المسار : يواصل مزارعون فلسطينيون في قطاع غزة جهودهم لإعادة إحياء بنك محلي للبذور دمرته الحرب، في محاولة للحفاظ على الأصناف الزراعية المحلية وتأمين بذور يمكن استخدامها في زراعة ما تبقى من الأراضي القابلة للزراعة في القطاع.
وكان المزارع الفلسطيني سلامة مهنا، البالغ من العمر 71 عاماً، يدير بنكاً للبذور في بلدة القرارة جنوب قطاع غزة، قبل أن يتعرض للتدمير في عام 2024 خلال العمليات العسكرية الإسرائيلية.
وقال مهنا إن البنك كان يمتلك قبل الحرب نحو 70 طناً من البذور تضم 42 محصولاً مختلفاً، بينها البازلاء ذات العين السوداء والبطيخ والميرمية، وهي من الأصناف التي تشكل جزءاً من التراث الزراعي الفلسطيني.
وبعد تدمير البنك وفقدان معظم مخزونه، بدأ مهنا وفريق من المزارعين الذين كانوا يتعاونون معه قبل الحرب، العمل على إعادة بناء البنك بوسائل محدودة، وتمكنوا خلال الأشهر الماضية من استعادة نحو 32 صنفاً من البذور المحلية عبر مساهمات مزارعين احتفظوا بجزء من مخزونهم.
وتُحفظ البذور المستعادة حالياً في أكياس وحاويات بلاستيكية داخل منشأة مؤقتة في دير البلح وسط القطاع، فيما يعمل الفريق في الوقت نفسه على زراعة الشتلات وإكثار البذور في الأراضي المحيطة بالموقع.
ويقول المزارعون إن أهمية هذه البذور تتجاوز توفير مستلزمات الزراعة، إذ تتميز الأصناف المحلية بقدرتها الأكبر على التكيف مع البيئة الفلسطينية، كما يمكن حفظها وإعادة زراعتها عاماً بعد آخر، بخلاف بعض الأصناف الهجينة التي تتطلب شراء بذور جديدة بصورة مستمرة.
وتأتي هذه المحاولة في وقت تعرض فيه القطاع الزراعي في غزة لدمار واسع، فيما باتت مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية خارج متناول المزارعين بسبب العمليات العسكرية والقيود المفروضة على الحركة والوصول إلى الأراضي.
وبحسب بيانات وزارة الزراعة في غزة التي أوردتها رويترز، كان نحو 560 ألف شخص يعتمدون بصورة كلية أو جزئية على الزراعة والصيد لتأمين مصادر رزقهم قبل الحرب، ما يجعل تدمير القطاع الزراعي ضربة مباشرة للأمن الغذائي والاقتصاد المحلي.
ويواجه المزارعون كذلك صعوبات كبيرة في الحصول على البذور والأسمدة والمياه والمبيدات وغيرها من مستلزمات الإنتاج، الأمر الذي جعل البذور المحلية مورداً بالغ الأهمية في محاولة استعادة الحد الأدنى من القدرة على الإنتاج الغذائي داخل القطاع.
ويستخدم بنك البذور المعاد تأسيسه نظاماً يقوم على إقراض المزارعين البذور خلال الموسم الزراعي، على أن يعيدوا جزءاً منها بعد انتهاء الموسم، بما يسمح بتوسيع المخزون تدريجياً والحفاظ على الأصناف المحلية.
وتتركز جهود عدد من المزارعين أيضاً في الأراضي القريبة من ما يعرف بـ«الخط الأصفر»، رغم المخاطر التي تواجههم هناك. وقال المزارع خالد الأسطل، الذي يزرع بذوراً حصل عليها من البنك في منطقة تبعد نحو 500 متر عن الخط، إن المزارعين متمسكون بالبقاء في أراضيهم وزراعتها رغم الخطر.
وتسلط تجربة بنك البذور الضوء على جانب آخر من آثار الحرب على غزة، لا يقتصر على تدمير المباني والبنية التحتية، بل يمتد إلى ضرب مقومات الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي والحفاظ على التنوع الزراعي الفلسطيني.
ورغم أن المخزون الذي تمكن المزارعون من استعادته لا يمثل سوى جزء ضئيل من احتياجات القطاع الزراعي، فإن القائمين على المشروع يرون فيه خطوة ضرورية للحفاظ على القدرة الفلسطينية على زراعة الأرض وإنتاج الغذاء محلياً.
وفي ظل الدمار الذي أصاب مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، يحاول مزارعو غزة تحويل ما تبقى من البذور المحلية إلى وسيلة للصمود، والحفاظ على أصناف ارتبطت بالأرض الفلسطينية عبر أجيال، في انتظار إعادة بناء القطاع الزراعي الذي كان يشكل أحد أعمدة الاقتصاد المحلي قبل الحرب.
المصدر: رويترز

