باب الرحمة.. بوابة الأقصى الشرقية في مرمى أطماع “جماعات الهيكل” لتحويلها إلى “معبد”

ومع كل صباح، تتجه أنظار المستوطنين خلال اقتحاماتهم إلى المنطقة الشرقية للمسجد الأقصى، لأداء طقوسهم وصلواتهم التلمودية الجماعية، وإقامة حلقاتهم الدينية، فضلًا عن “نفخ البوق”، كما حدث خلال “رأس السنة العبرية” الأحد الماضي.
ونظرًا لموقعها الجغرافي الاستراتيجي وملاصقتها للسور الشرقي للأقصى، تسعى “جماعات الهيكل” للسيطرة على هذه المنطقة وتحويلها إلى كنيس يهودي، بالتزامن مع منع المسلمين من الدخول إليها أو الصلاة فيها.
وباب الرحمة يعتبر من أقدم وأشهر الأبواب في السور الشرقي للأقصى، ويتمتع بمكانة دينية وتاريخية عظيمة، وهو مكون من بوابتين ضخمتين، هما الرحمة جنوبًا والتوبة شمالًا.
وسُمي هذا الباب لدى الأجانب بالباب “الذهبي” لرونقه وبهائه، ويقع على بعد 200 متر جنوبي باب الأسباط في الحائط الشرفي للسور، ويعود بناؤه إلى العصر الأموي بدلالة عناصره المعمارية والفنية، وهو باب مزدوج يعلوه قوسان ويؤدي إلى باحة مسقوفة بعقود ترتكز على أقواس قائمة فوق أعمدة ضخمة.
أطماع لا تتوقف
وفي الآونة الأخيرة، تعمّد المستوطنون تكثيف اعتداءاتهم وانتهاكاتهم في منطقة باب الرحمة بشكل كبير، وسط أداء طقوس تلمودية بشكل شبه يومي، كما يقول الباحث المختص في شؤون القدس فخري أبو دياب.
ويوضح أبو دياب، في حديث له، أن باب الرحمة يعد البوابة الوحيدة في السور الشرقي للمسجد الأقصى، ويقع في المنطقة الشرقية منه، فيما تقع خلفه مباشرة مقبرة باب الرحمة، التي سُمّي الباب نسبةً إليها.
ويشير إلى أن مصلى باب الرحمة يقع من الداخل، وكان في السابق بوابةً، قبل أن تُغلق عام 1187 على يد صلاح الدين الأيوبي، عقب تحرير القدس.
وكان إغلاقها مرتبطًا بعدم وجود تواجد إسلامي أو مقدسي في هذه المنطقة، فهي منطقة قبور، ولذلك أُغلقت خوفًا من الغزاة والطامعين، الذين عادوا حديثًا.
ويضيف أبو دياب أن سلطات الاحتلال وما يُسمى بـ”جماعات الهيكل”، التي تعمل على تغيير واقع المسجد الأقصى ومحاولة فرض واقع تهويدي عليه، ونزع هويته الإسلامية واستبدالها بهوية مهوّدة، ترى أن هذه المنطقة ربما تكون الأنسب لتكون موطئ قدم لها لإقامة كنيس، وبدايةً لأداء الصلوات فيها.
ويلفت إلى أن هذه المنطقة تُعتبر الآن كنيسًا، حتى لو لم يُقام فيها كنيس على شكل مبنى، كما هو معروف في المباني التقليدية، لكن هناك نوايا لإقامة كنيس فيها.
مخطط إسرائيلي
وتعمّدت شرطة الاحتلال، وفقًا لأبو دياب، مساعدة المستوطنين في تحقيق ذلك، من خلال منع الوصول إلى المنطقة، بحيث لم يعد بإمكان المسلمين الوافدين إلى المسجد الأقصى الصلاة في المنطقة الشرقية.
ويتابع “وحتى مصلى باب الرحمة الذي أُغلق لفترة طويلة، قبل أن يُفتح عنوةً رغمًا عن شرطة الاحتلال، ثم أُعيد إغلاقه، فيما تمنع شرطة الاحتلال حاليًا الصلاة فيه خلال أيام الأسبوع”.
ففي عام 2003، أغلقت شرطة الاحتلال مصلى باب الرحمة، الذي كان مقرًا للجنة التراث الإسلامي، بدعوى استخدامه في نشاطات سياسية. وفي عام 2017، أصدرت محكمة الاحتلال قرارًا يقضي بإغلاق المبنى إلى إشعار آخر، بموجب “قانون مكافحة الإرهاب”.
