رسالة ماجستير : الاحتلال طرف ثالث في علاقات الحب بين الفلسطينيين

سعيد أبو معلا
المسار : رام الله – نقلا عن «القدس العربي»: يبدع الفلسطينيون في سرد معاناتهم وتجاربهم اليومية المعاشة تحت وبفعل سلطات الاحتلال الإسرائيلي، كما أنهم يعلون صراخهم لأنفسهم وللعالم الذي يمكنه رؤية الحواجز ومشاهد القتل والقصف والاعتقال في عموم فلسطين التاريخية، لكنهم لا يبوحون كثيرا في مسألة علاقة أو أثر الاحتلال على تجارب الحب التي يعيشونها ويختبرونها يوميا.

من هذا المنطلق جاءت رسالة الماجستير للباحثة الفلسطينية أنوار الجعبة في كلية الآداب دائرة العلوم الاجتماعية والسلوكية برنامج ماجستير علم النفس المجتمعي في جامعة بيرزيت والتي حملت عنوان: «علاقات الحب الفلسطينية العابرة للتقسيمات الاستعمارية».
تقول الباحثة الجعبة في حديث مع «القدس العربي» إن خلاصة رسالتها وتجربتها البحثية والعملية تظهر بما لا يدع مجال للشك أن الاحتلال طرف ثالث في علاقات الحب بين الفلسطينيين.
وأهدت الباحثة رسالتها «للحبّ»، حيث كتبت في صفحة خاصة في مقدمة جسم الرسالة «للحب كقوةٍ خفيّة تُعيد ترميمنا كلّما تصدّعنا، وكقرارٍ يوميّ بأن نستمر..».
وتابعت الإهداء: «وإلى ابنتي بلستيا، التي علمتني معنى إضافيا للحب وأعادت تعريفه في داخلي؛ فمعها أدركت أن القلب يستطيع أن يشعر بالحب والخوف والسعادة والذنب والقوة في اللحظة ذاتها، وأنه قابلٌ للاتساع إلى ما لا نهاية. وإلى فلسطين، حيث لا يكون الحب ترفًا، بل ضرورة، وفعل بقاء».

