| الصحافة الاسرائيلية – الملف اليومي
افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات |
هآرتس 6/9/2026
الحوثيون يطورون البحر الأحمر كساحة قتال مستقلة ليست متعلقة بهرمز
بقلم: تسفي برئيل محلل الشؤون العربية في صحيفة هآرتس
تقول الأسطورة ان راعي اثيوبي لاحظ سلوك غريب لدى الماعز وهي تمضغ أشجار البن التي تنمو على الهضبة الاثيوبية. نقل الراعي الخبر الى عالم دين محلي فقام الأخير بتحضير مشروب لنفسه بمزج الثمار المطحونة والباقي معروف تقريبا.
ينسب الى اثيوبيا اكتشاف القهوة كمشروب منبه، لكن في اليمن تحولت حبوب البن الثمينة الى منتج صناعي وتجاري وتطورت لتصبح احد اهم منتجات الإمبراطورية العثمانية واكثر ربحا. كانت السفن المحملة بحبوب البن الثمينة تغادر ميناء المخا قرب الحديدة شمالا الى الحدود المصرية، ومن هناك برا على ظهور الجمال الى ميناء الإسكندرية ومنها الى أوروبا. ويرجح ان شركة الهند الشرقية الهولندية هي التي اطلقت على القهوة التي استوردتها اسم “المخا” نسبة لميناء المنشأ في اليمن. وهكذا خلد التجار في هولندا ميناء المخا أينما يقدم هذا المشروب الداكن.
اما هذا الميناء الرائع والنابض بالحياة، الذي يقع على بعد 75 كم عن باب المندب، هو اليوم مهجور وساحة للقتال، وتدور حوله مواجهات عنيفة بين القوات العسكرية للحكومة المعترف بها وبين الحوثيين. وتسببت عشرات الصواريخ والمسيرات التي اطلقها الحوثيون في الشهر الماضي على الميناء والمدينة حوله باضرار بالغة تقدر قيمتها بعشرات ملايين الدولارات، وجبت حياة 20 شخص وشلت نشاطه.
ولكن الى جانب الاضرار المباشرة والخسائر في الأرواح فان حملة الحوثيين في المخا لها تداعيات استراتيجية خطيرة تنذر بتجديد الحرب الشاملة في اليمن، واشعال فتيل الصراع على جبهة البحر الأحمر، ونقل الصراع العسكري من مضيق هرمز الى ساحة جديدة.
وقد نجح الحوثيون بالفعل بالحاق ضرر كبير بصادرات النفط السعودية عندما فرضوا حصارا بحريا خانقا على تجارتها البحرية في البحر الأحمر في تموز. وكان من المفروض ان يخدم هذا الطريق السعودية كطريق الى مضيق هرمز عبر أنبوب النفط الذي يربط البقيق شرق البلاد بميناء ينبع في الغرب. وقد اصبح هذا الانبوب الذي لم يستخدم الا جزئيا قبل الحرب، القناة الرئيسية التي كان يمر فيها حتى فترة قريبة حوالي 4.5 مليون برميل نفط كل يوم، مقارنة مع اقل من مليون برميل قبل الحرب.
لكن ما ظهر وكانه بديل فعال حوله الحوثيون الى طريق مهدد سيواجه صعوبة في تحقيق غايته. ففي شهر تموز عندما اعلن الحصار تمكنت السعودية من تصدير 3.7 مليون برميل في اليوم. ولكن في الشهر الماضي انخفضت الكمية الى 2.25 مليون برميل في اليوم، التي اتجهت في معظمها شمالا الى قناة السويس، في حين أغلقت طرق الشحن المتوجهة الى آسيا بشكل كامل.
ومثلما هي الحال في مضيق هرمز، حيث لا تحتاج ايران الى احتلال أراضي او السيطرة الفعلية على الممر لوقف الملاحة، هكذا هي الحال في البحر الأحمر. يكفي الحوثيون امتلاك عدد قليل من المسيرات أو الصواريخ كي ترفض شركات تامين السفن التي تمر في الممر، حتى لو لم تكن وجهتها السعودية.
لكن يبدو ان طموحات الحوثيين تتجاوز ذلك. ان طبيعة المعارك التي يخوضونها في محافظة تعز، الخاضعة لسيطرة الحكومة، وسيطرتهم الجديدة على معابر برية كثيرة وبلدات في المحافظة، تثير مخاوف من نيتهم توسيع سيطرتهم البرية في البلاد والتوغل جنوبا في اليمن.
يرى محللون يمنيون ان الهجوم على ميناء المخا ومحيطه ليس الا مناورة تضليل تهدف الى اشغال الجيش اليمني في المنطقة وتشتيت قواته في محافظات أخرى، يسعى الحوثيون الى انتزاعها من الحكومة المعترف بها. وحسب تفسير آخر يخشى الحوثيون من ان أي اتفاق أو أي ترتيب بين الولايات المتحدة وايران قد يأتي على حسابهم. لذلك، سيسعون بجهد لتحقيق المزيد من الانتصارات الان قبل ان تجبرهم طهران على ان يتساوقوا معها. ولكن هذا التفسير يستند الى تصور يفيد بان الحوثيين هم ذراع تنفيذية لإيران ويخضعون لاوامرها، وهذا تصور لم تثبت صحته تماما في سنوات الحرب.
وقد اعلن الجيش اليمني ان قواته استعادت عدة مواقع كانت تحت سيطرة الحوثيين واضرت بقواعدهم العسكرية. مع ذلك، مجرد تمكن الحوثيين من السيطرة على مواقع تخضع لسيطرة الحكومة يشير الى مستوى قدرة الدولة على إدارة حرب فعالة ضد الحوثيين. وقد شهد الجيش اليمني بعض الإصلاحات، حيث تم استبدال بعض القادة ووصول معدات عسكرية وسلاح، خاصة مسيرات، من السعودية، ويبدو ان القيادة العليا أصبحت اكثر كفاءة وتماسكا. كما ان انسحاب دولة الامارات من الساحة في اعقاب ضغوط سعودية كثيفة، شملت مواجهات عسكرية بين القوات السعودية والقوات التي تدعمها الامارات، يساهم في ترسيخ “وحدة الصفوف”. ولكن قدرة الجيش اليمني وكفاءته ليست الا عنصر واحد في منظومة الاعتبارات الإقليمية.
لقد علمت السنوات السبعة من الحرب بين السعودية والحوثيين درسا قاسيا لن ترغب في تكراره. لقد اثبت وقف اطلاق النار الموقع بين الطرفين في 2022 هشاشته عندما اشعل حادث واحد، منع هبوط طائرة مسافرين إيرانية في مطار صنعاء في شهر تموز، فتيل التوتر من جديد. تتعرض منشآت النفط والتكرير في السعودية لهجمات صواريخ وطائرات الحوثيين المسيرة، وكذلك مطاراتها وبنيتها التحتية المدنية. بعد الحصار المفروض على البحر الأحمر والخسائر الاقتصادية التي تكبدتها المملكة بسبب حصار مضيق هرمز، فان آخر ما تحتاجه المملكة هو تجدد المواجهة مع الحوثيين.
كما يتضح ضعف التحالفات العسكرية التي شكلتها السعودية لتامين الملاحة البحرية في البحر الأحمر. فالتحالف الذي أعلنت عنه بقوة في بداية الحرب في اليمن في 2015، لم يبق منه الكثير، أما التحالف الجديد المخصص للدفاع في البحر الأحمر، الذي أعلنت عنه في تموز وانضمت اليه 14 دولة رسميا، فقد بقي حبر على ورق، ولم يدفع التحالف الاستراتيجي الذي وقعت عليه مع باكستان في السنة الماضية، اسلام اباد الى ارسال مقاتلات وطائرات الى اليمن، في حين ان التحالف الثلاثي الذي وقعته الشهر الماضي مع تركيا وباكستان فما زال قيد التخطيط.
