تصريحات سفير تشيلي لدى “إسرائيل” عن الفلسطينيين تفجّر أزمة وتصل إلى البرلمان


المسار : انتقلت الأزمة التي أثارتها تصريحات سفير تشيلي لدى “إسرائيل”، غابرييل زالياسنيك، بشأن الجالية الفلسطينية في بلاده إلى مستوى المساءلة السياسية في مجلس النواب، بعدما وافق المجلس على استجواب وزير الخارجية فرانسيسكو بيريز ماكينا، في جلسة حُدد لها يوم 28 من الشهر ذاته.

وأقر مجلس النواب، في 8 أيلول/ سبتمبر، طلب الاستجواب بأغلبية 57 نائبًا مقابل 49، مع امتناع نائب واحد، على أن يتولى النائب الاشتراكي نيلسون فينيغاس توجيه الأسئلة إلى الوزير.

ويشمل الاستجواب 13 محورًا يتعلق بإدارة السياسة الخارجية للحكومة، إلا أن قضية زالياسنيك حضرت بصورة صريحة ضمن المحور الثاني، الذي يتناول تصريحاته بشأن الجالية الفلسطينية في تشيلي، والمعايير التي تستند إليها الحكومة في استمراره بمنصبه، رغم إعلان وزارة الخارجية أن أقواله لا تمثل موقفها.

وبذلك، تكون الأزمة قد تجاوزت نطاق الجدل بين السفير والجالية الفلسطينية، لتتحول إلى قضية مساءلة للحكومة نفسها، إذ بات وزير الخارجية مطالبًا بتوضيح كيفية تعامل وزارته مع تصريحات ممثل تشيلي الدبلوماسي لدى “إسرائيل”، والأسس التي تبرر بقاءه في منصبه بعد توجيه لوم رسمي إليه.

مقابلة أشعلت الأزمة

وتعود الأزمة إلى مقابلة أجراها زالياسنيك أواخر آب/ أغسطس الماضي مع ديفيد هاريس، المدير التنفيذي السابق للجنة اليهودية الأميركية، ضمن برنامج “الدفاع عن إسرائيل” الذي تبثه شبكة يهودية أميركية.

وتطرق زالياسنيك خلال المقابلة إلى حجم الجالية الفلسطينية في تشيلي ونفوذها في الحياة العامة، مشككًا في الأرقام المتداولة بشأن تعدادها.

وأشار إلى أن التقديرات المتعلقة بأعداد الفلسطينيين في تشيلي انتقلت، بحسب قوله، من نحو 250 ألف شخص قبل سنوات إلى 500 ألف ثم 800 ألف، معتبرًا أن ثمة استخدامًا سياسيًا لهذه الأرقام، كما تحدث عن حضور أبناء الجالية وتأثيرهم في وسائل الإعلام والكونغرس.

وأثارت التصريحات ردود فعل غاضبة في أوساط الجالية الفلسطينية، ليس بسبب الجدل حول الأرقام وحده، وإنما بسبب الطريقة التي قدم بها سفير رسمي شريحة من المواطنين التشيليين من أصول فلسطينية أمام جمهور خارجي.

الجالية الفلسطينية: “وصم جماعي”

وفي 29 آب/ أغسطس الماضي، وجهت الجالية الفلسطينية في تشيلي رسالة مفتوحة إلى الرئيس خوسيه أنطونيو كاست، نشرتها عبر حسابها الرسمي على منصة إنستغرام، واتهمت فيها زالياسنيك بممارسة “وصم جماعي” بحق التشيليين من أصول فلسطينية.

واعتبرت الجالية أن تقديمها باعتبارها كتلة سكانية كبيرة ومنظمة وذات نفوذ سياسي وإعلامي، بالتزامن مع التشكيك في أعدادها، يساهم في بناء سردية من الشك تجاه مواطنين تشيليين بسبب أصولهم.

وشددت الرسالة على أن أبناء الجالية لا يطالبون الحكومة باعتناق مواقفهم السياسية حيال فلسطين أو “إسرائيل”، وإنما بأن تعاملهم الدولة باعتبارهم مواطنين تشيليين وتحميهم على هذا الأساس، مؤكدة: “نحن تشيليون”.

الخارجية تتدخل والسفير يعتذر

وفي اليوم نفسه، وبعد تدخل وزارة الخارجية، أصدر زالياسنيك توضيحًا أعرب فيه عن أسفه لاستخدام تعبيرات يمكن أن تكون قد أساءت إلى الجالية الفلسطينية، مؤكدًا أنه لم يكن يقصد الإساءة إلى المواطنين التشيليين من أصول فلسطينية.

وحاول السفير وضع تصريحاته في سياق الحديث عن العلاقات التاريخية بين الجاليتين الفلسطينية واليهودية داخل المجتمع التشيلي، إلا أن الاعتذار لم ينهِ تداعيات القضية.

وفي 31 آب/ أغسطس، اتخذت الحكومة مسافة علنية من تصريحاته، إذ قال وزير الأمانة العامة للحكومة كلاوديو ألفارادو إن الحكومة لا تشارك السفير ما صدر عنه، واعتبر أنه ارتكب خطأ، مشيرًا إلى أن وزارة الخارجية ستتعامل مع المسألة ضمن الأطر الدبلوماسية المعتمدة.

“مذكرة لوم” رسمية

وفي 4 أيلول/ سبتمبر الجاري، كشف وزير الخارجية التشيلي فرانسيسكو بيريز ماكينا تفاصيل إضافية بشأن الإجراءات التي اتخذتها الوزارة بحق زالياسنيك.

