بقلم ” نعيم حرب ” أزمة الشرعية في طريق المجلس الوطني الجديد. “من يختار من يحق له أن ينتخب”؟

المسار : ليست المشكلة الفلسطينية اليوم في غياب الانتخابات بوصفها موعدًا انتخابيًا مؤجلًا، ولا في نقص القوانين والنصوص التي تتحدث عن الديمقراطية والتعددية والتمثيل الشعبي؛ المشكلة أعمق من ذلك بكثير. إنها مشكلة شرعية سياسية استُنزفت بفعل طول الغياب، ونظام سياسي طال بقاؤه خارج الاختبار الشعبي، ومؤسسات فقدت قدرتها على تجديد تفويضها من أصحاب الحق الأصلي: الشعب الفلسطيني.

فآخر انتخابات رئاسية فلسطينية جرت عام 2005، وآخر انتخابات تشريعية جرت عام 2006، ومنذ ذلك الوقت لم تُجر انتخابات عامة تعيد إنتاج السلطة السياسية عبر الاقتراع الشعبي. وفي عام 2021 جرى بالفعل تحديد مواعيد للانتخابات التشريعية والرئاسية، ثم أُعلن تأجيلها إلى حين توافر شروط إجرائها في الأراضي الفلسطينية كافة، وفي مقدمتها القدس وهذا التبرير في الواقع غير دقيق حيث كان من الممكن جعل الانتخابات في القدس مجال اشتباك سياسي مع الاحتلال ووضع  مؤسسات المجتمع الدولي على المحك في مسؤولياتها  ومهامها وتعرية إسرائيل، ولكن لم تكن هناك إرادة بذلك مع الحرص على إبقاء الحالة كما هي دون تغير وسلب إرادة الشعب.

وبذلك دخل النظام السياسي الفلسطيني في واحدة من أطول مراحل الانقطاع الانتخابي في تاريخه الحديث، فتحول الاستثناء مع مرور الزمن إلى قاعدة، وتحولت المؤسسات المؤقتة أو المنتخبة لولاية محددة إلى مؤسسات مفتوحة المدة، بينما اتسعت مساحة القرارات والمراسيم في مقابل انكماش مساحة الرقابة والمساءلة الشعبية. تغيب المتعمد للإرادة الشعبية والرغبة في التغير بعد حالة التكلس  والتجمد التي بات يعاني منها النظام السياسي إضافة الى العزلة، فحين تغيب الانتخابات سنوات طويلة، لا يبقى الأمر مجرد خلل إجرائي. فالانتخابات ليست صندوقًا وأوراق اقتراع فقط؛ إنها الآلية التي يعيد من خلالها المجتمع إنتاج شرعية مؤسساته، ويحاسب ممثليه، ويستبدلهم عندما يرى أن أداءهم لم يعد يعبر عن إرادته.

القانون الأساسي الفلسطيني ينص على أن النظام السياسي ديمقراطي نيابي قائم على التعددية السياسية، كما ينص على أن المجلس التشريعي سلطة تشريعية منتخبة، وأن انتخاب أعضائه يتم بصورة عامة وحرة ومباشرة. أما في منظمة التحرير الفلسطينية، فإن النظام الأساسي أكثر وضوحًا في هذه المسألة: الشعب الفلسطيني هو القاعدة الكبرى للمنظمة، وأعضاء المجلس الوطني يُنتخبون بالاقتراع المباشر، والمجلس الوطني هو السلطة العليا للمنظمة.وهنا تحديدًا تكمن المفارقة الكبرى: كيف يمكن لمؤسسة يفترض أنها تمثل الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات أن تكتسب شرعيتها من الشعب إذا لم يكن هذا الشعب هو الذي يختار ممثليه؟ وهنا تصبح المسألة ليست  تقنية. إنها سؤال الشرعية ذاته. فالمجلس الوطني الفلسطيني ليس هيئة علاقات عامة للفصائل والأحزاب وهو ليس مجرد إطار بروتوكولي، ولا مجلسًا استشاريًا يمكن ملء مقاعده بالتوافقات الداخلية ثم تقديمه باعتباره تعبيرًا عن الإرادة الشعبية. إنه، وفق النظام الأساسي لمنظمة التحرير، السلطة العليا للمنظمة، وهو الذي يضع سياساتها وبرامجها، فيما تكون اللجنة التنفيذية مسؤولة أمامه. ولهذا فإن طريقة تشكيل المجلس ليست تفصيلًا ثانويًا. الطريقة التي ننتخب بها المجلس تحدد إلى حد كبير طبيعة الشرعية التي سيحملها، وطبيعة القيادة التي ستنبثق عنه، ومدى قدرتها على إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني.

