الانتخابات الإسرائيلية 2026: أي يمين سيحكُم؟

المسار : لم يعد سؤال الانتخابات والحكم في إسرائيل: اليمين أم اليسار، وإنما بات: أيّ يمين هو الذي سيحكم، مع غياب كامل عن دفة الحكم لمن تُطلَق عليه صفة اليسار. أمّا المعارضة فشخصية وتسعى إلى استبدال نتنياهو، ليس أكثر، بينما السياسات المتّبعة إزاء الفلسطينيين (في الضفة وغزة والقدس وفي مناطق 48) والمنطقة هي ذاتها.

تشي المؤشرات والتحركات السياسية في إسرائيل، حتى ساعة كتابة هذه السطور (أوائل أيلول/سبتمبر 2026)، بأن الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية المقبلة، المقرر إجراؤها في 27 تشرين الأول/أكتوبر 2026، ستكون في جوهرها صراعًا على قيادة اليمين، وتُضمر في طياتها معركة لتحديد مستقبل التيار اليميني.

وليس من المبالغة القول إن سؤال انتخابات 2026 ليس ما إذا كان اليمين سيحكم إسرائيل، بقدر ما هو: أيّ يمين سيحكمها؟ فالمؤشرات السياسية والاجتماعية المتراكمة، إلى جانب استطلاعات الرأي العام المتواترة، تُظهر أن انزياح إسرائيل، نظامًا ومجتمعًا، نحو اليمين بات يلامس نقطة اللاعودة، وأن معسكر ما يوصف بأنه اليمين الجديد، الذي يقوده رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، يتمتع بقاعدة دعم صلبة إلى حدّ كبير. ويبدو أن المنافسة الحزبية لقيادة إسرائيل في الانتخابات القريبة ستظل تحت سقف اليمين، ما بين يمين المعارضة ويمين الحكومة القائمة.

وتُبرز آخر معطيات “المعهد الإسرائيلي للديمقراطية” أن نحو ثلثي اليهود (64%) عرّفوا أنفسهم بأنهم في خانة اليمين، في مقابل 21% في الوسط، و15% فقط على اليسار، أي أن نقطة الثقل المجتمعية ظلت في اليمين بوضوح.

وعلى الرغم من كل ما حدث إبان تولي نتنياهو رئاسة الحكومة الإسرائيلية مجددًا منذ سنة 2009، وملفاته الجنائية التي تتداولها المحاكم، ومحاولة ترسيخ عبادة الشخصية، وما يؤطَّر بأنه “سحق قيَم ديمقراطية”، وفوق ذلك كله إخفاق 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، فإن الاستطلاعات تشير إلى أن نحو نصف الإسرائيليين ما زالوا يريدونه رئيسًا للحكومة، أو على الأقل لا يعارضون ذلك. غير أن الأهم من هذا المعطى هو أن جزءًا واسعًا من معارضي نتنياهو لا يخرج، في الوقت نفسه، من الفضاء اليميني. وبذلك، فإن تراجع شعبية نتنياهو أو ضعف كتلته في الاستطلاعات لا يعني تراجع اليمين نفسه، وخصوصًا أن البديل الأوفر حظًا لتزعّم المعارضة هو، في الوقت الحالي، غادي أيزنكوت، بعد أن كانت هذه المكانة منحصرة في نفتالي بينت القادم من تيار “الصهيونية الدينية”.

ويعكس ذلك طبيعة المعارضة الإسرائيلية الراهنة التي تتمحور بدرجة كبيرة حول معارضة نتنياهو شخصيًا، لا حول تقديم مشروع سياسي مغاير في قضايا الحرب، والاحتلال، والتسوية، ومكانة الفلسطينيين. ولذلك يبقى أقصى اليمين هو الطرف الذي يقدم مشروعًا أيديولوجيًا واضحًا ومتماسكًا، في الوقت الذي تبني المعارضة مشروعها أساسًا على هدف إزاحة نتنياهو، أكثر من أي شيء آخر. ومن شأن هذا الواقع أن يجعلها ضعيفة سياسيًا وهشّة تنظيميًا، وأن يعيد إنتاج نمط قريب من تجربة الحكومة السابقة التي عُرفت باسم “حكومة التغيير” (حكومة بينت – لبيد، 2021 – 2022).