حب عابر للتقسيمات

وتقول الجعبة عن رسالتها للماجستير، التي تم مناقشتها مؤخرا، أنها بحثت في علاقات الحب الفلسطينية العابرة للتقسيمات الاستعمارية، تلك التقسيمات التي ولّدها الاستعمار الاستيطاني الصهيوني بطريقة ممنهجة في إطار منطقه القائم على المحو والإزالة المادية والمعنوية.
فالاحتلال وسياساته، حسب الباحثة، شرذم الفلسطينيين عبر ست جغرافيات استعمارية تضم: الضفة الغربية، وقطاع غزة، والقدس، والأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، الشتات، والجغرافيا السادسة المتمثلة بالسجون «الاسرائيلية».
وفي ظل ذلك تحلل الدراسة علاقات الحب الفلسطينية العابرة للتقسيمات الاستعمارية كفعل تجاوز لعمليات التقسيم والشرذمة المادية والنفسية من خلال تسليط الضوء على تجارب علاقات الحب التي نشأت بين الفلسطينيين/ات عبر الجغرافيات الست.
وحول المكان أو الحدث الذي جاءت منه فكرة الدراسة التي يتجاهلها غالبية الباحثين تقول الجعبة وهي تبتسم: «لقد نشأت فكرة الأطروحة خلال دراسة مساق «الحب والعلاقات القريبة» في جامعة بيرغن، حيث أثار هذا المساق تساؤلات حول محدودية تمثيل التجارب العاطفية في السياقات غير الغربية داخل الأدبيات العلمية. لقد دفعني ذلك إلى السعي نحو إبراز خصوصية تجارب علاقات الحب في السياق الفلسطيني وإيصال هذه التجربة إلى الحقل الأكاديمي الأوسع».
وتتابع حديثها: «موضوع الدراسة ظل حاضرًا بصورة متكررة في الحياة الاجتماعية اليومية وفي التفاعلات مع المحيط الاجتماعي، الأمر الذي عزز الاهتمام بموضوع الاطروحة، وفي الوقت ذاته أسهم في تشكيل وعي مستمر بضرورة التأمل النقدي في الافتراضات المسبقة التي قد تتشكل نتيجة القرب من السياق».
كما أتذكر، والحديث للباحثة، كلمات عفوية انطلقت من ذاكرة امرأة تجاوزت الخامسة والتسعين من عمرها، حيث قالت: «هم من وين أجوا اليهود؟! لما كنت صغيرة ما كانوا.» كلمات العجوز كانت جزءا من روايتها كيف أحبّت شخصًا وأحبّها، وتزوّجته بمساعدة والدتها رغم عدم موافقة والدها، وأُجبر على الرحيل من فلسطين بعد فترة من زواجهما عندما بدأت العصابات الصهيونية بالتوغّل وإحكام السيطرة على العديد من المناطق الفلسطينية، حيث كان واحدًا من جنود الجيش الأردني، وأمضت سبعة عشر عامًا وهي تحاول معرفة أخباره رأته خلالها مرتين إلى أن استطاع أن يعود…».
وتواصل التذكر: «أعرف هذه المرأة من خلال عملي في تقديم الخدمة النفسية، وجذبني كيف استحضرت هذه الذكريات وبدأت بروايتها من تلقاء نفسها رغم عدم وجود سياق أو سؤال يستحضر الذكرى. إن كلماتها بمثابة شهادة حيّة عن قصص ظلّت حيّة داخل نفوس أصحابها، كأنّها روايةٌ معلّقةٌ في أعماق روحها، تنتظر الفرصة لتُروى… أعادتني كلمات هذه المسنّة إلى عام 2021 عندما كنت أشارك في جلسة نقاش حول مساق «الحب والعلاقات القريبة» مع مدرسة المساق وزملاء الدراسة في مقهى في بيرغن/النرويج، وأحاول بما أملك من مصطلحات اللغة الإنكليزية شرح واقع علاقات الحب في فلسطين، وكيف يمكن شرح هذا الواقع؟ من أين أبدأ؟ كنت أتمنّى أن يكون لديّ متّسع من الوقت والكلمات لنقل تجارب كل من أعرفهم! فبين الحاجز والجدار والحدود وبطاقة الهوية قصص تستحق أن تُروى».
وتواصل الحديث والتذكر: «أذكر تمامًا أنني خرجت من ذلك المقهى وأنا أعتزم أن تكون أطروحتي لإنهاء متطلبات دراستي لعلم النفس المجتمعي عن علاقات الحب الفلسطينية! إذ بدا محتوى المساق بالنسبة لي بعيدًا جدًا عما أعيشه كفلسطينية. فعلاقات الحب تختلف في جوهرها تبعًا لعوامل نفسية فردانية، وكذلك تتأثر بالسياق المجتمعي بكل ما يحمله من عوامل سياسية، واقتصادية، واجتماعية، وثقافية، ونفسية.

