المسار : شهدت عملية تصويت الصحافيين المهنيين في المغرب، الثلاثاء، لاختيار ممثليهم في “المجلس الوطني للصحافة” تجاذبات حادة واختبارًا حقيقيًا لمسار التنظيم الذاتي للمهنة، إذ جرت العملية على وقع تقاطعات معقّدة جمعت بين رهان استعادة الشرعية الانتخابية وتصاعد حدة الجدل التنظيمي. فبينما أفرزت الصناديق نتائجها الإجرائية في محطة اعتبرت حاسمة أنهت فترة الفراغ والمراحل الانتقالية، طبعت المشهد الميداني اختلالات تنظيمية واكتظاظ خانق في مراكز الاقتراع الكبرى، أثار استياء واسعًا وطعونًا واضحة مسّت بضمانات سرية التصويت وكرامة الناخبين.
ولم يتوقف الجدل عند حدود الممارسة الميدانية، بل امتد ليعمق الشرخ المهني إثر قرار الفيدرالية المغربية لناشري الصحف سحب مشاركتها احتجاجًا على ما اعتبرته إقصاءً لمقاولات صحفية ومساسًا بالمنظومة المهنية، مما جعل هذا الاستحقاق يحدث فرزًا مهنيًا معقدًا يضع المجلس الجديد أمام تحديات جارفة تتعلق باستعادة الثقة وتثبيت الاستقلالية. واعتبر المكتب التنفيذي “للفدرالية المغربية لناشري الصحف” أن إقصاء 69 مقاولة صحفية من أعضائها يشكل استهدافًا لمنظومتها المقاولتية، وجددت “الفدرالية” رفضها القاطع لما وصفته بالمقاربة التراجعية للوزارة الوصية، تاركةً لأعضائها حرية الاختيار الفردي دون توجيه جماعي.
وأسفرت النتائج النهائية عن فوز سبعة مترشحين بعضوية المجلس الوطني للصحافة عن فئة الصحافيين المهنيين، ويتعلق الأمر بحنان رحاب التي حلت في المرتبة الأولى بـ703 أصوات، متبوعة بعبد الله البقالي بـ481 صوتا، ثم عبد الحق العضيمي بـ455 صوتا، وعبد الكبير خشيشن بـ437 صوتا، ومونيا عرشي بـ281 صوتا، ونادية حسيسو بـ257 صوتا، وعزيزة غلام بـ253 صوتا.
ولوحظ أن عدد المصوتين لم يتجاوز نصف عدد المسجلين، فقد أفادت “اللجنة المؤقتة” المكلفة بتنظيم انتخابات المجلس الوطني للصحافة، في بيان صادر فجر الأربعاء، بأن عدد الصحافيات والصحافيين المهنيين المسجلين في اللوائح الانتخابية النهائية بلغ 3421، فيما أدلى 1681 ناخبة وناخبا بأصواتهم، بنسبة مشاركة لم تتجاوز 49.14 في المئة. وبحسب المعطيات نفسها، بلغ عدد الأصوات الصحيحة المعبَّر عنها 1529 صوتا، مقابل 152 ورقة تصويت ملغاة، فيما لم تسجل أي ورقة متنازع بشأنها.
ورغم إعلان “اللجنة” أن مختلف المحطات الميدانية والتحضيرية مرت وفق الضوابط القانونية والتنظيمية، شهد يوم الاقتراع انتقادات واسعة واختلالات شابت سير العملية في مراكز كبرى؛ فقد أصدرت “النقابة الوطنية للصحافة المغربية” بيانًا انتقدت فيه حالة الاكتظاظ والفوضى التي شهدها مكتب الاقتراع الخاص بمنطقة الرباط سلا القنيطرة، مشيرة إلى أن الطوابير الطويلة والتدافع أربكا عملية الولوج وأثارا استياءً بالغًا بين المترشحين والناخبين.
من جهته، طالب “المنتدى المغربي للصحافيين الشباب” اللجنة المشرفة على انتخاب ممثلي الصحافيين بـ “المجلس الوطني للصحافة”، بفتح تحقيق عاجل وشفاف في الاختلالات والتجاوزات المسجلة بمكتبي الرباط والدار البيضاء، وتحديد المسؤوليات وترتيب الآثار القانونية عنها.