في الوقت الراهن تبدو احتمالية اشراك الولايات المتحدة في حرب جديدة ضد الحوثيين غير واقعية. بالنسبة للرئيس الأمريكي ترامب الذي وقع على اتفاق وقف اطلاق النار مع الحوثيين في شهر أيار 2015، لم يعد البحر الأحمر يعتبر مشكلة بالنسبة له، وربما يفقد مضيق هرمز اهتمامه به أيضا. قبل يومين صرح وقال: “لم يعد مضيق هرمز كما كان، لانه بدأت تظهر بدائل كثيرة”.
يكمن الخطر الفعلي الذي يهدد السعودية والولايات المتحدة، بل وايران، في ان اليمن لم تعد فقط ساحة ثانوية ناتجة عن حملة مضيق هرمز، بل هي أصبحت جبهة مستقلة تستطيع العمل بمعزل عن ساحة الخليج.
حتى لو اعيد فتح مضيق هرمز وهدأت المواجهة المباشرة بين واشنطن وطهران، فسيبقى بإمكان الحوثيين احتكار البحر الأحمر وتهديد ميناء المخا وتعطيل طريق ينبع والضغط على السعودية وفرض تحركات عسكرية وسياسية عليها وعلى الحكومة اليمنية، قد لا تتوافق بالضرورة مع المصالح الإيرانية الاوسع. بهذا المعنى قد تتحول اليمن من أداة ضغط إيرانية الى جبهة لها منطقها الخاص، وستبقى حاضرة في الساحة الإقليمية وتعيق أي محاولة لتحقيق الاستقرار في كل المنظومة.
——————————————
هآرتس 6/9/2026
قبل اغلاق القوائم، في الطرفين يضغطان منعا لتبذير الأصوات
بقلم: ميخال هاوزر طووف
حتى مع تبقي اقل من 72 ساعة على اغلاق قوائم المرشحين للكنيست السادسة والعشرين لم يستبعد حزب يشار برئاسة غادي ايزنكوت، وحزب “معا” برئاسة نفتالي بينيت، إمكانية الوحدة في اللحظة الأخيرة. صحيح أن فرصة حدوث ذلك ضئيلة، بل آخذة في التقليص، الا ان شخصيات بارزة في الحزبين تعمل على ذلك. في الأسبوع الماضي التقى ايزنكوت وبينيت في منزل الأخير في رعنانا في اجتماع خاص، طرحت خلاله مسالة الوحدة.
وحسب الاستطلاعات التي بحوزتهما فان تاثير الوحدة هامشي. ففي هذه الحالة لا يساوي 1 + 1 اكثر من 2، بل وربما اقل. مع ذلك يشير مستشارو ايزنكوت وبينيت الى ان مثل هذه الخطوة قد تولد طاقة جديدة وزخم وشعور بالنصر، وهو ما ينعكس في الاستطلاعات. وتذكر المجر مرارا في النقاشات بالإشارة الى فوز بيرت مديار في الانتخابات هناك عندما توحدة المعارضة بكاملها خلفه. وهناك أيضا يئير لبيد الذي يعتبر جزء لا يتجزأ من أي اتحاد كهذا. وحسب الاستطلاعات التي أجريت في كتلة المعارضة يعتبر لبيد من اكثر الشخصيات سلبية بين مؤيدي اليمين المترددين في حسم موقفهم. يبذل ايزنكوت كل جهده لاستقطاب هؤلاء الناخبين، ويتفاخر بانه “يسيطر على مدن الليكود”، ويبرز شيرال حوجيج كأحد سكان اوفكيم. بهذا المعنى يمثل لبيد ثقل، ويدرك مقر ايزنكوت ومقر بينيت ذلك جيدا. وهناك من عارضوا الاندماج مع يوجد مستقبل من البداية، ويقولون الان “لقد حذرناكم”.
هناك سؤال آخر يتعلق بحيلي تروفر، الذي لا يتجاوز حزبه نسبة الحسم، وهو في منطقة الخطر في كل الأحوال. يعلن تروفر بانه سيترشح حتى النهاية وهو على قناعة بان استقالة بني غانتس ستضمن تجاوزه نسبة الحسم. ولكن مصادر في الكتلة تعتقد ان من تركوا تحالف ازرق – ابيض لعدم تجاوزه نسبة الحسم لن يرغبوا في الوصول الى هناك مرة أخرى. ويوجد في النظام السياسي من يعتقد ان الاتحاد الوحيد المطروح هو مع يارون زليخة الذي يجري محادثات أيضا مع عوفر فنتر. يمتلك غانتس ليس اقل من 8 وحدات تمويل انتخابي، يمكن من خلالها استثمار ملايين الشواقل في أي حملة انتخابية حتى لو كانت ميؤوس منها.
نجح بنيامين نتنياهو في تضييق الفجوات في الأيام الأخيرة في كل ما يتعلق بتنظيم الكتلة. دخل نتنياهو الى الحملة الانتخابية مع عجزه عن فرض سيطرته على الأحزاب الصغيرة، الامر الذي كان سيؤدي الى خسارة عشرة مقاعد. مع ذلك بدات الأمور تتحسن لصالحه في الأسبوع الماضي، بدءا من العلاقة مع بتسلئيل سموتريتش وموشيه فيغلين. على الأقل في الوقت الحالي يبدو انهما تجاوزا نسبة الحسم. فسموتريتش ما زال في قاع الاستطلاعات، وفيغلين لن يهدر لنتنياهو أصواتا كما فعل عدة مرات في السابق. رغم ذلك، ما زال نتنياهو قلقا، فهو يعتقد ان أي حزب لا يحصل بانتظام على ستة مقاعد في الاستطلاعات معرض للبقاء خارج الكنيست.
يعتبر انسحاب جلعاد اردان نبأ سار بالنسبة لنتنياهو أيضا. يصعب تحديد من أين جاء الـ 0.5 في المئة لمن اعلنوا في الاستطلاعات انهم سيصوتون لحزب الوحدة، لكن في كتلة التغيير يقدرون انهم يميلون لنتنياهو.
لم تبدأ حتى الان المفاوضات الفعلية لنتنياهو مع بن غفير. وقد أوضح رئيس حزب قوة يهودية بالفعل انه “لا يوجد ما يناقش”، لكن المقربين من نتنياهو يصممون على وجوده، ويقدرون ان الطرفين سيجريان محادثات مطولة حتى الموعد النهائي لاغلاق القوائم. وقد تمسك بن غفير برفضه الانضمام الى سموتريتش وفيغلين، اللذين يتوقع انضمام آفي معوز اليهما، ويتوقع ان يحاول نتنياهو الضغط عليه لتغيير موقفه. يشكل فنتر مشكلة أخرى لنتنياهو، حيث ينوي تقديم قائمته غدا لمواجهة ضغوط نتنياهو من اجل التحالف مع أحزاب أخرى، وتشير التقديرات الحالية الى ان فنتر سيحصل على 80 في المئة من اصواته من أحزاب الكتلة. أما النسبة المتبقية، 20 في المئة، فتأتي من اليمينيين المترددين – الذين لا يرغبون في تولي ايزنكوت أو بينيت أو افيغدور ليبرمان منصب رئيس الحكومة، لكنهم يميلون الى مقاطعة الانتخابات. ويتوقع تحالف كتلة التغيير ان ينجح فنتر في تجنيد بعض هؤلاء على الأقل.