ولا بدّ من الإشارة كذلك إلى أن هذا الانزياح الثابت نحو اليمين مرتبط أيضًا بتحولات ديموغرافية واجتماعية أعمق، وعلى رأسها تعاظم حجم الجماعات الأرثوذكسية داخل المجتمع اليهودي، وهو تعاظم مدفوع أساسًا بالزيادة الطبيعية في أوساط الحريديم المتشددين دينيًا والمتدينين. فكلما ازداد الوزن النسبي لهذه الجماعات، تعزّزت القاعدة الانتخابية اليمينية، وازدادت صعوبة كسرها عبر الآليات الانتخابية التقليدية. ومع أن مسألة عدد المتدينين في إسرائيل، وتعريف الفئات الدينية اليهودية، ما زالا موضع خلاف بين الباحثين والمؤسسات الإحصائية، إلّا أن التقسيم العام السائد يميز بين ثلاث مجموعات أساسية: المحافظون، والمتدينون الأرثوذكس الحريديم، والمتدينون القوميون من أبناء تيار أو تيارات “الصهيونية الدينية”. وتُظهر المعطيات المتراكمة أن فئة اليهود الحريديم تشهد نموًا ديموغرافيًا سريعًا سيغير من شكل المجتمع الإسرائيلي مستقبلًا، إذ يصل معدل الولادات لدى المرأة الحريدية إلى 6,5 في مقابل 2,9 في المجتمع اليهودي عامة. وتشير تقديرات مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي إلى أن الحريديم قد يشكّلون نحو 35% من مجمل سكان إسرائيل بحلول سنة 2059.[1]

وكان لتزايد حضور اليهود الحريديم أثر ملموس في السياسات العامة خلال الأعوام الأخيرة، إذ ساهم وجود أحزابهم داخل الائتلافات الحكومية في الدفع قدمًا بقوانين وإجراءات تعزز تديين المجال العام في إسرائيل. وإلى جانب ذلك، لا تزال أزمة تجنيد الشبان الحريديم في الجيش الإسرائيلي تتفاقم، وقد أُضيفت إليها أزمة أُخرى تتمثل في تصعيد التيار الحردلي، أي الحريدي – القومي، حملته ضد الدمج المتساوي للنساء في الجيش.

ومن المهم الإشارة أيضًا إلى أن هذه الاتجاهات كلها سبقت موجة الهجرة المتزايدة من إسرائيل على خلفية الحرب على قطاع غزة، وهي موجة تشمل أساسًا فئات من السكان اليهود غير المنتمين، بدرجات متفاوتة، إلى الحريديم أو المتدينين القوميين أو قواعد اليمين الصلبة.[2]

ومن أجل الغوص في تفصيلات أكثر تشخيصًا للواقع الإسرائيلي القائم على أعتاب الانتخابات، نشير إلى ما يلي:

أولًا – تُظهر استطلاعات الرأي العام أن الحزب المرشّح لأن يحتل مكانة الحزب الأول هو حزب “يشار” (“استقامة”) برئاسة الرئيس السابق لهيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي غادي أيزنكوت. ويعتمد على شخصيات أمنية وعسكرية سابقة من شأنها أن تجذب المصوّتين لليمين والوسط الراغبين في قيادة أمنية صارمة، لكن أكثر مؤسساتية.

ولعل أكثر ما ارتبط باسم أيزنكوت هو “استراتيجيا الضاحية” أو “عقيدة الضاحية”، إذ كان، بصفته قائد المنطقة العسكرية الشمالية في الجيش الإسرائيلي، أول مَن تحدث بشأنها، في سياق مقابلة أدلى بها إلى صحيفة “يديعوت أحرونوت” في 3 تشرين الأول/أكتوبر 2008. وممّا قاله أيزنكوت (قبل أن يُصبح رئيسًا لهيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي) في هذا الصدد: “أنا أسمّي ذلك عقيدة الضاحية. وفحواها أن ما حدث في الضاحية الجنوبية في بيروت، خلال حرب لبنان الثانية في سنة 2006، هو ما سيحدث أيضًا في أي قرية لبنانية يطلقون النار منها على إسرائيل. فنحن سنفعّل ضدها قوة غير متناظرة، وسنتسبب بضرر ودمار بالغين. وسيغدو الحديث، من ناحيتنا، يدور حول قواعد عسكرية، لا حول قرى مدنية.” وردًّا على سؤال عمّا إذا كان هذا يعني أنه يوصي هيئة الأركان العامة والمؤسسة السياسية في إسرائيل بإنزال أقصى العقوبة بأي قرية لبنانية تُطلق منها نيران، أجاب أيزنكوت: “هذه ليست توصية. إنها خطة، وقد تمّ إقرارها.” وطبقًا لما قاله هذا الجنرال، فإن إسرائيل مُنيت خلال حرب لبنان الثانية بإخفاقين: “الأول، عدم تقصير أمد الحرب. والثاني، إتاحة المجال، طوال 33 يومًا، لشنّ هجمات بالصواريخ على إسرائيل ولإطلاق النار على نطاق غير مسبوق منذ حرب 1948.” أمّا النتيجة التي يتوصل إليها فهي ما يلي: يجب أن يتم حسم الحرب المقبلة، في حالة اندلاعها، بسرعة وقوة ومن دون أي اعتبار للرأي العام العالمي. فـ”لدينا القدرة على القيام بذلك. ولدينا قوة كبيرة، مقارنة بما كان. وليس لديّ أي أعذار لعدم تحقيق الأهداف التي سأُكلَّف بإنجازها!”.