وعبّر “المنتدى”، في بيان اطلعت عليه “القدس العربي”، حول “الاختلالات اللوجستية والتجاوزات القانونية التي رافقت اقتراع انتخابات المجلس الوطني للصحافة”، عن شجبه واستنكاره الشديدين للظروف التنظيمية والتجاوزات القانونية التي رافقت هذا الاستحقاق المهني، مسجلاً أنها “تضرب في عمقها مصداقية العملية الانتخابية”.
وبناءً على المعطيات الميدانية والمعاينات المباشرة التي استقاها ملاحظو “المنتدى” في مركزي الاقتراع بالرباط والدار البيضاء، سجّل المنتدى “خرق المقتضيات القانونية والمساس بسرية التصويت، من خلال رصد مشاهد تخرق قواعد العملية الانتخابية، حيث شوهد بعض الأشخاص يحملون أوراق التصويت ويدخلون في نقاشات مع أشخاص آخرين يحملون هواتف ذكية قبل التوجه إلى معزل التصويت”.
واعتبر “المنتدى” أن هذا السلوك يشكل “خرقا صريحا للمقتضيات القانونية والتنظيمية المحددة للاقتراع، لاسيما المادة الثانية من المقرر التنظيمي الصادر عن اللجنة المؤقتة المكلفة بممارسة مهام المجلس الوطني للصحافة وتحضير انتخابات ممثلي الصحافيين المهنيين وانتداب ممثلي ناشري الصحف وتنظيمها والإعلان عن نتائجها النهائية، والتي تنص صراحة على إجراء العملية الانتخابية في احترام كامل لحرية الناخب في الاختيار وسرية التصويت”.
على صعيد آخر، تفاوتت مواقف المترشحين لانتخابات “المجلس الوطني للصحافة” بين التنديد الميداني المباشر والتقييم الناقد لما بعد إعلان النتائج؛ إذ ركز الصحافي ياسر المختوم، في بيان أصدره يوم الاقتراع، على شجب مظاهر الفوضى والاكتظاظ بمكتب الرباط، محذرًا من تجاوزات تطال سرية التصويت وتؤثر على إرادة الناخبين في خرق صريح للقرار التنظيمي رقم 03/2026، مع تحميله اللجنة المؤقتة مسؤولية التدخل الفوري وتأكيده على دعوة الزملاء للصمود وعدم المغادرة لضمان الشرعية التمثيلية.
في حين اتسم موقف المترشح زكرياء أيت عبد المجيد بطابع استقرائي ومتقبل للنتائج بروح ديمقراطية رغم تجديده الانتقاد للظروف “المخزية” للتصويت في مكتبي الرباط والدار البيضاء، مسلطًا الضوء على “اختلالات أعمق” شملت ضرب تكافؤ الفرص، وتوظيف البيانات والأساليب النقابية واستغلال الوعود، وحرمان فئة واسعة من الصحافيين من البطاقة المهنية بسبب البيروقراطية، فضلًا عن التحالفات الهجينة، ليخلص إلى ضرورة التقاط رسائل اقتراع 15 أيلول/ سبتمبر واستخلاص العبر من وضعية القطاع.
وتنافس في هذه الانتخابات 39 صحافيا لتمثيل زملائهم في المجلس، الذي تضم تركيبته 7 أعضاء ينتخبهم الصحافيون المهنيون، و7 ناشرين تنتدبهم المنظمات المهنية، و3 أعضاء يمثلون المجلس الأعلى للسلطة القضائية والمجلس الوطني لحقوق الإنسان والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.
وكان أول انتخاب للمجلس الوطني للصحافة قد أجري في يونيو/حزيران 2018، لكن تعذر تنظيم انتخابات جديدة لتجديد أعضاء المجلس، فقررت الحكومة تمديد مدة انتدابه عاما، ثم أحدثت لجنة مؤقتة لتسيير شؤون القطاع بهدف تصحيح الوضع غير القانوني للمجلس.