——————————————
إسرائيل اليوم 6/9/2026
ترامب وايران: من يتراجع أولا؟
بقلم: ايال زيسر
لمن ينظرون الى الأمور من الجانب، يبدو سلوك الولايات المتحدة في المواجهة مع ايران يفتقر الى الهدف، متقلب بل وحتى فوضوي. مزاج ترامب عندما يستيقظ في الصباح ويبدأ بالتغريد هو ما يقرر الخطوات في الميدان. في يوما ما وجهتنا الى هجوم شامل يمحو ايران عن الخريطة، وفي الغداة وجهتنا الى اتفاق، وفي اليوم التالي نحن نكتفي بحصار اقتصادي.
ومع ذلك، في الجنوب يوجد قدر ما من المنطق. منطق الرئيس ترامب، وهو رجل اعمال مخضرم انتخب لرئاسة الولايات المتحدة مرتين. ترامب لا يريد الحرب، وهو لا يخفي ذلك. يبدو أنه خاب ظنه من الإنجازات المحدودة برأيه للمواجهة مع ايران في الربيع الأخير، وليس لديه أي رغبة “في تكرار التجربة”.
صحيح ان الولايات المتحدة وإسرائيل ضربتا قدرات عسكرية ونووية لإيران – لكن لا يزال لديها صواريخ، مُسيرات ووسائل قتال أخرى، وهي تستخدمها ضد الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة؛ بل والاهم من ذلك: نظام آيات الله لا يزال حيا ويتنفس، بل وحتى يركل، وليس لترامب الصبر لاستخدام القوة التي لا تجلب نتائج فورية.
وهكذا، بدلا من الحرب يفضل ترامب مواجهة دبلوماسية، او حتى اقتصادية، وبدلا من مهاجمة ايران، يوثق الحصار الاقتصادي عليها ويمنعها من تصدير النفط واستيراد البضائع. في صالح ترامب تلعب حقيقة ان الاقتصاد العالمي تكيف مع الواقع الجديد في الخليج، والدليل – أسعار النفط في العالم، واساسا في محطات الوقود في الولايات المتحدة، لا ترتفع. وبعامة، عشية انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، نزلت الحرب عن العناوين الرئيسة وكفت عن اشغال بال الجمهور الأمريكي، الذي منذ البداية كان بعيدا عن الحماسة لها.
في صالح ترامب تلعب أيضا حقيقة أن الوضع الاقتصادي في داخل ايران آخذ في التفاقم. سعر الريال الإيراني ينهار مقابل الدولار، في الأسواق يبدو ملموسا النقص في منتجات الغذاء والاسعار ترتفع ارتفاعا شاهقا. واضح للجميع ان النظام في طهران سيصعب عليه اعالة دولة من 90 مليون نسمة في واقع كهذا على مدى الزمن.
المشكلة هي فقط ان تعبير “على مدى الزمن” يمكن أن يكون له عدة تفسيرات: أشهر قليلة، لكن أيضا بضع سنوات.
من هنا تنبع استراتيجية ترامب، التي بموجبها لما كان الإيرانيون يخشون من حرب شاملة ولما كانوا أيضا غير قادرين على الصمود على مدى الزمن امام الحصار الاقتصادي الذي فرضه عليهم – فانهم هم من سيتراجعون أولا ويستسلموا.
غير ان ترامب لا يأخذ بالحسبان بان ليس للايرانيين ما يخسروه. فالتنازل او الاستسلام – او كبديل جر الارجل الى ان ينهاروا اقتصاديا – أسوأ في نظرهم من تصعيد واسع ومن استئناف القتال. فبعد كل شيء لا يفكر الإيرانيون كمن هزموا في الحرب. ترامب هو الذي تراجع أولا، أوقف النار وكان متحمسا للوصول معهم الى اتفاق. وفضل عن ذلك، بقيت في أيديهم قدرات عسكرية ذات مغزى، يمكنهم أن يستخدموها كي يشعلوا نارا كبيرة في الخليج.
وعليه، فانه يتعين على ترامب وإسرائيل أن يأخذا بالحسبان انه بقدر ما لا يرغب الإيرانيون في الحرب – فان من شأنهم ان يصلوا الى الاستنتاج بان هذه الحرب هي اهون الشرين بل وربما من الأفضل “الاقتحام الى الامام” نحو مواجهة شاملة، على الانتظار بلا أي فعل الى أن ينهاروا اقتصاديا. يحتمل أيضا ان الإيرانيين يفترضون بان ترامب يخاف من الحرب اكثر منهم، ولهذا فهم يؤمنون بانهم اذا ما فتحوا النار – فان ترامب لن يتجرأ الى العودة الى قتال قوي، وسيفعل كل شيء كي يحقق التهدئة. من الأفضل بالتالي ان يحرص ترامب على اقناع الإيرانيين بانه جدي وانه عند الحاجة كفيل بان يعمل ضدهم بكل القوة – وهذا، كما هو معروف، ليس الوضع في هذه اللحظة.
ان فرضية العمل في إسرائيل وفي واشنطن هي ان الوضع تحت السيطرة، وان الولايات المتحدة وايران تديران حوارا بالقوة، لكنه حوار يوجد تحت السيطرة، ولا يوجد خوف من استئناف القتال. غير انه هناك حاجة للاخذ بالحسبان بان ايران ستختار تحطيم القواعد اذا ما توصلت الى استنتاج بانها من ناحية اقتصادية ظهرها الى الحائط، او ان ترامب لن يصمد امام الضغط ويتنازل في حالة تكون ايران هي التي تستأنف القتال.
لقد اُعطيت النبوءة للمجانين، وبخاصة عندما يدور الحديث عن مسألة ماذا سيفعل ترامب وماذا سيفعل الإيرانيون. ومع ذلك، في مثل هذا الوضع – الحذر واجب.
——————————————
يديعوت احرونوت 6/9/2026
خطر تطبيع الترحيل
بقلم: د. ميخائيل ميلشتاين رئيس منتدى الدراسات الفلسطينية – مركز ديان جامعة تل أبيب
لطالما كان خطاب الترحيل حاضرًا في الحركة الصهيونية منذ نشأتها. فقد ناقش كبار قادة الحركة مطولًا إمكانية ترحيل السكان العرب من أرض إسرائيل، عادةً عبر الإغراءات الاقتصادية أو من خلال اتفاقيات مع دول قريبة وبعيدة. لطالما احتلت غزة، المرتبطة بمشكلة اللاجئين، مكانة مركزية في هذا النقاش، لا سيما منذ سيطرة إسرائيل عليها عام 1967، حين تم الترويج للعديد من المشاريع (الفاشلة) لتخفيف كثافة السكان في القطاع أو إفراغه تمامًا.
يكمن سر قوة الصهيونية دائمًا في قدرتها على الترويج لرؤية جريئة ورائدة، وفي الوقت نفسه التصرف بعقلانية، وتحديد القيود والمخاطر المحتملة، وفي ضوء ذلك، التحلي بالمرونة وتغيير السياسات والأهداف. ويتجسد هذا في فكرة الترحيل. ومع اتضاح الأمر على مر السنين، ونظرًا لضآلة احتمالية تحقيقها، وما يترتب على محاولة تنفيذها من أضرار سياسية جسيمة، وصعوبة إقناع الفلسطينيين بالترحيل “طوعًا”، فقد تم تهميش هذه الفكرة في الخطاب العام. لم تختفِ الفكرة تمامًا، لكنها غالبًا ما وُصفت بعبارات مبتذلة، بل وحتى بذيئة، ورُبطت بالتيارات المتطرفة.
