المسار : في لوحة تختزل حكاية الأرض والإنسان في بلدة عرابة، جسّد الفنان الفلسطيني حاتم شقفه مشهدًا رمزيًا يروي جانبًا من المأساة التي يعيشها المزارعون الفلسطينيون، في ظل استمرار جرافات الاحتلال الإسرائيلي في اقتلاع أشجار الزيتون وتجريف الأراضي الممتدة من محطة عرابة باتجاه بلدة يعبد.
في قلب اللوحة يظهر أحمد زكي، الصحفي الفلسطيني الذي عمل لسنوات في هيئة الإذاعة والتلفزيون، وشغل منصب المدير العام لإذاعة صوت فلسطين، ومديرًا عامًا للأخبار في التلفزيون، قبل أن يتقاعد من العمل الإعلامي.
لكن زكي لم يكن صحفيًا فقط؛ فقد ظل طوال سنوات عمله مرتبطًا بالأرض، يزرعها ويعتني بها، فزرع الزيتون والتين والعنب والصبر، وحوّل جزءًا من حياته إلى علاقة مباشرة مع التراب الفلسطيني.
وفي اللوحة، رسم الفنان حاتم شقفه حول زكي أشجار الصبر والتين والعنب، فيما يظهر زكي وهو ينظر من خلال مجهر إلى شجرة زيتون، في صورة رمزية مكثفة تقول إن البحث عن الزيتونة أصبح اليوم أشبه بالبحث عن شاهد على أرض تتعرض للاقتلاع والتدمير. (اي لم يتبقى شجر )
ويقول أحمد زكي إن اللوحة نجحت في تجسيد الواقع الذي تعيشه عرابة، مضيفًا أن الاحتلال لم يعد يستهدف الأشجار باعتبارها مجرد أشجار، وإنما يستهدف معها مصدر رزق المزارع وذاكرة الأرض وعلاقته بها.
«لم يبقَ لنا زيتون»
ويشير زكي إلى أن أراضيه كانت من بين الأراضي التي تعرضت لأعمال التجريف، مؤكدًا أن الجرافات الإسرائيلية دمرت أشجار زيتون معمرة، ما ألحق بالمزارعين خسائر مادية كبيرة، فضلًا عن الخسارة المعنوية المرتبطة بأشجار عاشت عشرات السنين وكانت جزءًا من تاريخ العائلات الفلسطينية.
ويقول إن الاحتلال يعمل على اقتلاع الأشجار الممتدة على الطريق بين عرابة ويعبد، في سياق إجراءات يرى فيها المزارعون محاولة لتهيئة الأرض لخدمة التوسع الاستيطاني في المنطقة.
وتتحول شجرة الزيتون في لوحة الفنان شقفه إلى أكثر من رمز زراعي؛ فهي تمثل البيت والأرض والذاكرة والرزق. أما المجهر الذي ينظر من خلاله زكي إليها، فيوحي بأن الاحتلال، بعد اقتلاع مئات الأشجار، جعل العثور على الزيتونة الباقية مشهدًا يستحق البحث والتدقيق.
الصبر والتين والعنب.. والزيتون الغائب
اختار الفنان أن يحيط زكي بأشجار الصبر والتين والعنب، وهي محاصيل ارتبطت بأرض عرابة وسهلها الزراعي، لكنه جعل الزيتون في مركز النظر.
وهنا تكمن المفارقة البصرية التي أراد الفنان إيصالها: أشجار كثيرة تحيط بالمشهد، لكن الزيتونة التي يبحث عنها الرجل تكاد تصبح أثرًا من الماضي.
وبالنسبة إلى زكي، فإن هذه الصورة تعكس تجربته الشخصية؛ فهو الذي أمضى سنوات في الإعلام الفلسطيني، وفي الوقت نفسه ظل يزرع الأرض، ليجد نفسه اليوم أمام واقع مختلف، حيث تصل الجرافات إلى الأرض التي زرعها ورعاها، وتقتلع أشجار الزيتون التي كانت جزءًا من حياته وحياة عائلته.
«عمق دوثان».. الاسم القديم في مواجهة التوسع الاستيطاني
ويربط زكي ما يجري في أراضي عرابة بالتوسع الاستيطاني في المنطقة، مشيرًا إلى مستوطنة «عمق دوثان» المقامة في محيط البلدة.
ويقول إن اسم «دوثان» يعود إلى اسم تاريخي قديم كنعاني للمنطقة، ويعبّر استخدامه في تسمية المستوطنة، من وجهة نظره، عن محاولة الاحتلال إعادة توظيف أسماء المكان الفلسطيني والتاريخي ضمن مشروعه الاستيطاني.
وبين الجرافة وشجرة الزيتون، تقف عرابة أمام مشهد جديد من الصراع على الأرض؛ فالجرافة تقتلع الشجرة، والفنان يعيد رسمها، والمزارع يتذكرها، فيما تتحول الزيتونة إلى شاهد على ما تعرضت له الأرض من اقتلاع.
من خلف الميكروفون إلى بين أشجار الزيتون
ويحمل مشهد أحمد زكي في لوحة حاتم شقفه بعدًا إضافيًا؛ فالرجل الذي أمضى سنوات في نقل الأخبار عبر الإذاعة والتلفزيون، يجد نفسه اليوم جزءًا من خبر مختلف: خبر أرضه التي تُقتلع أشجارها أمام عينيه.
فبعد أن كان ينقل أخبار فلسطين من خلف الميكروفون وشاشة التلفزيون، أصبح يحمل رواية أرضه بصفته مزارعًا وصاحب أرض، ويرى أن اللوحة لم ترسم شخصه فحسب، وإنما رسمت حكاية جيل كامل من المزارعين الفلسطينيين الذين يزرعون الأرض، ثم يجدون الجرافات تقتلع ما زرعوه.
وفي النهاية، تبدو الزيتونة التي ينظر إليها زكي من خلال المجهر وكأنها رسالة تختصر المشهد كله:
حين تُقتلع الأشجار، لا تُقتلع الأغصان وحدها؛ بل تُقتلع معها ذاكرة المكان ورزق الإنسان وشهادة الأرض على أصحابها.
احمد زكي العريدي يبحث ب المجهر عن زيتونة في عرابة.. فنان فلسطيني يجسّد مأساة الأرض تحت الجرافات الإسرائيلية
عرابة – جنين | أحمد زكي العريدي

