاء إسرائيل في الغرب قاموا بفرض عقوبات لوقف التصعيد، إلا أن هذا لم يكن كافيا، أو أن الإجراءات المتخذة كانت متأخرة، كتلك التي قامت بها بعض الدول الأوروبية وأستراليا وكندا ونيوزيلندا، التي فرضت عقوبات على اثنين من وزراء نتنياهو المتطرفين، إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، وكلاهما من المستوطنين، وعلى بعض الكيانات الاستيطانية.
وتقول الصحيفة إن عواقب التردد في مواجهة عنف المستوطنين كانت وخيمة، فقد تجاوز عدد هجمات المستوطنين منذ بداية العام الحالي 1,400 هجوم، وفقا للأمم المتحدة، مقابل 1,836 هجوما طوال عام 2025، وهو أعلى مستوى منذ بدء تسجيل الأمم المتحدة لهذه الحوادث قبل عقدين من الزمن. وأضافت أن الوضع يزداد سوءا مع سعي نتنياهو وشركائه في الائتلاف لحشد قواعدهم الشعبية قبل انتخابات تشرين الأول/أكتوبر. وبدلا من كبح جماح العنف، فإنهم يتباهون بنجاحهم في توسيع المستوطنات بشكل كبير، وهو أمر غير قانوني بموجب القانون الدولي.
عواقب التردد في مواجهة عنف المستوطنين كانت وخيمة، فقد تجاوز عدد هجمات المستوطنين منذ بداية العام الحالي 1,400 هجوم، وفقا للأمم المتحدة، مقابل 1,836 هجوما طوال عام 2025
وأصدرت الحكومة هذا الشهر مناقصات لبناء نحو 1,200 وحدة سكنية يهودية في منطقة إي1 بالضفة الغربية، ما سيزيد من تفتيت الضفة الغربية ويقسمها إلى قسمين، وقد يقضي على أي أمل في قيام دولة فلسطينية متصلة الأراضي. وقد جمدت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة هذا المخطط نظرا لحساسيته الشديدة. لكن يبدو أن نتنياهو وأنصاره يسارعون لتغيير الواقع على الأرض قبل توجه الإسرائيليين إلى صناديق الاقتراع.
وقالت إن نتنياهو عمل لسنوات على منع قيام دولة فلسطينية وتوسيع المستوطنات اليهودية. إلا أن هذا العمل تسارع بشكل كبير بعد هجوم حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، حين انصب اهتمام العالم على حرب غزة. وقتل أكثر من ألف فلسطيني في الضفة الغربية خلال السنوات الثلاث الماضية مع تصاعد حدة الغارات العسكرية الإسرائيلية وهجمات المستوطنين. كما نزح أكثر من 41,500 شخص خلال الأشهر الثمانية عشر الماضية.
وعلقت أن ما كان يحدث ببطء لسنوات أصبح الآن ضما فعليا. وأصدر وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس هذا الشهر أوامر للجيش بالاستعداد لنقل صلاحيات إنفاذ القانون في الضفة الغربية إلى الشرطة، ما سيؤدي إلى توسيع نطاق الإدارة المدنية الإسرائيلية لتشمل الأراضي الفلسطينية.
وقالت الصحيفة إن الكارثة في غزة، التي قتل فيها أكثر من 70,000 شخص، حظيت باهتمام دولي، لكن لا يمكن تجاهل الكارثة التي تتكشف في الضفة الغربية. ومع أن لدى إسرائيل مخاوف أمنية مشروعة، فإن تصرفاتها في القطاع تعد استيلاء على الأراضي خدمة لأيديولوجيتها.
وأضافت أن بعض الحكومات زادت من ضغوطها بشأن هذه القضية. وتعتزم هولندا حظر الواردات من المستوطنات، وتدرس بريطانيا فرض حظر مماثل. وردت حكومة نتنياهو بطرد الممثلين الهولنديين من مركز التنسيق الذي تقوده الولايات المتحدة لقطاع غزة ما بعد الحرب. وقد كان ذلك دليلا إضافيا على ضرورة تصدي أوروبا لإسرائيل، لا سيما مع تجاهل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لأزمة الضفة الغربية.
وينبغي على الدول الغربية اتخاذ موقف موحد بشأن حظر الصادرات من المستوطنات التي تعتبرها غير شرعية. كما يجب أن تواجه الكيانات الإسرائيلية المتورطة في بناء المستوطنات أو تمويلها عقوبات. وعلى أعضاء الاتحاد الأوروبي توحيد كلمتهم لتعليق اتفاقية الشراكة بين التكتل وإسرائيل، حيث يحتاج الأوروبيون أيضا إلى إقناع ترامب بأن نتنياهو يتصرف ضد مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل من خلال زعزعة استقرار المنطقة. وبالنسبة لعشرات الآلاف من الفلسطينيين الذين دمرت سبل عيشهم، فقد فات الأوان بالفعل.