وقد تغير الموقف تجاه الترحيل بشكل جذري منذ مجزرة 7 أكتوبر. في ظلّ الصدمة المؤلمة، انتقلت الفكرة تدريجيًا إلى صلب الخطاب، وتجسّدت في أجندة أحزاب اليمين: فقد تمسّك نتنياهو برؤية ترامب للريفييرا المتوسطية (رغم تخلّي الأخير عن هذه القضية منذ زمن)، وأنشأ كاتس إدارةً للهجرة تتسم إجراءاتها بالغموض، وتُعرّف أحزاب اليمين المتطرف، باستثناء الليكود، “الهجرة الطوعية” كهدفٍ رئيسي.
يعكس الخطاب الدائر حول قضية الترحيل التغيرات التي طرأت على المجتمع الإسرائيلي منذ السابع من أكتوبر. وهو، قبل كل شيء، دليلٌ على استبدال التفكير الرصين والعميق بالأوهام. كل هذا، تحت ستار صورةٍ زائفةٍ لـ “تصحيحٍ للتفكير الفاشل قبل السابع من أكتوبر” يُطبّق على “الآخرين”. ويصاحب ذلك ازدراءٌ للنقد، لا سيما ذلك الذي يُنذر بفقدان الشرعية في العالم، وهو خوفٌ كان في يومٍ من الأيام محور اهتمامات السياسيين. قدّم السفير هاكابي، المؤيد الصريح لإسرائيل عموماً ولليمين المتطرف خصوصاً، صورةً متشددةً حين صرّح الليلة الماضية بأن الإرهاب اليهودي متفشٍّ في الضفة الغربية، وأنه لا توجد أيّة خطة لتنفيذ هجرة قسرية من غزة. في المقابل، يُبدي العالم انتقاداتٍ أشدّ قسوةً، سواءً لما يحدث في الضفة الغربية أو لتطورات النقاش الدائر حول نقل القوات.
كما يُعبّر هذا النقاش عن تطرف القيم الإسرائيلية في العالم. فقد برّرت المجزرة البشعة التي وقعت في السابع من أكتوبر، وما صاحبها من تطلّعاتٍ إلى إبادة إسرائيل (التي لم تختفِ بعد)، الضربات القاسية التي وُجّهت للفلسطينيين في الحرب، والتي يُمكن مقارنتها بدولٍ أخرى عانت من هجماتٍ وحشيةٍ وانتقمت من أعدائها، كالاتحاد السوفيتي في ألمانيا النازية أو الأمريكيين في اليابان. مع ذلك، حتى الرغبة في الانتقام يجب أن تخضع لحدود ومنطق، ولا يمكن أن تكون بوصلة جماعية أو مبرراً لأي نوع من العمل في أي وقت، أو أن تحل محل تحليل واقعي للخريطة الجيوسياسية في المنطقة والعالم، وصياغة هدف استراتيجي متجذر في الواقع.
إن عملية التهجير من غزة، مثل ضم يهودا والسامرة، تجسد إلى حد كبير “تسييس” الخطاب الاستراتيجي في إسرائيل. هذه أهداف دينية-قطاعية مُغلّفة بعباءةٍ مُضلّلة من “الاستراتيجية”، مُوجّهة لعامة الناس، الذين من غير المرجّح أن يتفاعلوا مع الترانيم التي تُشيد بضرورة تدمير عماليق والفلسطينيين (كما رُتّلت مؤخراً أمام نتنياهو في سديروت)، والتمييز ضد غير اليهود بروح الكتاب المقدس (بمن فيهم مواطنون عرب مثل يوسف حداد)، والصمت إزاء العنف الشديد ضد الفلسطينيين وحرق المساجد في الضفة الغربية، والحماسة لبناء الهيكل – وهي تطلعات تُفرض على عامة الناس وتُقدّم على أنها “أهداف وطنية – لنا جميعاً ومن أجلنا جميعاً”.
ويتجسّد تطبيع هذا التوجّه في الخطاب الذي يدور مع مُروّجي هذه الفكرة في وسائل الإعلام، دون عناء طرح أسئلة صعبة حول كيفية تنفيذ هذه الرؤية، وجوانبها الأخلاقية والمعنوية، والعواقب المترتبة على محاولة تحقيقها. يُطلب من وسائل الإعلام ألا تُساير جهود التطبيع، بل أن تُثير الشكوك وتطرح أسئلة جوهرية، كما لم يحدث عشية السابع من أكتوبر، وأن تتجنب خلق “تماثل” قسري في الموضوع.
لقد انهارت الشعوب التي قادتها أوهام مُنفصلة عن الواقع ومفاهيم مسيحانية عبر التاريخ، واليهود يُدركون ذلك جيدًا، لا سيما من خلال خراب الهيكل الثاني. الفلسطينيون هم من ارتكبوا مجزرة 7 أكتوبر، وهم يرون أنفسهم ضحايا حرب، ولا يُقيّمون أوضاعهم، بل إن الكثير منهم ينكر حق إسرائيل في الوجود. لو كانت إسرائيل إمبراطورية عالمية في العصور القديمة، لربما استطاعت اتخاذ خطوات حاسمة. لكنها دولة تطمح لأن تكون جزءًا من أسرة الأمم في القرن الحادي والعشرين، وقوتها ليست مطلقة، ولا يمكنها أن تعمل كدولة استبدادية أو كإسبرطة جديدة، أو أن تُغيّر جغرافيًا وديموغرافيًا المنطقة، وقد ثبت أيضًا أنها لا تستطيع إبادة أعدائها، كما تعد قيادتها مواطنيها. إسرائيل الرصينة ليست تلك المدمنة على القوة والتي تسعى لتحقيق أوهام خطيرة وتؤمن بقدرتها على خوض حرب دائمة، بل هي التي تعرف كيف تهاجم عند الضرورة، وكيف تُصل الى تسوية، وتُدرك أنه لا توجد سيناريوهات مثالية ولا حلول سحرية.
إن تطبيع عملية الترحيل، ناهيك عن الترويج لآليات تنفيذها، سيضر، بل ويضر بالفعل، بشرعية إسرائيل في العالم وصورتها كدولة متوازنة، وهو أمر يبدو أن معظم مواطنيها لا يدركون أو يفهمون تبعاته، ولا سيما تصاعد الضغوط والعقاب والعزلة. وهذا يؤكد حقيقة أن إسرائيل، منذ السابع من أكتوبر، قد وجهت بالفعل ضربات قاسية لأعدائها، لكنها تعاني من تفكك الإجماع الداخلي، ومن تطرف القيم وخطابها المعتاد، ومن ضرر جسيم لشرعيتها الدولية، التي تُشكل دعماً وجودياً لا يقل أهمية عن القوة العسكرية، بل ربما يفوقها.
——————————————
يديعوت 6/9/2026
في اعقاب الضغط الأمريكي: نتنياهو يأمر باخلاء بؤر أقيمت في مناطق أ و ب
بقلم: اليشع بن كيمون
التوتر في الضفة لا يتوقف بل يوجد بالذات في ميل صعود. وتؤكد مصادر الامن في كل المداولات الخوف من انفجار موجة عنف خلف الخط الأخضر.