 

فالنظام الانتخابي للمجلس الوطني الفلسطيني لعام 2026 ينص، من حيث الأصل، على انتخابات عامة وحرة ومباشرة بالاقتراع السري وبالتمثيل النسبي الكامل، ويحدد المجلس بـ 350 عضوًا، منهم 200 عن الأراضي الفلسطينية و150 عن الفلسطينيين في الخارج والشتات. لكنه ينص أيضًا على اللجوء، عندما يتعذر إجراء الانتخابات المباشرة في بعض مناطق الشتات، إلى المجمع الانتخابي أو التوافق، بل وإلى التوافق والتعيين وفق أحكام النظام. وهنا تبدأ الإشكالية الحقيقية. فالمجمع الانتخابي هو  حل اضطراري وليس بديل دائم عن الشعب؟ ويمكن معالجة ليس فقط بتوافق فصائلي بل بتوافق كافة مكونات الشعب الفلسطيني التمثيلية في هذا القطر او ذلك والتوافق على صيغة اختيار بل إن تدعى مجموعات غير تمثيلية ومختارة على الفرازة  لتصبح هي من يختار ويمثل فهذ إعادة إنتاج وليس تطوير أو تغير. قد يكون اللجوء إلى المجمع الانتخابي مفهومًا في حالة استثنائية حقيقية تمنع الفلسطينيين في منطقة ما من ممارسة الاقتراع المباشر. وهذا بالضبط هو التبرير الذي تقدمه الجهات الرسمية؛ فقد أعلنت أن المجمع الانتخابي يأتي في المناطق التي يتعذر فيها إجراء الانتخابات المباشرة بسبب الظروف السياسية أو اللوجستية.

 

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاستثناء إلى قاعدة، والضرورة إلى آلية أصلية، والتمثيل غير المباشر إلى بديل عن الاقتراع الشعبي. وقد بدأت بالفعل ترتيبات لاعتماد المجمعات الانتخابية في عدد من دول الشتات، من بينها السويد ولبنان، فيما أُعلنت انتخابات مماثلة في دول أخرى عبر هذه الآلية. على الرغم من موافقة  الدولة اللبنانية على إجراء انتخابات، ولكن نحن من اتخذ من تخوفات غير مبرة حجة وذريعة لعدم إجراءها وهنا يأتي  السؤال واضحًا وصريحاً، من ينتخب أعضاء المجمع الانتخابي؟ ومن يحدد مكوناته؟ ومن يقرر وزن كل مكوّن؟ ومن يضمن أن يكون هذا المجمع انعكاسًا حقيقيًا للكتلة الفلسطينية في تلك الدولة؟ ومن يراقب العملية؟ وكيف يطعن المواطن الفلسطيني في النتائج؟ إذا كان المواطن لا يختار ممثله مباشرة، وإنما يختار أشخاصًا أو جهات تختار عنه، فنحن أمام شكل من أشكال التمثيل غير المباشر. وقد يكون هذا الشكل مشروعًا في بعض الأنظمة السياسية إذا كانت قواعده محددة وشفافة ومستقلة ومقبولة من المجتمع، لكنه يصبح إشكاليًا للغاية عندما يكون تكوين الهيئة الناخبة نفسه غير منتخب، أو محكومًا بالتوازنات الفصائلية والتنظيمية، أو مفتوحًا للتوافقات المغلقة. مع غياب أسس توافقية على ذلك.

 

في هذه الحالة لا يعود السؤال: من انتخب؟ بل يصبح السؤال: من اختار من يحق له أن ينتخب؟ وهذا فرق جوهري. وهنا يكون الخطر وكبير على مصداقية العملية الانتخابية برمتها ويعيد تكرس الحالة كما هي دون تغير أو تطوير  ويبقى الخطر الأكبر هو إعادة إنتاج الموجود بدل تجديد النظام والمشكلة لا تتوقف عند طريقة اختيار عدد من أعضاء المجلس الوطني. الأخطر هو احتمال أن تتحول العملية برمتها إلى وسيلة لإعادة إنتاج البنية السياسية القائمة، بدل أن تكون مدخلًا لإعادة بناء النظام السياسي. فإذا كانت القوى والأطر التي تسيطر على مفاصل القرار السياسي هي نفسها التي تتحكم في تشكيل المجالس الانتخابية، وتحدد قوائم المرشحين أو التوافقات، وتشارك في إدارة العملية، فإن الخطر الموضوعي هو أن تأتي النتائج قريبة من تركيبة القوة القائمة أصلًا.

