أمّا النسخة الثانية عن التقرير، والتي صدرت بالعبرية في أيلول سنة 2012، فاحتوت معلومات أكثر تفصيلاً، مع الأخذ في الاعتبار أن كل ما نُشر قد تعرّض لمراقبة دقيقة من الأجهزة الأمنيّة الإسرائيلية، ورغم ذلك فهو فاضح. ونُشر تقرير 8 شباط أيضاً باللغة الإنكليزية في كل من صحيفتي «جيروزاليم بوست» و»يديعوت أحرونوت». وفي تلك الفترة نُشرت ترجمات عديدة بالعربية، لكنّ الترجمة الدقيقة والأفضل كانت ترجمة مركز الأبحاث الفلسطيني وقد نُشرت في مجلة «شؤون فلسطينية»، العدد 136-137، آذار-نيسان 1983.
كُتب الكثير عن التقرير في صيغته الأولى، لكن ما سأتحدّث به في هذا المقال يستند بالدرجة الأولى إلى مصدرين: الأول، النسخة الثانية التي صدرت في أيلول 2012، وتضم نصاً من 309 صفحات إضافة إلى ملاحق من 98 صفحة تتضمّن مقاطع مما جرى من نقاشات في اجتماعات الحكومة الإسرائيلية، وشهادات كبار الضباط وفي طليعتهم وزير الدفاع أرئيل شارون وغيره، إضافة إلى مقاطع من محاضر الاجتماعات مع قادة «الكتائب» و»القوات اللبنانية» وضباط في الجيش اللبناني والتي حضرها كل من بيار وبشير وأمين الجميل، وفادي أفرام، وفؤاد أبو ناضر وغيرهم، وكذلك جوني عبدو وهاني بستاني…إلخ. أمّا المصدر الثاني، فهو شاهد عيان على الأحداث كان على اطّلاع دقيق على بعض ما تمّ التخطيط له، وقد أكّد لي أنه يتحدّث عن تلك الأحداث ويدلي فقط بما هو متأكد منه وكان شاهداً عليه، وأنه يجهل خفايا كثيرة.
وبما أن التقرير طويل ويحتاج إلى بحث تفصيلي لما ورد فيه، وهذا لا يمكن شرحه في مقال قصير، رأيت أن أشير بتصرف إلى بعض ما ورد في التحقيق كما يلي:
1- «التعاون مع الكتائب ودعوتهم لتحرير لبنان» هو مخطط يعود إلى سنوات، وهو جزء من خطة سياسية تهدف إلى نقل «لبنان الحر» كي يكون تحت سيطرة المسيحيين» (ص 7).
2- «في مطلع 1975 ابتدأت العلاقات بين إسرائيل والكتائب وجرى الاتفاق على صفقات سلاح، وتواصلت الاجتماعات السرية كما تطوّر التعاون السياسي والعسكري. المعدّات العسكرية التي جرى تزويدهم بها بلغ ثمنها 118.50 مليون دولار، كما تم تدريب وتأهيل 1300 مقاتل. وتلقّى بعضهم دروساً عليا في المعاهد العسكرية، وتواصلت الاجتماعات مع كبار رجال السياسة في إسرائيل وقيادة الكتائب، وتطوّرت العلاقات إلى صداقات بين ضباطنا وعناصرهم، وتمّ تحويلهم إلى قوة مقاتلة تشبه في أدائها الجيش الإسرائيلي» (ص 8-9).
3- «كانت ذروة التعاون قد أثمرت اتفاقاً شاملاً في كانون الثاني 1982 عندما ثبتت دعائم تحالف سياسي-استراتيجي مع القيادة الكتائبية والذي تمت بواسطته وضع خطط سياسية وعسكرية للنشاطات المستقبلية. وعلى ذلك الأساس شعرت الكتائب بأنها ستكون مستقبلاً القوة العسكرية والسياسية التي ستتحكّم بلبنان» (ص 9).
كان بشير قد سبق له أن ردّ على سؤال من شارون: «ماذا ستفعلون في مخيمات بيروت؟» فأجاب كما يذكر التقرير: «أريد أن أحوّلها إلى حدائق حيوانات»
4- لاحظ الإسرائيليون أن الدعم الذي قدموه لـ»الكتائب» قد بدّل أسلوب بشير الجميل بحيث «تحوّل من زعيم عاطفي مليء بالحقد يقود عصابة إلى زعيم سياسي» كما جاء في التقرير (ص 9). الجدير بالذكر هنا أنه في 16 حزيران قدّم جوني عبدو خطة اقتحام غرب بيروت إلى الوفد الإسرائيلي الذي كان يضم قائد الجبهة الشمالية، وممثلاً عن «الموساد». وكان عبدو ضمن وفد برئاسة بشير ضم جان نادر وزاهي بستاني. وقال عبدو إن الجيش و»الكتائب» سيدخلان غرب بيروت فور وصول بشير إلى الرئاسة، وطالب بأن يستمر الحصار كي يتسنى للكتائب «تطهير المخيمات من الإرهابيين». وأضاف أنه يرغب بعدم انسحاب الإسرائيليين قبل انسحاب السوريين وتشكيل حكومة ثابتة وقوية. أمّا الإسرائيليون فقد أبلغوا «القوات اللبنانية» أنهم لن يدخلوا بيروت الغربية، لكن في حال احتاجت «القوات» إلى الدعم سيقومون بالقصف الضروري لتسهيل مهمتهم. وفي جميع محاضر الاجتماعات هناك «تعهد من بشير الجميل، بوصفه رئيس لبنان الجديد، بأنه سيلغي القضية الفلسطينية من لبنان حتى ولو أدّى ذلك إلى استعمال أكثر الأساليب دموية».