وأكد الوزير أن السفير لم يطلب موافقة وزارة الخارجية قبل إجراء المقابلة، وأن تصريحاته المتعلقة بالجالية الفلسطينية لا تعبر عن موقف الحكومة التشيلية.

وأوضح أن الوزارة طلبت من زالياسنيك تصحيح أقواله علنًا، كما وجهت إليه “مذكرة لوم” رسمية، وأجرت اتصالات مع ممثلي الجالية الفلسطينية لتوضيح موقف الحكومة، واتخذت إجراءات تهدف إلى منع تكرار واقعة مماثلة.

وفي المقابل، لم تعلن الحكومة إقالة زالياسنيك أو سحب الثقة منه، بل أشار وزير الخارجية إلى جوانب إيجابية في عمله الدبلوماسي، ولا سيما فيما يتعلق بإعادة تنشيط العلاقات الثنائية بين تشيلي و”إسرائيل”.

ومن هنا برز السؤال الذي تحول لاحقًا إلى أحد محاور المساءلة البرلمانية: إذا كانت الخارجية قد تبرأت من تصريحات سفيرها ووبخته رسميًا وطلبت منه تصحيح أقواله، فما المعايير التي تبرر استمرار الحكومة في إبقائه ممثلًا لتشيلي لدى “إسرائيل”؟

القضية تصل إلى البرلمان

وفي 8 أيلول/ سبتمبر، انتقلت القضية بصورة مباشرة إلى مجلس النواب، بعد إقرار استجواب وزير الخارجية بشأن مجموعة من ملفات السياسة الخارجية.

ورغم أن الاستجواب لا يتعلق بزالياسنيك وحده، فإن المعارضة أدرجت قضيته بصورة مستقلة ضمن المحاور الثلاثة عشر، وطالبت الوزير بتفسير موقف الوزارة من تصريحاته، وكذلك توضيح الأسس التي تقوم عليها استمراريته في منصبه.

وأبدى بيريز ماكينا استعداده للمثول أمام النواب، معتبرًا الاستجواب فرصة لعرض سياسة الحكومة الخارجية والرد على التساؤلات المطروحة.

وبذلك، ستكون جلسة 28 أيلول/ سبتمبر المحطة السياسية المقبلة في الأزمة، إذ يُنتظر أن يواجه وزير الخارجية أسئلة مباشرة بشأن موقف الحكومة من تصريحات زالياسنيك، والإجراءات التي اتخذت بحقه، والأسباب التي دفعت إلى إبقائه سفيرًا رغم التوبيخ الرسمي.

تعيين مثير للجدل في سياق تحول السياسة التشيلية

وكان تعيين غابرييل زالياسنيك سفيرًا لتشيلي لدى “إسرائيل” في 4 حزيران/ يونيو 2026 قد أثار، منذ البداية، موجة من الاعتراضات، ولا سيما في أوساط الجالية الفلسطينية وقوى سياسية معارضة، وسط تساؤلات بشأن مدى قدرته على تمثيل الموقف التشيلي بصورة متوازنة، في ضوء مواقفه العلنية السابقة المؤيدة لـ”إسرائيل”.

وجاء تعيين زالياسنيك بقرار من الرئيس خوسيه أنطونيو كاست، ليعيد التمثيل الدبلوماسي التشيلي لدى “إسرائيل” إلى مستوى السفير، بعد نحو عامين من غياب سفير مقيم هناك.

ولم تأتِ هذه الخطوة بمعزل عن توجه أوسع في السياسة الخارجية التشيلية منذ تولي كاست السلطة في آذار/ مارس 2026، إذ اتجهت حكومته إلى إعادة تنشيط العلاقات مع “إسرائيل”، بعد مرحلة شهدت توترًا حادًا بين البلدين خلال عهد الرئيس السابق غابرييل بوريك.

وتجسد هذا التحول في استئناف التمثيل على مستوى السفير، إلى جانب تحركات رسمية لتوسيع مجالات التعاون الثنائي. ومنذ تسلم زالياسنيك مهامه، أعلنت السفارة التشيلية إجراء مباحثات مع مسؤولين إسرائيليين بشأن التعاون في مجالات الأمن والدفاع والاستخبارات والابتكار والتجارة، كما تحدثت عن تنشيط الروابط المؤسسية والأكاديمية والتجارية والعلمية بين الجانبين.

وفي آب/ أغسطس، عقد وزير الخارجية فرانسيسكو بيريز ماكينا اجتماعًا مع نظيره الإسرائيلي جدعون ساعر، قالت الخارجية التشيلية إنه تناول العلاقات الثنائية وفرص التعاون في مجالات التكنولوجيا والصحة الرقمية وإدارة المياه والطاقة المتجددة.

وفي هذا السياق، جاءت الأزمة الأخيرة لتضع حكومة خوسيه أنطونيو كاست أمام اختبار سياسي ودبلوماسي داخل مسار التقارب الجديد؛ فبينما تمضي في توسيع علاقاتها مع “إسرائيل”، باتت مطالبة، في الوقت نفسه، بتفسير كيفية تعاملها مع تصريحات سفيرها بشأن الجالية الفلسطينية، والدفاع أمام البرلمان عن قرار إبقائه في منصبه، رغم إعلان الخارجية أن تصريحاته لا تمثل موقف الحكومة وتوجيه مذكرة لوم إليه.

Share This Article