 

وهنا لا نتحدث عن اتهام شخص أو فصيل بعينه بالتلاعب؛ بل عن مشكلة بنيوية في تصميم العملية الانتخابية نفسها. لأن الديمقراطية لا تُقاس فقط بما إذا كان هناك اقتراع داخل غرفة ما، وإنما أيضًا بالسؤال عن:

من يملك حق الترشح؟ ومن يملك حق الانتخاب؟ وكيف تشكل الهيئة الناخبة؟ وهل توجد منافسة حقيقية؟

وهل يستطيع المستقل والمعارض والمنظم وغير المنظم الوصول إلى الناخب؟ وهل توجد جهة انتخابية مستقلة؟

وهل توجد رقابة فعالة؟ وهل توجد آلية طعن؟ وهل يستطيع الناخب تغيير ممثليه فعلًا؟ إذا كانت الإجابة عن هذه الأسئلة غير واضحة، فإن مجرد استخدام كلمة «انتخابات» لا يكفي لإنتاج شرعية ديمقراطية مكتملة.

الخطر الأكبر على القضية الفلسطينية ليس فقط استمرار الانقسام بين الضفة وغزة، ولا الاحتلال والاستيطان، ولا الحصار والعدوان؛ ثمة خطر داخلي لا يقل أهمية، وهو انفصال النظام السياسي عن المجتمع الذي يفترض أن يمثله. فالشعب الفلسطيني تغير كثيرًا خلال العقدين الماضيين. وظهرت أجيال جديدة لم تشارك أصلًا في انتخابات تشريعية أو رئاسية. وتغيرت أولويات المجتمع، وتبدلت موازين القوى الاجتماعية والسياسية، وظهرت قوى وشخصيات مستقلة وحركات شبابية ومجتمعية جديدة، واتسعت الفجوة بين الأجيال القديمة والجديدة. فهل يعقل أن يبقى النظام السياسي مغلقًا أمام هذا التغير الاجتماعي؟ وهل المطلوب من الأجيال الفلسطينية الجديدة أن ترث مؤسسات صيغت في ظروف تاريخية مختلفة، دون أن تمتلك حق إعادة تشكيلها؟ فالديمقراطية ليست مكافأة تمنحها القيادة للشعب عندما تسمح الظروف، بل حق أصيل للشعب في اختيار من يمثله ومحاسبته واستبداله.

 

المفارقة المؤلمة أن الخطاب الفلسطيني يتحدث عن الدولة والاستقلال وتقرير المصير والتحرر من الاحتلال، بينما لا يزال النظام السياسي الداخلي يعاني من أزمة تمثيل وغياب دوري للانتخابات.  حيث لا يمكن بناء دولة المستقبل بعقلية مؤسسات الماضي نحن نطالب العالم بأن يعترف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وهذا حق مشروع وأصيل، لكن تقرير المصير لا ينبغي أن يُختزل في تقرير المصير الخارجي فقط. هناك أيضًا تقرير مصير داخلي لا يقل أهمية عن تقرير المصير الخارجي، بل هو أحد اهم أدوات وطرق الوصل اليه أن يكون لنا الحق بتقرير مصيرنا الداخلي وأن يقرر الفلسطينيون من يمثلهم. أن يقرروا شكل نظامهم السياسي أن يقرروا برنامجهم الوطني، أن يختاروا قياداتهم، أن يحاسبوا من يحكم باسمهم، وأن يمتلكوا القدرة السلمية والديمقراطية على تغيير من لا يمثل تطلعاتهم. فكيف نطالب العالم باحترام إرادة الشعب الفلسطيني، بينما نسمح لإرادته بأن تتراجع داخل مؤسساته الوطنية؟

 