لكن في شباط/فبراير عام 2019، تحدى المقدسيون بصمودهم وإرادتهم القوية إجراءات الاحتلال، وأعادوا فتح مصلى باب الرحمة وأدوا الصلاة فيه، بعد إغلاقه 16 عامًا.
ويكشف أبو دياب عن مخطط إسرائيلي لاقتطاع خمسة دونمات من المنطقة المحيطة ببوابة الرحمة ومصلى باب الرحمة، بهدف إقامة “معبد”.
وجاء استهداف هذه المنطقة لعدة أسباب، أولها وجود باب الرحمة، الذي يُعد الأسهل للدخول والخروج في حال فتحه، إذ لا يوجد في محيطه سكان مقدسيون أو محال تجارية، كما تنفتح المنطقة مباشرة على مساحة خالية والمقابر، ما يسهل الوصول إليها من قبل الاحتلال أو “جماعات الهيكل”.
ويوضح الباحث المقدسي أن الجماعات المتطرفة بدأت أيضًا بإقامة طقوس تلمودية والتواجد الدائم في منطقة باب الرحمة من الخارج، في مؤشر على تخطيطها لخطوة ما في هذه المنطقة.
وجود دائم
ووفقًا للباحث المقدسي، فإن شرطة الاحتلال منعت الوصول إلى هذه المنطقة، وأصبحت الطقوس التلمودية تُقام فيها بشكل دائم، من “نفخ البوق والصلوات العلنية والانبطاح”، وغيرها، خاصة أن هذه المنطقة تُعد الأسهل للسيطرة عليها.
ويؤكد أن “جماعات الهيكل” أدركت أن محاولة الوصول إلى مسجد قبة الصخرة، أو وضع طقوس داخل القبة أو في محيطها، أو السعي إلى تغيير وضعها، قد تُعد استفزازًا أكبر، كونها مسجدًا وجزءًا من المسجد الأقصى.
ولذلك، اتجهوا إلى الساحات الفارغة بين الأشجار والمسجد الأقصى، حيث يقل اهتمام الناس بها مقارنةً بالمسجد القبلي وقبة الصخرة والمصليات المسقوفة، ما جعلها بالنسبة إليهم نقطة انطلاق أسهل لفرض وجود دائم، وصولًا إلى تكريس تقسيم مكاني دائم. وفق أبو دياب
ويؤكد أبو دياب أن هذه المنطقة جزء لا يتجزأ من المسجد الأقصى، لكنها باتت الأكثر حساسية في الوقت الراهن، في ظل توجّه أطماع “جماعات الهيكل” إليها بشكل كبير.
ويقول: إن “هذه المنطقة بدأ يظهر وكأنها قد اقتُسمت بشكل غير معلن، مع وجود اقتسام مكاني شبه دائم فيها، خاصة أننا سنشهد في الأيام القليلة القادمة، بالتزامن مع الأعياد اليهودية، ربما وضع حجر أساس في هذه المنطقة، أو على الأقل اتخاذها لتكون معبدًا”.
وفي تشرين الأول/أكتوبر الماضي، وخلال ما يُسمى ذكرى “خراب الهيكل”، نصبت سلطات الاحتلال خيامًا في هذه المنطقة، قبل أن تزيلها لاحقًا.
وبهذا الصدد، يرجح الباحث المقدسي أن يكون الهدف منها إما قياس نبض الشارع ومعرفة ردود الفعل، أو أنها كانت تمهيدًا للتحضير لشيء دائم وليس مؤقتًا.
وسبق أن حذرت محافظة القدس من خطط إسرائيلية لتهويد باب الرحمة، على غرار حائط البراق، ومن محاولات “جماعات الهيكل” فرض موطئ قدم ديني يهودي جديد في محيط المسجد الأقصى.
واعتبرت أن الطقوس التي أقامها مستوطنون في مقبرة باب الرحمة، الملاصقة للسور الشرقي للمسجد الأقصى من الجهة الخارجية، لا سيما خلال الأسابيع الماضية تأتي في سياق منظم يتجاوز الطقوس الموسمية المرتبطة بالأعياد اليهودية، ويمهّد لتحويل المكان إلى نقطة صلاة يهودية متكررة.

3XZGr.jpg

IMG-20260917-WA0007.jpg

IMG-20260917-WA0005.jpg

IMG-20260917-WA0004.jpg

Share This Article