ترسم المعطيات صورة مركبة وغير مسبوقة من الواقع الأمني على الأرض. فرغم إحساس الهدوء القائم الان في الضفة، توضح مصادر في جهاز الامن بان الجيش الإسرائيلي منتشر حتى اقصى حد ويعمل ليل نهار كي يمنع انفجار موجة الإرهاب المقتربة. هذا الى جانب توتر متزايد حول نقاط الاستيطان والضغط الدبلوماسي الدولي.
الميل يحتدم
“نحن نلاحظ ارتفاعا كبيرا جدا في مدى الاخطارات والتحذيرات وكذا في الاحباطات”، كما تشير مصادر في جهاز الامن. “كل أسبوع نحن نحبط عشرات العمليات، بعضها تكون انطلقت على الدرب. هذه ارقام مجنونة. هذا الميل يتواصل في الشهرين – الثلاثة الأخيرة. ميل الإرهاب يتصاعد والسؤال هو هل نحن في هذه اللحظة نوقف هذا ونمسك به ومتى سيفر من بين أيدينا إذ لا يوجد احكام مطلق. في هذه الاثناء آلة الإحباط والشاباك تعمل جيدا جدا لكن السؤال هو متى يذوب لنا هذا.
وتناول رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو هذا بشكل شاذ واصدر بيانا في هذا الشأن. يشرح مصدر امني بان “قباطيا ليست عملية منفردة، هذه خلية محلية. توجد هنا توجيهات من الخارج تأتي أساسا من ايران ومن حماس في خط ايران، قطر وتركيا. يوجد هنا الكثير من الدوافع، الكثير من الإحباط لديهم وهذا يتلاقى في هذه اللحظة في الميدان”.
تحدي البؤر الاستيطانية
الى جانب التهديد الأمني يتلقى الميدان انعطافة هامة في اعقاب الارتفاع الحاد في عدد نقاط الاستيطان اليهودي الجديدة. تلك التي بالتوازي مع نقاط الاستيطان التي تتشكل بالتنسيق مع الجيش ونحو 130 مزرعة، يشير جهاز الامن الى نحو 100 بؤرة غير مسموح بها تنشط اليوم في أرجاء الضفة. من بين عموم البؤر الاستيطانية، أقيمت بين 15 و 20 في دخل المناطق أ و ب.
وتشير محافل مطلعة على التفاصيل الى أن الاعمال المصممة لاخلاء البؤر في المنطقة ب تتم بتوجيه مباشر من رئيس الوزراء الذي يوجد تحت ضغط شديد جدا من جانب الإدارة الامريكية. وتشرح مصادر مطلعة على التفاصيل الى أن “ما يضغط رئيس الوزراء جدا في هذه اللحظة هي الإدارة الامريكية القلقة جدا من أن يتسع الحدث في المناطق ب. توجد تعليمات واضحة من هيئة الامن القومي باخلاء البؤر الاستيطانية وبالتأكيد تلك في المنطقة ب”. وتضيف تلك المحافل بان نتنياهو أوضح للوزراء الا يتحدثوا ضد قادة الجيش وان يعطوهم الاسناد.
هذه الاخلاءات تخلق دائرة مغلقة ومحبطة من الاحتكاك في الميدان. “نحن نخليهم وهم يعودون في الصباح”، يقول المصدر. “هذه الانفاذات للقانون غير ناجعة كأداة وحيدة. الانشغال المركزي هو بالبؤر العنيفة التي تجتذب القوات. الفترة القريبة القادمة ستلتقي اليأس من جانب الفلسطينيين من جهة وبنمو وازدهار الاستيطان مثلما لم يسبق أن كان ابدا في جهة أخرى.
——————————————
هآرتس 6/9/2026
غول الاستيطان يثور: الشرطي يندمج في المجتمع الذي يجب عليه السيطرة على افراده
بقلم: يغيل ليفي
في تشرين الأول 2009 ثارت ازمة صغيرة في العلاقة بين الجيش والمستوطنين. وقد قال الصحافي روعي شارون ان قائد لواء السامرة، العقيد ايتسيك بار، منع الجنود من قبول دعوات المستوطنين لاستضافتهم في بيوتهم. وبرر ذلك بادعاء ان احاديث الجنود مع السكان قد تتطرق الى مسائل خلافية، مسائل يجب على الجنود الامتناع عن قول موقفهم حولها. استنكر قادة المستوطنات هذا القرار بشدة، وناشدوا رئيس الأركان غابي اشكنازي، وفي نهاية المطاف تمت إعادة ترتيبات الاستضافة.
هكذا، فشلت محاولة متواضعة لاغلاق الحدود الرخوة بين الجيش والمستوطنين، ولم يتم استئنافها. ربما تلاشت فكرة استحالة استضافة الناس في المساء وفرض القانون في الصباح على نفس المجتمع، لا سيما بعد حقل أيديولوجي، وهو منطق فهمه منتقدوه جيدا. فالذين لم يؤيدوا العقيد في حينه يدينون الان ما يسمى بالإرهاب اليهودي في المناطق المحتلة، وهو إرهاب هم شركاء في إقامة البنية التي مكنته.
لم يكتف السياسيون في إسرائيل، بدءا بشمعون بيرس ومرورا بيغئال الون وانتهاء بسموتريتش، ببناء المستوطنات في الضفة الغربية قرب التجمعات الفلسطينية، بل ارتكبوا في هذه المرة، بالتعاون مع الجيش، خطأ كبير في تصميم انتشار الجيش الإسرائيلي. هذا الانتشار يجسد انحراف عن مباديء أساسية للتنظيم العسكري في مجتمع ديمقراطي: فصل الجندي عن محيطه المدني، ابعاد الجيش عن عملية الحفاظ على الامن. وهكذا، نشأ جيش متغلغل في التجمعات الاستيطانية، التي يجب عليه ان يطبق القانون فيها. أدى طمس الحدود الذي لا يمثل التوفيق بين الأطراف الا جزء منه، الى انحياز واضح لصالح المستوطنين وعزله عن دور الجيش في حماية الفلسطينيين. لم يحدث هذا في ظل حكومة اليمين، بل في ظل حكومات اليمين – وسط السابقة. اصبح التقارب الجسدي تبعية اجتماعية، واندمج الشرطي بالتدريج في المجتمع الذي كان يجب عليه ضبطه.
هذا الانحياز ازداد تعقيدا. انتشر لواء كفير بشكل دائم في الضفة الغربية، حرصا على عدم قطع العلاقة مع المستوطنين، التي ترسخت بالتدريج بسبب التناوب المتكرر للقوات. ضمت صفوف الجيش عدد كبير من المستوطنين وخريجي المدارس التحضيرية العسكرية، لا سيما بعد عملية الانفصال، عندما صاغت قيادة الحريديين بشكل علني برنامج يهدف الى التاثير على الجيش. بالتدريج امتلأ مركز القيادة بخريجي النظام التعليمي الحريدي، الذين كانت لهم رؤية واضحة لدور الجيش في الضفة الغربية. اشتدت هذه العملية بالتحديد بعد ان أظهرت قضية اليئور ازاريا قوة المستوطنين، وحتى ذلك لم يكن كاف. فقد توسعت منظومة الدفاع القطرية، أي تسليح المستوطنين بشكل منهجي، وزادت صلاحياتها وتعزز اندماجها في الجيش النظامي، أيضا توسعت صلاحيات منسقي الامن الجاري، أي المستوطنين. وهكذا، نشأ جيش شرطة في الضفة الغربية، منفصل عن الجيش النظامي. كل ذلك حدث قبل ان يحلم سموتريتش وايتمار بن غفير بمنصب وزاري، في حين انهم في الجيش اختاروا تجاهل الصورة الكاملة.