ثانيًا – قبل سطوع نجم أيزنكوت، كانت النجومية من نصيب الحزب الجديد الذي سجّله رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق نفتالي بينت في 1 نيسان/أبريل 2025، باسم “بينت 2026”. وفي 26 نيسان/أبريل 2026 أعلن بينت، في مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس الحكومة السابق يائير لبيد، التوصل إلى اتفاق يقضي بإنشاء حزب جديد باسم “بياحد” (“معًا”)، مؤلف من دمج حزب لبيد (“يوجد مستقبل”) وحزب “بينت 2026″، على أن يتولى بينت رئاسة هذا التحالف، بينما سيضطلع لبيد بدور مركزي في قيادته. وتشير تقديرات متطابقة إلى أن هذا التحالف جاء على خلفية عدم تمكّن حزب “يوجد مستقبل” من الخروج من حالة الجمود في استطلاعات الرأي العام، إذ ظل عند حدود 6 – 7 مقاعد تقريبًا. وكان بينت، في أيلول/سبتمبر 2024، قد أدلى بمقابلة إلى صحيفة “بيلد” الألمانية قال فيها إنه لا يستبعد العودة إلى السياسة الإسرائيلية، أو حتى الانضمام إلى ائتلاف مع رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، مؤكدًا أنه مستعد لأن يكون في أي منصب يستطيع فيه إحداث تغيير. ويتحرك بينت لبناء كتلة يمينية معتدلة تحاول جذب الناخبين الذين خاب أملهم من أداء الحكومة خلال الحرب وتداعيات 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.

وفي 19 آب/أغسطس 2026، طرح بينت تصوّره الجديد للأمن القومي الإسرائيلي، متحدثًا عن سلسلة تغييرات قال إنه سيجريها في حال تولّيه رئاسة الحكومة المقبلة. وممّا قاله إنه يعتزم تغيير المعادلة التي اتّبعتها الحكومة الإسرائيلية الحالية في مواجهة التهديدات من الجبهة الشمالية، مؤكدًا أن أي هجوم ينفّذه حزب الله ضد إسرائيل من لبنان سيقابَل بضربة إسرائيلية داخل إيران، في إشارة إلى رغبته في تحميل طهران المسؤولية المباشرة عن الهجمات التي ينفّذها حزب الله، باعتبارها الجهة الداعمة له.

كذلك شدّد بينت على أهمية نقل المواجهة من الأطراف والجهات التابعة لإيران إلى طهران نفسها، في إطار تصوّر أمني يقوم على استهداف مصدر التهديد، بدلًا من الاكتفاء بمواجهة وكلائه في المنطقة. وأشار إلى أن حكومته السابقة ضربت فعليًا داخل إيران مرتين، ردًا على ما وصفه بأنه هجمات بالوكالة. وقال إن الهدف يجب أن يكون تسريع انهيار النظام الإيراني، باستخدام أدوات سياسية واقتصادية وتكنولوجية إلى جانب الأدوات العسكرية.

وبالنسبة إلى قطر، أعلن بينت عزمه على تصنيفها دولة عدوّة، قائلًا إن مَن لا يدرك ذلك بعد هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 لا يستحق قيادة إسرائيل؛ كذلك دعا إلى إخراج تركيا وقطر من قطاع غزة وإدخال مصر بدلًا منهما، مع الإبقاء على حرية التحرك العسكري الإسرائيلي داخل القطاع.