فالانتخابات ليست تهديدًا للنظام السياسي؛ غيابها هو التهديد الفعلي وقد يقول البعض إن الظروف الفلسطينية لا تسمح بانتخابات كاملة، وهذا جزء من الحقيقة، لكنه لا يمكن أن يتحول إلى ذريعة دائمة لتعطيل الديمقراطية. فالاحتلال لم يمنع الفلسطينيين من إجراء انتخابات عام 1996، ولا انتخابات 2005 و2006، رغم كل القيود والصعوبات. كما أن الانتخابات المحلية أثبتت في مراحل مختلفة إمكانية تنظيم عمليات انتخابية حتى في ظروف شديدة التعقيد. وفي عام 2021 وصلت العملية الانتخابية إلى مراحل متقدمة قبل أن يجري تأجيلها، وهو ما يؤكد أن المشكلة ليست استحالة تقنية مطلقة. بل إن الاحتلال نفسه لا ينبغي أن يتحول إلى حق نقض دائم للحياة الديمقراطية الفلسطينية. بل على العكس؛ كلما ازدادت التحديات الخارجية، أصبحت الحاجة إلى شرعية داخلية متجددة أكبر، فالمطلوب ليس انتخابات شكلية، بل إعادة تأسيس. وإذا كانت الانتخابات ستجري في موعدها، فلا ينبغي أن يكون هدفها إنتاج مجلس جديد بالاسم، بينما تبقى قواعد اللعبة السياسية القديمة كما هي. المطلوب أن تكون الانتخابات بوابة لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني بأكمله. وهذا يتطلب، في الحد الأدنى توافق وطني عبر اجتماع قيادي فلسطيني وحوار يشارك فيه الكل الفلسطيني بما فيها مؤسسات المجتمع المدني للتوافق على الخطوط العامة لما ستكون علية رؤية الحالة مستقبلا والعمل الجمعي بموجب التوافقات والتي حتما سيشارك فيها كافة المؤثرين في الحالة الفلسطينية والشركاء والتي في مقدمتها

  • انتخاب المجلس الوطني بالاقتراع الشعبي المباشر كلما كان ذلك ممكنًا. أما المجمع الانتخابي فيجب أن يبقى استثناءً محددًا، لا أن يتحول إلى قاعدة دائمة، وأن تكون شروط اللجوء إليه واضحة ومعلنة وقابلة للتدقيق والطعن.
  • تشكيل هيئة انتخابية مستقلة ومحايدة. فالانتخابات التي تديرها القوى السياسية المتنافسة نفسها تفقد جزءًا أساسيًا من الثقة العامة، حتى لو كانت النية المعلنة هي النزاهة.
  • فتح باب الترشح أمام الجميع وفق معايير قانونية واضحة. لا يجوز أن تصبح العضوية في فصيل سياسي أو في مؤسسة تنظيمية شرطًا غير معلن للتمثيل. أو مدخلا للإقصاء
  • ضمان تمثيل حقيقي للفلسطينيين في كل أماكن وجودهم. فاللاجئ في المخيم، والفلسطيني في الشتات، والمقيم في الضفة، وفي غزة، وفي القدس، وفي الداخل، يجب أن يشعر بأن المجلس الوطني هو مؤسسته هو، لا مؤسسة الفصائل فقط أو بعضها.
  • إنهاء قاعدة التعيين السياسي باعتبارها بديلًا دائمًا للانتخاب. يمكن أن يكون التوافق وسيلة لمعالجة حالة استثنائية، لكنه لا ينبغي أن يصبح آلية لإنتاج الشرعية السياسية.
  • إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية بصورة دورية.

فالمرسوم الرئاسي الصادر في يوليو/تموز 2026 حدد 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2026 موعدًا للانتخابات التشريعية، مع الإشارة إلى انتخابات رئاسية مزمع عقدها في الربع الأول من العام التالي. هذه المواعيد، إن مضت وفق ما أعلن، يجب ألا تكون مجرد دورة انتخابية أخرى، بل بداية لمسار مؤسسي يمنع العودة إلى الفراغ الانتخابي.

المطلوب في النهاية ليس أن ينتصر هذا الفصيل على ذاك، ولا أن تستبدل نخبة بنخبة، ولا أن تنتقل السيطرة من مجموعة إلى أخرى.المطلوب هو نقل مركز الثقل من الأشخاص والفصائل إلى المؤسسات، ومن التعيين إلى الانتخاب، ومن الولاء التنظيمي إلى المواطنة، ومن الشرعية التاريخية إلى الشرعية المتجددة.ولا يمكن تحقيق ذلك من خلال مجلس وطني يعيد إنتاج التوازنات القائمة.نحتاج إلى مجلس وطني يستطيع أن يقول للقيادة نحن نمثل الشعب، ولسنا مجرد امتداد للقيادة.ونحتاج إلى قيادة تنفيذية تعرف أنها مساءلة أمام مؤسسة تمثيلية حقيقية.ونحتاج إلى مجلس تشريعي منتخب يمارس الرقابة والتشريع.ونحتاج إلى رئيس يستمد شرعيته من صندوق الاقتراع، لا من طول البقاء في المنصب.ونحتاج إلى تداول سلمي للسلطة.