كان يمكن تكليف جيش الشرطة بمهمة ضم الضفة الغربية بالتدريج بعد عملية الانفصال. وكلما زادت هذه المهمة من شدة التوتر بين المستوطنات والفلسطينيين، الذين تقلصت المسافة بينهم، زاد العنف بشكل مفاجيء، وخلال ذلك تدهور الجيش الذي كان من المفروض ان يمنعه. مؤخرا ادرك آفي بلوط واصدقاءه أيضا ان الغول ثار على من خلقوه العميان، الذين يدينون العنف الآن وكأنهم غير مسؤولين عنه. وفي ظل غياب الإصلاحات الهيكلية، سنستمر في سماع المزيد من الادانات، لكن العنف سيستمر أيضا. فهو ليس استثناء من البنية القائمة، بل هو نتيجة لها.
——————————————-
معاريف 6/9/2026
نتنياهو لم يرغب في الاستيقاظ
بقلم: بن كسبيت
هذا مذهل: في صباح 7 أكتوبر 2023، بينما كان مئات الأشخاص يُقتلون، يُذبحون، يُحرقون ويُغتصبون في جنوب البلاد، بنيامين نتنياهو أخذ الوقت. استغرقته ساعتان ونصف لان يتكبد عناء الوصول الى الكريا. هو يسكن على مسافة نصف ساعة من هناك. يوآف غالنت الذي يسكن ابعد بكثير وصل قبله بساعة ونصف. استغرقه ثلاث ساعات وربع للحديث لأول مرة مع رئيس الأركان. في هذا الزمن، عندما اندفع ثلاثة ألوية في العقد السابع من أعمارهم (يئير غولان، إسرائيل زيف ونوعم تيفون) جنوبا، وعندما هاجم أبناء عائلة كلمنزون، الى جانب مئات آخرين من المواطنين الوطنيين، النار كي ينقذوا الحياة، نتنياهو أخذ الزمن. تزين، تبجح، جر الارجل. ماذا كان سيفعل لو كانوا انقذوه في الليل؟ هذا ما كان سيفعله. بالضبط هذا.
شيء واحد فقط مما فعله (او لم يفعله) نتنياهو في ذاك الصباح مذهل حتى اكثر من ذلك: الجملة الأولى التي قالها لسكرتيره العسكري اللواء آفي غيل، في المكالمة الهاتفية الأولى بينهما، في الساعة 6:30. “لماذا يطلقون النار؟”، سأل نتنياهو اللواء غيل، عندما بلغه هذا عن هجوم حماس على الغلاف. لماذا يطلقون النار، سأل.
هذا أول من طرأ على باله، حين كان لا يزال مغلفا بالنوم. وليس صدفة. السؤال في مكانه. فقبل أسبوع فقط استسلم لمطالب حماس الجديدة كي يهدىء الاضطرابات التي بدأت تثور من جديد على الجدار: العمل على زيادة المخصص الشهري من قطر، زيادة عدد العمال ممن يخرجون من القطاع للعمل في إسرائيل بل توسيع مدى الصيد لصيادي غزة. يحيى السنوار الذي حصل على كل ما طلبه، امر بوقف الاضطرابات. الجدار والعائق اللذان فصلا بين غزة وبلدات الغلاف فرغا من المتظاهرين والمخلين بالنظام.
مناورة التضليل الكاملة التي اتبعها السنوار بلغت ذروتها. التقط نتنياهو الطعم وابتلعه بشهية. فما الغرو أنه سأل في 6:30 لماذا يطلقون النار. لكن كان ينبغي لـ آفي غيل ان يرد عليه بالجواب التالي: هم يطلقون النار، سيدي رئيس الوزراء، لانهم نجحوا في خداعك على مدى السنين، لانك سمحت لهم بان يقيموا مشروع إرهاب عظيم على جدارنا، لانك رفضت بشدة الإيفاء بوعدك واسقاط حكم حماس وببساطة مولت لهم كل هذا. ولهذا فهم يطلقون النار.
نتنياهو هو المقاول الذي يجد في الصباح موقع بنائه محروقا رغم انه دفع في الليل الخاوة. المشكلة الوحيدة هي ان هذا لم يكن موقع بناء. هذه كانت دولة إسرائيل. هؤلاء كانوا مئات النساء، الأطفال، الشيوخ، الناجين من الكارثة، الشبان الذي جاءوا ليرقصوا. هم أولئك الذين احترقوا. هم الذين تركوا لمصيرهم من قبل من رهن امن إسرائيل كي يطعم الملاك الحماسي، الملاك الذي هو نفسه رباه ورعاه سنوات جيل. كيف يتجرأون على اطلاق النار بعد ان تلقوا كل هذا الخير منه كل هذه السنين. هذه هي القصة كلها.
المقربون يعرفون ان نتنياهو فقد هذا في ذاك الصباح. وفي الصباحات التالية أيضا. لم يكن حتى حاضر – غائب. ببساطة غائب. كان ظل باهت لنفسه. عديم الثقة بالنفس، قصير النفس، متكدر. لم يصدر أي أمر ذي مغزى. لم يبادر. لم يشجع أحدا. هذه الأمور لم تتسرب على الفور، إذ ان كل شيء كان يشتعل. اقوال عن الوضع النفسي لرئيس الوزراء كان يمكنها أن تفاقم الوضع اكثر فأكثر. كان يمكن ببساطة أن نتذكر الفزع الذي ألم به بعد فشل مغامرة تصفية خالد مشعل في الأردن، او عندما نشبت الاضطرابات بعد فتح نفق المبكى، اضطرابات دفعته يركض متعرقا حتى واشنطن، حيث أعلن “وجدت صديقا في البيت الأبيض”. صديق يدعى ياسر عرفات.
استغرقه أربعة أيام ليقنع رئيسي الأركان الكريهين عليه، غانتس وآيزنكوت، للانضمام الى كابنت الحرب كي يشدا على يده ويمنحاه الامن والشرعية. شاويشه آريه درعي كان مفزوعا حتى اكثر منه. “فداء نفس!! فداء نفس!!”، صرخ في “الحفرة” في الكريا في ذاك اليوم المرير في 11 أكتوبر، عندما استدعي الاثنان لمساعدة نتنياهو كي يصدا هرتسي هليفي ويوآف غالنت لاغتيال نصرالله وكل قيادة حزب الله في ذاك اليوم.
واليوم، بعد ثلاث سنوات يتجرأ على ان يقول “لو كانوا ايقظوني لبدا هذا مختلفا تماما”. اما انا فاسمح لنفسي ان أقول انهم لو كانوا ايقظوه في تلك الليلة، لما حصل شيء. ولا أي شيء. ليس صعبا الوصول الى هذا الاستنتاج. لشدة الأسف، احد ما كان ليوقظه في الليل ويقول له ان حماس تعتزم بدء هجوم غير مسبقو على الجنوب وان 6 الاف مخرب سيجتازون العائق ويحتلون بلدات وقواعد. لشدة الأسف، لم يعرفوا هذا. كان فشل استخباري وعملياتي غير مسبوق، كل المسؤولين عنه اخذوا المسؤولية على أنفسهم واستقالوا.