وفيما يتعلق بغزة، قال بينت إن حركة “حماس” لديها حاليًا عدد أكبر من المقاتلين المسلحين، مقارنة بما كانت عليه الحال في 7 تشرين الأول/أكتوبر، وإنها تعيد التسليح وتتدرب على شنّ هجمات مستقبلية، في الوقت الذي يُمنع الجنود الإسرائيليون من استهداف “الإرهابيين” المسلحين، بغياب التهديد المباشر، على حد قوله. وأكد بينت أنه في ظل قيادته، لن تتحرك إسرائيل من “الخط الأصفر” إلّا بعد نزع سلاح “حماس” بالكامل، وإزالة هذه الأسلحة من غزة.

ودعا بينت أيضًا إلى فرض الخدمة العسكرية الإلزامية، من دون استثناءات، على الشبان اليهود الحريديم، وإلى إصلاح شامل لنظام التربية والتعليم في إسرائيل، وإنشاء هيئة وطنية للدبلوماسية العامة على غرار وحدة الاستخبارات 8200. وقال إن على إسرائيل العمل أيضًا على توسيع الاتفاقيات الإبراهيمية، والسعي إلى التطبيع مع السعودية وإندونيسيا.

ثالثًا – أمّا حزب “إسرائيل بيتنا” اليميني برئاسة أفيغدور ليبرمان، فإنه يمثل اليمين القومي العلماني المتشدد أمنيًا والمناهض لسطوة أحزاب الحريديم.

رابعًا – في مقابل هذا المشهد العام في المعارضة اليمينية للحكومة، يشهد الواقع السياسي الإسرائيلي تشكُّل أحزاب وقوائم يمينية جديدة تسعى إلى سحب البساط من تحت أحزاب السلطة الحالية. ففي أواخر آب/أغسطس 2026 أعلن العميد في الاحتياط عوفر فينتر تأسيس حزبه الجديد “عمخا يسرائيل” (“شعب إسرائيل”) لخوض الانتخابات البرلمانية، متخذًا هذه الخطوة بناءً على مجموعة من الأسباب والدوافع السياسية والعسكرية، في مقدمها رؤيته أن المؤسستين العسكرية والسياسية سقطتا في أوهام وتصورات أمنية خطأ أدّت إلى أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر. ويعتبر أن النخبة الأمنية والسياسية أبعدت أصحاب الآراء المختلفة بذريعة “المهنية”، مثلما حدث معه، الأمر الذي تسبّب في التغاضي عن التهديدات المباشرة. ويسعى فينتر إلى استقطاب ناخبي اليمين و”الصهيونية الدينية” الذين يبحثون عن قيادة ميدانية ذات خلفية عسكرية وأيديولوجية واضحة، ويحمّلون القيادات الحالية جزءًا من مسؤولية الإخفاقات السياسية والأمنية. ويرفع هذا الحزب شعار “سياسة أقل وقيادة أكثر”، مروّجًا لقائمة تضم شخصيات قاتلت ميدانيًا، أو لم تكن جزءًا من المنظومة السياسية التي أدارت المشهد خلال الإخفاقات الأخيرة. ويعتمد برنامجه على رفض تام لإقامة دولة فلسطينية، والتنصل من خيار الحلول الدبلوماسية، مع الدعوة الصريحة إلى تهجير السكان من قطاع غزة كحلّ أمني جذري.

خامسًا – تشير آخر الاستطلاعات إلى تآكل حزب “الصهيونية الدينية” بزعامة بتسلئيل سموتريتش، ويتكرر في عدة استطلاعات احتمال عدم تجاوزه نسبة الحسم (3,25%)، الأمر الذي دفع الحزب إلى عقد تحالف تقني مع حزب “زهوت” (“هوية”) برئاسة عضو الكنيست السابق من الليكود موشيه فيغلين، بينما يستثمر إيتمار بن غفير (رئيس حزب “عوتسما يهوديت”) في تقديم نفسه كخيار أكثر راديكالية وشعبوية في اليمين، وهو ما زال محافظًا على شعبيته.

سادسًا – يخوض حزب الليكود بزعامة نتنياهو صراعًا مزدوجًا يتمثل، من جهة، في الحفاظ على التماسك الداخلي ومحاولة منع تفكك أصوات اليمين بين أحزاب صغيرة قد لا تتجاوز نسبة الحسم فتضيع مقاعد الائتلاف، ومن جهة أُخرى، يحتاج نتنياهو إلى يمين متطرف لضمان الأغلبية، إلّا أن زيادة نفوذ بن غفير وسموتريتش تقيّد مناوراته السياسية والدولية.