 

عندها فقط يمكن الحديث عن نظام سياسي قادر على مواجهة الاحتلال بظهر داخلي أكثر تماسكًا. المعركة الحقيقية ليست على مقاعد المجلس الوطني ولا المعركة الحقيقية من سيحصل على هذا المقعد أو ذاك؟ ولا كم مقعدًا سيحصل عليه هذا الفصيل أو ذاك؟ المعركة الحقيقية هي ،هل سيكون المجلس الوطني بيتًا للشعب الفلسطيني أم بيتًا لإعادة إنتاج القيادات؟ وهل سيكون الشعب هو مصدر الشرعية، أم ستبقى الشرعية تنتقل من هيئة إلى أخرى داخل الدائرة السياسية نفسها؟ وهل ستكون الانتخابات طريقًا إلى التغيير، أم وسيلة لتجميل استمرار الوضع القائم؟ وهنا ينبغي أن يكون الموقف واضحًا: فلا قيمة لانتخابات لا تملك القدرة على تغيير شيء.

 

فالانتخابات التي تسمح للشعب باختيار الأشخاص لكنها تمنعه من تغيير السياسات ليست ديمقراطية مكتملة. والانتخابات التي تغير الوجوه ولا تغير قواعد الحكم ليست إصلاحًا. والانتخابات التي تنتج مجلسًا لا يستطيع مساءلة السلطة ولا تغيير القيادة ليست سوى إعادة ترتيب داخل النظام ذاته.

لقد تغيرت فلسطين، وتغير الفلسطينيون، وتغير العالم، وتغيرت طبيعة الصراع. ومن غير المنطقي أن تبقى المؤسسة الوطنية الأهم أسيرة بنية سياسية تشكلت في مراحل تاريخية سابقة دون مراجعة جذرية. إصلاح منظمة التحرير الفلسطينية لم يعد ترفًا سياسيًا، بل حاجة ملحة ومن أجل منظمة تحرير جديدة ونظام سياسي جديد المطلوب منظمة تحرير أكثر ديمقراطية، أكثر تمثيلًا، أكثر تعددية، وأكثر قدرة على استيعاب القوى والتيارات والشخصيات المستقلة، وعلى ربط الداخل بالشتات، وعلى تحويل الفلسطيني من متلقٍ للقرار إلى شريك كامل في صنع القرار الوطني. ومن هنا تصبح الانتخابات ليست مجرد وسيلة لاختيار أعضاء المجلس الوطني، وإنما أداة لإعادة تأسيس الشرعية الفلسطينية بأكملها.

ولا يمكن لشعب يخوض معركة تاريخية من أجل حريته واستقلاله وتقرير مصيره أن يبقى محرومًا من أبسط أدوات تقرير مصيره السياسي الداخلي. الاحتلال يحتاج إلى مقاومة سياسية ودبلوماسية وشعبية، لكنه يحتاج قبل ذلك إلى نظام سياسي فلسطيني شرعي، موحد، خاضع للمساءلة، قادر على إنتاج قياداته عبر الإرادة الشعبية. وإذا كانت الانتخابات التشريعية والرئاسية والمجلس الوطني ستجرى، فيجب ألا تكون مجرد استحقاقات بروتوكولية لتجديد الوجوه ذاتها، ولا مناسبة لإعادة توزيع المقاعد بين القوى المسيطرة. بل يجب أن تكون لحظة تأسيس فلسطينية جديدة. لحظة ينتقل فيها النظام السياسي من الشخص إلى المؤسسة، ومن المرسوم إلى القانون، ومن التعيين إلى الانتخاب، ومن التفرد إلى الشراكة، ومن الاحتكار إلى التعددية، ومن شرعية الأمر الواقع إلى شرعية الشعب. فالشعب الفلسطيني لا يحتاج إلى من يتحدث باسمه فقط؛ يحتاج إلى أن يمتلك حق اختيار من يتحدث باسمه. ولا يحتاج إلى مؤسسات تقول إنها تمثله؛ يحتاج إلى مؤسسات يستطيع هو أن يختارها ويحاسبها ويغيرها. وهنا تحديدًا تكمن قيمة الانتخابات: ليس لأنها تمنح الشرعية لمن يفوز، وإنما لأنها تمنح الشعب القدرة على تغيير من لا يريد، وصناعة من يريد، وإعادة بناء نظامه السياسي بإرادته الحرة. فلسطين لا تحتاج إلى انتخابات تعيد إنتاج الماضي؛ تحتاج إلى انتخابات تفتح الطريق إلى المستقبل. وإذا لم تكن الانتخابات مدخلًا لهذا التغيير، فما جدوى الانتخابات أصلًا؟

 

Share This Article