وعليه فان ما كانوا سيقولونه له هو بالضبط ما قيل في تقويمات الوضع تلك على مدى الليل. انه توجد مؤشرات دالة لكن توجد أيضا مؤشرات مهدئة. عندما اشعلت بضع عشرات من الشرائح الإسرائيلية التي تدل على الاستعدادات لكن في نفس الوقت في السنة الماضية حصل الامر ذاته بالضبط وكانت هذه مناورة الخ الخ. وعليه فما كان نتنياهو سيقول لو كانوا ايقظوه في الليل مع هذه المعلومة هو أن يواصلوا المتابعة ويطلعوه على التطورات. من أين اعرف؟ لان هذا بالضبط ما قاله في أوضاع سابقة بما في ذلك في أوضاع بدت اكثر اقلاقا.
في الحقيقة حاولوا ايقاظه على مدى أسابيع واشهر. من لم يحذره؟ رئيس الأركان حاول أن يحذره، لكنه لم يرغب في أن يسمع. رئيس شعبة الاستخبارات “امان” بعث له بثلاثة كتب وهو لم يرغب في ان يقرأها (توجد في هذا مبالغة”، قال لينون مغيل. افيغدور ليبرمان حذره، يئير لبيد حذره. وزير دفاعه، يوآف غالنت حاول ان يوقظه. غادي آيزنكوت بعث له بكتب وقال ان الوضع اخطر مما كان عشية حرب يوم الغفران. لم يجدِ أي شيء نفعا. اذن الان هو يشكو من أنهم لم يوقظوه في ذات الصباح. لا يوجد جرس انذار لم يُفعّل كي يوقظوه. اما هو فلم يرغب في أن يستيقظ.
قبل أسبوع من 7 أكتوبر، ادار بحثا امنيا أخير مع قيادة جهاز الامن. بلغهم هو انه في السطر الأخير من اتفاق مع السعودية وجه تعليماته الا يقوم احد بفعل أي شيء يمكنه ان يخرب على هذا. وعليه، واضح انهم لو كانوا ايقظوه في تلك الليلة وقالوا له انه توجد مؤشرات دالة ما لكان اجتهد الا يؤرجح السفينة والا يهز الشجرة كي لا يكون تدهور الى مواجهة في القطاع، مواجهة يمكنها أن تؤجل التطبيع مع السعودية.
عندما ايقظه سكرتيره العسكري كان هذا قبل نصف ساعة من وصول المخربين الأوائل الى كيبوتس بيري. لكنه لم يفعل شيئا. وبخلاف ما قاله في التلفزيون الأسبوع الماضي، هو لم يقل ايقظوا كل الجيش الإسرائيلي. هو لم يقل ابعثوا بسلاح الجو. لم يطالب بتجنيد الاحتياط. هو سأل “لماذا يطلقون النار”. واذا كان لم يفعل هذا في الصباح، عندما كانت الحرب بدأت، فانه ما كان سيفعل هذا في الليل.
مكتبه مليء بالكذابين وسارقي العقل. لا شيء مما بلغوا به عن ذاك الصباح دقيق. رئيس الطاقم حاول أن يزور بروتوكول الحديث الأول، بعض التفاصيل تتناقض الواحدة مع الأخرى. الروايات المختلفة التي نشرت منذئذ وحتى اليوم تتضارب الواحدة مع الأخرى. لا يمكن تصديق كلمة واحدة تخرج عن فم كل من يحيط برئيس الوزراء بمن فيهم كل أولئك الذين كسبوا اجرا بمئات الاف الشواكل من قطر، الدولة التي مولت في ذاك الزمن تماما حماس.
عندما تزين، او تبجح، أو فقد الحيلة في بيته، عشرات الإسرائيليين خرجوا للدفاع باجسادهم، بمسدساتهم الشخصية، عن المواطنين في غلاف غزة. عندما طار يئير غولان في سيارة تيوتا يارس خاصته جنوبا، شلومو كرعي فر في سيارة شبه باص حكومي محصن، مع سائق وحارس مسلح، شمالا. بعد ذلك تجرأ هذا الرجل الفظيع على ان يشكك بغولان.
بالمناسبة، من معرفتي للالوية الثلاثة الذين ركضوا جنوبا في ذاك الصباح، ليس لدي ذرة شك في انهم حتى لو كانوا وزراء حكومة في ذاك الصباح، فاذا بالضبط ما كانوا سيفعلونه، هذا ما تربوا عليه وهذا ما ترعرعوا عليه. بخلاف كرعي.
——————————————-
هآرتس 6/9/2026
ينقض الصحافيون على جدول اعمال نتنياهو وكأن كل شيء يتوقف على مكالمة هاتفية
بقلم: جدعون ليفي
فئران الحقل في حالة هياج. متى اتصلنا مع رئيس الحكومة تحديدا؟ متى غادر منزله؟ متى وصل الى وجهته بالضبط؟ هل ربما أخرته خبيرة التجميل أو مصفف الشعر؟. هذه اسئلة لها أهمية تاريخية، والمحققون ينقبون ويبحثون عن ادلة تدينه، ربما ذهب الى الحمام بدون معرفتنا؟ وماذا فعل الدقائق الـ 53 التالية؟، بأسلوب يثير الشفقة يميز التحقيقات المصيرية، ينقض الصحافيون المتغطرسون على الجدول الزمني وكان كل شيء يتوقف على التوقيت الدقيق للمكالمة الهاتفية المصيرية. لو ان بنيامين نتنياهو قلل من مدة البقاء في البيت، لو انه ربط الحذاء بشكل اسرع، لكنا نجونا. الى جانب اسهام الجاهلين بدون قصد، في تعزيز اسطورة نتنياهو وسلطته المطلقة – لو انهم ايقظوه في الوقت المناسب – فان هذا التقصي يشهد أيضا على مستوى خواء هذه الحملة الانتخابية، وخلوها من أي مضمون. الساعة 6:40 قبل ثلاث سنوات – هذا امر مثير للاهتمام. الساعة السادسة بعد الحرب – لا.
يقولون ان هذه انتخابات مصيرية اكثر من كل الانتخابات السابقة. يقولون هي ستحدد مصير إسرائيل. اليمين واليسار على حد سواء على قناعة بان 27 تشرين الأول 2026 سيتم تخليده في التاريخ. ولكن ما يسبق يوم الانتخابات هو حملة انتخابية فارغة مثل غيرها، تعرف كيفية التمييز بين الغث والسمين، لكنها تصمم على اختيار الغث – الامر الذي يثير الشكوك حول ان هذه الانتخابات مصيرية حقا.
لا شيء يضاهي الانشغال المفرط بمذكرات بنيامين نتنياهو من اجل كشف روح العصر. هم لا يتجرأون على مناقشة أي قضية حاسمة، وهي كثيرة، ويهربون الى العوالم الوهمية. السؤال عما كان سيحدث لو استيقظ نتنياهو في منتصف الليل واتصل بوزير الدفاع بعد لحظة، ثم من غفلته اتصل برئيس الأركان أيضا – هذا هو السؤال الذي ينقضون عليه بالتحديد. لكن من يهتم بتحمل مسؤولية ما فعلناه في غزة بعد ذلك؟ من يهتم بآثار الحرب التي ما زالت مستمرة؟ وماذا سيحدث لمستقبلنا؟ لا احد يهتم. حدثونا فقط عن رنين الهاتف. يحاول نتنياهو حرف الانتباه عن الأسئلة الملحة، وهذا معروف، لكن المعارضة والاعلام يسقطون في فخه مثل الفراشات. ربما يكون الأنسب لهم أيضا عدم النبش في الجرح العميق، لانهم هم أيضا ليس لديهم حل حقيقي.