سابعًا – ثمة غياب لما يُسمّى “اليسار الصهيوني” التقليدي الذي بات يتمثّل في اندماج حزبَي العمل وميرتس تحت مسمى “الديمقراطيون”. ونتيجة ذلك، أصبحت الاستراتيجيا الأساسية لمعظم القوى المنافسة هي تقديم أطروحة يمينية أو وسط – يمينية بديلة للناخب الإسرائيلي الذي انزاح مجتمعيًا ونفسيًا نحو الطرح الأمني اليميني بعد أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.

الأجندة العامة والاتجاهات المتوقعة

من ناحية الأجندة العامة، انزاح معظم الأحزاب الصهيونية الرئيسية نحو القبول بوجود الاحتلال كواقع قائم، وغابت تمامًا من برامج الأحزاب المتنافسة مقولات مثل “إنهاء الاحتلال” أو “إقامة دولة فلسطينية”. ويمكن القول إن المزايدات الانتخابية بين الأحزاب تتركز على مَن يملك الخطة الأكثر صرامة لإدارة قطاع غزة والضفة الغربية بعد الحرب، واستدامة السيطرة الأمنية المباشرة، في حين أن الأحزاب اليمينية المتطرفة مثل “الصهيونية الدينية” و”عوتسما يهوديت” تجعل من ضم أجزاء من الضفة الغربية وفرض السيادة وتوسيع الاستيطان جوهر حملاتها الانتخابية من أجل جذب الجمهور القومي.

ومن المهم الإشارة أيضًا إلى أن الحلبة السياسية الإسرائيلية تشهد نقاشًا بشأن الكيفية التي أدّت بها الحرب على غزة، والممارسات الإسرائيلية في الضفة الغربية، إلى عزلة سياسية دولية، وملاحقات أمام المحكمتين الدوليتين (الجنائية والعدل الدولية)، وتراجع العلاقات مع واشنطن إلى حدّ ما. غير أن المعارضة (مثل أيزنكوت وبينت) تعتبر أنها الأكثر قدرة على إدارة الاحتلال والأمن من دون التسبب بعزلة دولية.

وتظل الأسئلة الماثلة التي تطرحها الانتخابات الإسرائيلية العامة هي: هل يستطيع نتنياهو الحفاظ على هيمنته التاريخية على اليمين؟ وأي الأحزاب اليمينية الصغيرة سيعبر نسبة الحسم؟ ومَن يمتلك القدرة على تجميع 61 مقعدًا لتأليف الحكومة المقبلة؟

وبناءً على التوازنات القائمة واستطلاعات الرأي العام، يمكن إجمال الاتجاهات المستقبلية في أربعة سيناريوهات رئيسية:

الأول – سيناريو استمرار حكومة اليمين المتطرف الحالية إذا ما تمكّن معسكر بنيامين نتنياهو، المؤلف من تحالف الليكود مع أحزاب الحريديم واليمين المتطرف، من حصد 61 مقعدًا.

الثاني – سيناريو إقامة ائتلاف يمين – وسط، وذلك في حال فوز كتل المعارضة التي تقودها شخصيات مثل أيزنكوت وبينت ولبيد وليبرمان، وتأليف حكومة من دون مشاركة نتنياهو أو أحزاب اليمين المتطرف، وربما بمشاركة أحد الأحزاب العربية، المتمثل في القائمة العربية الموحدة (راعم)، التي أعربت عن رغبتها في تكرار تجربة “حكومة التغيير”، مثلما سنوضّح في سياق لاحق.

الثالث – سيناريو حكومة وحدة وطنية واسعة إذا ما أفرزت الانتخابات نتائج متقاربة جدًا أدّت إلى حالة انسداد سياسي بين المعسكرين.

الرابع – سيناريو الشلل السياسي والانتخابات المتكررة، نظرًا إلى رفض المعارضة الجلوس مع نتنياهو، ورفض أطراف يمينية الشراكة مع الأحزاب العربية (التي تشكل بيضة القبان لحسم الأغلبية العددية في الكنيست). وفي مثل هذا السيناريو، قد تجد إسرائيل نفسها مجددًا في حلقة مفرغة من عدم الاستقرار الحكومي وتكرار جولات الانتخابات (مثلما حدث بين سنتَي 2019 و2021)، الأمر الذي يعمّق الأزمة الاقتصادية، ويزيد في حالة التشتت والتناحر الداخلي.