التحالف الإسرائيلي-الكتائبي أصبح واقعاً وتأكد ذلك في إطلاق عملية «سلامة الجليل». وخلال وضع الخطط للعمليّة جرى البحث في مسألة مشاركة «الكتائب» في العمليات العسكرية جنباً إلى جنب مع الجيش الإسرائيلي. وتمّ تكليف «الكتائب» القيام بعمليات قتالية في منطقة بيروت. وفي المرحلة الأولى من الاجتياح طُلب من «الكتائب» أن لا تتدخل في القتال، لكن عندما اقتربت القوات الإسرائيلية من بيروت، أصبحت الحاجة ماسة للاستعانة بقوات «الكتائب» سواء في قتال شوارع أو في مناطق أخرى، وهذا ما قامت به «القوات اللبنانية» بالتحرك عسكرياً نحو مناطق الريحان، معهد العلوم، تقاطع الجمهور، بحمدون، عاليه، سوق الغرب وبيت الدين. وهكذا، كما يذكر التقرير، نفّذوا «أوامر وتوجيهات جيش الدفاع الإسرائيلي» (ص 20).
ومنذ مطلع أيلول 1982 تواصلت الاجتماعات التنسيقية بين بشير الجميل ومساعديه وبين قادة الجيش الإسرائيلي ورئيس الحكومة مناحيم بيغن بحضور كبار ضباط «الموساد» في مقرّ وزارة الدفاع الإسرائيلية. وكان الجانب الإسرائيلي يصرّ على دخول قوات «الكتائب» غرب بيروت «لتنظيف المدينة من الإرهابيين». وفي المحصّلة وافق بشير وتعهّد بعد تردّد بالتنفيذ لكن «بعد وصوله إلى الرئاسة» (ص 21). وفي أحد الاجتماعات سأل بشير ممثل وزارة الدفاع الإسرائيلية: «هل تسمحون لنا بإدخال جرافات إلى مخيمات الجنوب؟». وكان الجواب: «نحن لا نرغب بالتدخل في أمور لبنان الداخلية، فهذا أمر لا يهمّنا». وكان بشير قد سبق له أن ردّ على سؤال من شارون: «ماذا ستفعلون في مخيمات بيروت؟» فأجاب كما يذكر التقرير: «أريد أن أحوّلها إلى حدائق حيوانات».
أعطي الضوء الأخضر للجيش الإسرائيلي لاجتياح لبنان بعد تعرض السفير الإسرائيلي في بريطانيا شلومو أرغوف لمحاولة اغتيال في 3 حزيران 1982. وخلال مراحل تقدم الجيش الإسرائيلي كان التنسيق بين الطرفين على أعلى المستويات، وشارك في أحد تلك الاجتماعات في 5 أيلول بشير الجميل ومستشاروه يتقدّمهم مدير مخابرات الجيش جوني عبدو، ورئيس مخابرات «القوات اللبنانية» إيلي حبيقة، وزاهي البستاني وجان نادر. أمّا عن الجانب الإسرائيلي فكان هناك مدير وزارة الخارجية الجنرال أوديد، وممثّل «الموساد». ومما جاء في محضر ذلك الاجتماع أنه تمّ وضع اللمسات الأخيرة للاستيلاء على غرب بيروت، ونوقش موقف الأميركيين، والمسلمين في غرب بيروت، والدول العربية ومنظمة التحرير (الصفحات 296-309).
ومع الحصار الإسرائيلي والقصف لغرب بيروت كان اللقاء الحاسم في 21 آب في مكتب بشير بين شارون وبيار وبشير الجميل. تحدّث بيار: «الله أرسلكم لنا خلال السنوات الثماني الماضية. الجميع تخلوا عنا من الأميركيين إلى الأوروبيين. لقد أنقذتمونا، لولاكم لكنا اختفينا. زرت إسرائيل عدة مرات وكنت مندهشاً لما رأيت…». وأضاف: «لا أستطيع العيش مع الطرف الآخر». وكان الاتفاق بينهما كاملاً.
المعلومات الواردة أعلاه هي عبارة عن لمحة سريعة في تاريخ العلاقة بين الكتائب وإسرائيل وتطورها منذ بداية الحرب عام 1975 حتى بدء المشاركة العسكرية في الاجتياح عام 1982.
يتبع…
المصدر الأخبار اللبنانية