بالطبع يفترض ان تتناول هذه الحملة الانتخابية مسألة تحمل المسؤولية عن هجوم 7 أكتوبر. ولكن لا يقل أهمية عن ذلك تحمل المسؤولية عن غزة ولبنان والفشل في ايران، والنبذ الدولي وكيفية انهائه. قبل أي شيء كان يجب ان يكون السؤال الى اين نتجه؟ هل نبقى في غزة؟ هل نغادر لبنان؟ هل نستمر في المذابح؟ هل نهدم المزارع؟ كيف نعود الى اسرة الأمم؟ ماذا؟ لن تسمعوا أي كلمة عن ذلك، سواء من الائتلاف أو من المعارضة. والاعلام على الأرجح لا يثير أي تساؤلات. الحملة الانتخابية تشبه موسم انتقالات كرة القدم: من سيلعب وفي أي فريق؟ وهي تشبه ترتيبات العمل. بعض الأشخاص، معظمهم بدون أهمية، يبحثون عن عمل. من سيأتي ومن سيرحل؟ هذا هو سبب الضجة.
اذا حل افيغدور ليبرمان مكان ايتمار بن غفير في وزارة الامن القومي فهل سيتحسن الوضع أم سيتدهور؟ هل سيضع ليبرمان الحد للتنكيل بالسجناء الفلسطينيين؟. وحتى مسالة اذا كان غادي ايزنكوت ونفتالي بينيت سيغيران مسار الأمور، ما زالت بدون إجابة واضحة. صحيح انه من الواضح ان الإسرائيليين سيشعرون براحة اكبر، لكن إسرائيل بحاجة الى اكثر من هذا بكثير الان. ان حملة الانتخابات التي تتجاهل الانباء المفرحة تنذر بما سيحدث في نهايتها.
مع انه لم يتم حسم أي شيء بعد، ولكن انشغال حملة الانتخابات بمستقبل حيلي تروفر أو نقل تالي غوتلب، وحتى جدول اعمال رئيس الحكومة قبل ثلاث سنوات، تلقي بظلال الشك على ما ينتظرنا بعدها. عندما لا يثير كل شيء الا التثاؤب، يظهر السؤال ما اذا كانت إسرائيل، التي يقول كثيرون بانها تتوجه الى الانتخابات الأكثر مصيرية في تاريخها، غير مقطوعة عن الواقع أصلا.
——————————————-
هآرتس 6/9/2026
لرؤساء كتلة التغيير: إما حكومة نتنياهو أو حكومة مع غولان وعباس
بقلم: إيريس ليعال
في بداية تأسيس حزب الديمقراطيين، عندما كانت المحادثات بين يئير غولان وأعضاء حزب الله مجرد محادثات جس نبض، التقيت معه في مكتبه. تحدثنا عن خططه وطبيعة الحزب الجديد. قلت له: “انظر، في موعد الانتخابات ستكون مرت ثلاث سنوات على 7 أكتوبر، وستتلاشى ذكرى بطولتك في ذلك اليوم. لن تستطيع التمتع بموجات التعاطف والامتنان الشعبي إلى الأبد”.
أومأ غولان وقد ظهر عليه التوتر بالموافقة وقال “أعرف”. من كان يتخيل مدى الصعوبات التي ستواجه هذه القصة في حينه؟ بعد ذلك، جاءت سارة.
في الوقت الذي بدأ الناس يتساءلون عن مصير حملة “الديمقراطيين” وتحول الهمس إلى توتر شديد على الشاشات، شاهدنا ما لا يصدق. في خضم حملة الليكود التي انطلقت مع شعار “لا حكومة لآيزنكوت دون العرب”، (الذي توسع في الأسبوع الماضي وأصبح “لا حكومة لآيزنكوت دون منصور عباس ويئير غولان” بهدف إبعادهما عن دائرة الشرعية). وفي الوقت الذي ظهر فيه أن رؤساء أحزاب المعارضة بدأوا يتراجعون، ذكّرت سارة نتنياهو الجميع بما فعله غولان في ذلك السبت المشؤوم، وكيف خاطر بحياته لإنقاذ الآخرين.
المقابلة التي أجراها برنامج “الوطنيون” مع نتنياهو، التي قال فيها إنهم لو أيقظوه لاختلف كل شيء كلياً، كانت بمثابة الشرارة الأولى. أما المقابلة التي أجراها البرنامج في اليوم التالي مع زوجته، التي لم تفعل إلا طرح الأسئلة، وهي الحيلة المعتادة لنظرية المؤامرة فيما يتعلق بتوقيت غولان وارتداء الزي العسكري المكوي، ارتدت عليه بقوة
معروف أنها كانت مستعدة لمقابلة في القناة 14، وأنها كانت تسيطر على الأسئلة، وأن فريق نتنياهو شاهد اللقطات ووافق على الرواية. لذلك، استنتج بعض المحللين أن كل شيء كان مخططاً له ومدبراً. الحقيقة، أن حملة نتنياهو الانتخابية كانت أمام خيارات صعبة: محاولة محو مذبحة 7 أكتوبر من الذاكرة العامة، أو التركيز على نظرية المؤامرة القديمة حول الخيانة من الداخل.
المقابلة التي أجراها برنامج “الوطنيون” مع نتنياهو، التي قال فيها إنهم لو أيقظوه لاختلف كل شيء كلياً، كانت بمثابة الشرارة الأولى. أما المقابلة التي أجراها البرنامج في اليوم التالي مع زوجته، التي لم تفعل إلا طرح الأسئلة، وهي الحيلة المعتادة لنظرية المؤامرة فيما يتعلق بتوقيت غولان وارتداء الزي العسكري المكوي، ارتدت عليه بقوة. فقد شاهد وسمع ردود الفعل كل من يعيش على وجه الأرض تقريباً: سيل من المقالات المفصلة التي فندت التضليل، وتحليل التسلسل الزمني للأحداث، وأسئلة حول ما حدث في الساعات الثلاث التي مرت بين لحظة هجوم حماس وأول اجتماع لهيئة الأركان العامة، وتقرير مفصل في أستوديو الجمعة، دقيقة بدقيقة.
إلى جانب ذلك، تدفقت شهادات لأشخاص التقوا مع غولان، وصور له في الميدان، وقصص من عائلات الناجين، ومراسلين التقوا معه في ذلك اليوم وغضب شعبي كبير جداً – بما في ذلك غضب شخصيات معروفة من اليمين. لقد أثار نتنياهو وزوجته تساؤلات حول إمكانية تشكيل حكومة وحدة وطنية واسعة تتعاون مع المسؤولين عن هذا الفشل وتداعياته. يشير الفشل الذريع لأحزاب الكتلة الثالثة، مثلما أقر جلعاد أردان المنسحب، إلى عدم وجود طلب لهذه البضاعة. لم يكن هناك قرار أوضح من هذا: إما تشكيل حكومة من المسؤولين عن السنوات الأربع الأخيرة، أو إقالة كل الذين فشلوا بصورة مخزية.
مع إغلاق القوائم، ستطوى صفحة التضليل أيضاً. على أحزاب المعارضة التي تحاول إنكار وجود غولان وعباس الخروج من عزلتها والإعلان عن تأييدهما بكل فخر، وتوضح لناخبيها هويتها ومن هو الزعيم المتفق عليه للتكتل، وكيف تنوي إزاحة الشخص الذي يهدد حياتنا جميعاً. لقد انتهى وقت التلاعب، وصبرنا عليكم بما فيه الكفاية.
—————-انتهت النشرة—————–