طبيعة الحب تحت الاحتلال

وحول السؤال الإشكالي الذي تثيره الأطروحة تشدد الباحثة انوار أن الفلسطينيون الذين يعيشون في جغرافيات ست، وهي تقسيمات شكّلتها المنظومة الاستعمارية في المجتمع الفلسطيني وبالتالي خلّفت، بالضرورة، نتائج على مستوى التفاعل الاجتماعي بما في ذلك علاقات الحب، إذ تنشأ علاقات الحب في سياق يتسم بعدم التكافؤ تتفاوت فيه شروط الحياة، والحركة، والقوانين، والفرص الاقتصادية، والحياة اليومية، والامتيازات، والتحديات.
وبالتالي تشدد الباحثة على أن العلاقات الاجتماعية، بما فيها علاقات الحب، لم تعد منفصلة عن هذا السياق البنيوي، «بل أصبحت تتشكّل ضمنه وتتأثر بتعقيداته. وعليه، يخرج الحب عن كونه حاجة إنسانية ومشاعر وممارسات يومية بين شخصين ويصبح ممارسة مشروطة بالبنية الاستعمارية التي تعيد تنظيم إمكانياته وحدوده وأشكال ظهوره، ما يجعله مجالًا تحليليًا مركزيًا لفهم أثر الاستعمار في الحياة اليومية ضمن سياق استعماري استيطاني مركّب يتسم بخصوصية بنيوية».
وتتمثل إشكالية الدراسة في تحليل علاقات الحب العابرة للتقسيمات الاستعمارية بهدف فهم كيفية تشكّل علاقات الحب في السياق الفلسطيني في ظل الاستعمار الاستيطاني. وذلك بهدف إضافة فهماً أكثر عمقًا وشمولية لعلاقات الحب العابرة للتقسيمات الاستعمارية، عبر تتبّع الكيفية التي يُعيد بها القهر الاستعماري المستمر تشكيل المشاعر والأفكار الفردية المرتبطة بالعلاقات العاطفية، وكيف تنعكس هذه التأثيرات على إدراك الأفراد لمشاعرهم وأفكارهم، وتصوراتهم لعلاقاتهم وشركائهم، وتداعيات الاستعمار عليها.
وجاء في أهداف الرسالة أنها حاولت رصد وتحليل التحديات التي تواجهها علاقات الحب الفلسطينية في ظل التقسيمات الجغرافية، المادية، الإدارية والاجتماعية التي فرضها الاستعمار الاستيطاني الصهيوني، وكذلك بحث الآليات التي طورها الأفراد بدافع صمود علاقة الحب والعمل على استمرارها، من خلال التعبير عن التجارب الإنسانية المشتركة.
وترى الباحثة جعبة في حديثها مع «القدس العربي» أن فهم المستوى الفردي والمجتمعي يُمثّل خطوة جوهرية وأساسية في مسار بناء وعي مجتمعي تشاركي، يُعزّز قدرة الفلسطينيين على مواجهة سياسات التفكيك والشرذمة الاستعمارية.

القصص والتجربة الإنسانية

وتنبع أهمية هذه الدراسة والحديث للباحثة من كونها منبثقة من الواقع المادي المعيش للحياة اليومية للفلسطينيين أينما تواجدوا، حيث لا تأتي كطرح نظري مجرد، بل كاستجابة معرفية لتجارب متكررة وملاحظة في السياق المجتمعي، تعكسها قصص الحب المتداولة بين الأفراد. إذ تشكّل هذه القصص جزءًا أصيلًا من التجربة الإنسانية، لما تحمله من ارتباط مباشر بالمشاعر، ومستويات الرفاه والرضا، ومعنى الحياة اليومية. وعليه، فإن تسليط الضوء على علاقات الحب في هذا السياق لا يقتصر على فهم ظاهرة عاطفية، بل يمتد ليشمل فهمًا أعمق لكيفية تشكّل التجربة الإنسانية تحت شروط بنيوية قهرية.
وترى الباحثة الدراسة امتازت بقدرة خاصة على إبراز كيف يختبر الفلسطينيون تجارب علاقاتهم العاطفية ويطوّرونها رغم التشتت الجغرافي القسري، وقالت: «حيث تُظهر أن الفلسطيني، أينما وُجد، يبقى جزءًا من نسيج اجتماعي واحد، يتشارك المعاناة والتحديات ذاتها، وفي الوقت نفسه يستمر في إنتاج أشكال من القرب العاطفي والتواصل. وبهذا المعنى، تكشف الدراسة عن أن علاقات الحب لا تعكس فقط البعد الفردي، بل تُسهم أيضًا في إعادة إنتاج الإحساس بالجماعة والانتماء، في مواجهة محاولات التفكيك التي تفرضها التقسيمات الاستعمارية».
وتضيف الباحثة قائلة: «كما تبرز أهمية الدراسة في إظهارها للدور الذي تلعبه علاقات الحب في تجاوز آثار التجزئة، حيث تُظهر كيف تُعيد هذه العلاقات، بشكل مباشر أو غير مباشر، ربط ما سعت البنية الاستعمارية إلى تفكيكه، من خلال خلق مساحات تواصل ولقاء، مادية أو رمزية، تتحدى منطق الفصل والإزالة».
وإلى جانب كل ذلك تسلّط الدراسة التي أشرفت عليها الأكاديمية لينة ميعاري، الضوء على الأبعاد غير المرئية للاستعمار الاستيطاني، والتي تتجاوز القيود الملموسة مثل الحواجز والتصاريح وأنظمة الهوية، لتشمل تأثيرات أعمق تمتد إلى التجربة النفسية والعاطفية للأفراد، وما ينتج عنها من ضغوط، وتوترات، وتحديات، وإعادة تشكيل للمشاعر والذات والعلاقات. وهو ما يوسّع من فهم الاستعمار بوصفه بنية لا تعمل فقط على مستوى السيطرة المادية، بل تتغلغل في تفاصيل الحياة اليومية والحميمية.

منهج نوعي وعلم نفس تحرري

واعتمدت الدراسة على المنهج النوعي في إطار علم النفس المجتمعي التحرري، حيث قامت الباحثة بإجراء مقابلات معمقة مع 13 مشاركًا ومشاركة فلسطينيين ممن خاضوا علاقات حبية عابرة للتقسيمات الاستعمارية.
وجاء في الرسالة أن المشاركين اختيروا بما يحقق التنوع بين مختلف التقسيمات الاستعمارية، ثم حُللت الروايات التي قدموها تحليلاً نوعيًا للكشف عن أثر البنية الاستعمارية في تشكيل العلاقات الحبية، وإمكانات تشكيل هذه العلاقات فعل تحد وتجاوزاً للتقسيمات الاستعمارية. وتضمّنت الدراسة مشاركين فلسطينيين يعيشون داخل الأراضي الفلسطينية (الضفة الغربية، قطاع غزة، القدس، والأراضي المحتلة عام 1948)، بالإضافة إلى فلسطينيين في الشتات وفي السجون الاستعمارية، بهدف الإحاطة بتجارب الحب العابرة للتقسيمات التي فرضها الاستعمار الاستيطاني.
كما سعت الدراسة إلى جمع سرديات حب تم تفرقتها جغرافياً، لكنها موحّدة بنيويًا، من خلال إتاحة المجال لقصص الحب العابرة لهذه التقسيمات الاستعمارية كي تبصر النور وتُقرأ بوصفها جزءًا من واقع جمعي واحد، لا مجرد تجارب فردية معزولة.

الاحتلال طرف ثالث

وحول أبرز الخلاصات العلمية التي خرجت بها الرسالة تقول الباحثة جعبة إن الدراسة أظهرت أن الاحتلال طرف ثالث في علاقات الحب بين الفلسطينيين، «فالعلاقات الحبية الفلسطينية تتشكل وتُمارَس داخل بنية استعمارية استيطانية قائمة على التفكيك والتجزئة، ما يفرض قيودًا بنيوية معقدة على إمكانيات تشكل العلاقة، وإمكانات التواصل، واللقاء، والحميمية.
كما ينعكس هذا السياق مباشرة على الحياة اليومية للعلاقات، حيث تتأثر بالبنى البيروقراطية القائمة على القوانين الاستعمارية ومنظومات التصاريح والحواجز وتعدد أنظمة السيطرة، إضافة إلى الممارسات القمعية اليومية التي تُنتج تحديات مستمرة».
وتضيف: «كما كشفت النتائج أن هذه العلاقات تنشأ منذ بداياتها ضمن وعي مسبق بالقيود، ما يولّد مشاعر متداخلة بين الحب والقلق والخوف، ويؤثر على تكوين التوقعات والصور الذهنية للعلاقة. كما يتجلى أثر الاستعمار في إعادة تشكيل إدراك الذات والشريك بصورة ديناميكية، حيث تتأرجح التجربة بين الرغبة في الاستمرار والإرهاق النفسي الناتج عن القيود البنيوية، ورغم ذلك فان الأفراد يطورون آليات نفسية واجتماعية وعاطفية متعددة للاستمرار».
وتختم جعبة قائلة: «وأخيرًا، تؤكد النتائج أن هذه التجارب لا تُفهم كحالات فردية معزولة، بل كسرديات جماعية، وأن الوعي الجمعي بها يعزز الصمود في مواجهة سياسات التفكيك».

Share This Article