الفلسطينيون في إسرائيل

تشير آخر التطورات المتعلقة بالفلسطينيين في إسرائيل إلى خوضهم الانتخابات من خلال قائمتين:

الأولى: القائمة المشتركة لأحزاب حداش [الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة] وبلد [التجمع الوطني الديمقراطي] وتعل [الحركة العربية للتغيير]، والتي أعلنت أن شراكتها تأتي انطلاقًا من إدراك عمق التحديات والمخاطر الفاشية والعنصرية التي تستهدف وجود الفلسطينيين وحقوقهم وقضاياهم العادلة، وإيمانًا بأن مواجهتها تتطلب أوسع وحدة سياسية وانتخابية.

 

وأشارت الأحزاب العربية الثلاثة إلى أن مهمتها تتمثل في استثمار وزنها النوعي الجماعي وترجمته إلى تمثيل أقوى في الكنيست الإسرائيلي يدافع عن كرامة السكان العرب، ويضع مصلحة شعبهم وثوابته الوطنية في المركز، ويحوّل إرادة الجماهير إلى قوة سياسية قادرة على إسقاط حكومة اليمين الفاشي ومشروعها القائم على التمييز والحرب والعدوان والهدم والجريمة. وأكدت أن “وحدتنا هي سلاحنا الأقوى لانتزاع حقوقنا القومية والمدنية الجماعية، ومواصلة نضالنا من أجل التغيير، والسلام العادل، وإنهاء الاحتلال، ومن أجل مستقبل أفضل لشعبنا”.

ودعت الأحزاب الثلاثة المواطنين العرب إلى رصّ الصفوف والالتفاف الواسع حول القائمة المشتركة، والانطلاق بقوة وثبات نحو المعركة الانتخابية.

والقائمة الثانية هي راعم [القائمة العربية الموحدة] التي أعلنت رسميًا انضمام نائب وزير الأمن القومي الإسرائيلي السابق يوآف سيغالوفيتش من حزب “يوجد مستقبل” إلى قائمتها لخوض الانتخابات، في خطوة قالت إنها تأتي في إطار سعيها إلى العودة إلى الحكومة، وإعادة ملف العنف والجريمة في المجتمع العربي إلى صدارة عملها السياسي. كما أكد رئيس راعم، عضو الكنيست منصور عباس، أن قائمته اختارت منذ تأسيسها نهج التأثير بدلًا من الاكتفاء بالمعارضة والاحتجاج والصراخ من بعيد. وعن ضم سيغالوفيتش، قال إن كتلته “اختارت أن تعود بالرجل الذي أدار هذا الملف [الجريمة المنظمة] معنا، وأثبت نفسه فيه”.

وقد وجهت القائمة المشتركة لأحزاب حداش وبلد وتعل نقدًا حادًّا إلى راعم إثر إعلان ضمّ سيغالوفيتش إلى صفوفها، معتبرة أن الخطوة تكشف عن “الأثمان السياسية بعيدة المدى” لنهج التأثير الذي يتبنّاه رئيس راعم. وأضافت أنها كانت تتمنى أن تكون الأحزاب والقوى الوطنية في المجتمع العربي أقرب إلى منصور عباس وراعم من ضابط سابق في الجيش الإسرائيلي يعتزّ بصهيونيته، ويؤكد تمسّكه بتعريف إسرائيل دولة يهودية، فضلًا عن اعتزازه بخدمته العسكرية وعمله سابقًا في الشرطة الإسرائيلية. وفي الوقت عينه، أكدت المشتركة تأييدها شراكة عربية – يهودية واسعة تقوم على الندّية ورفض الاحتلال والعنصرية والفوقية الصهيونية، مشددة على أن الخلاف ليس على مبدأ التأثير السياسي، وإنما بشأن أي تأثير، وبأي مشروع سياسي، وبأي ثمن، مؤكدة أن التأثير الذي تريده هو الذي ينتزع حقوق الشعب الفلسطيني ويغيّر الواقع العنصري، وليس الذي يجعل الاعتراف بهذا الواقع والتكيف معه شرطًا للحصول على الحقوق.

وتجدر الإشارة إلى أنه سبق أن شاركت راعم برئاسة منصور عباس في الائتلاف الحكومي الذي شُكّل في إسرائيل برئاسة نفتالي بينت، رئيس حزب “يمينا” اليميني، ويائير لبيد، رئيس حزب “يوجد مستقبل” الوسطي، والذي تأتّى عنه تأليف حكومة أطلقت على نفسها اسم “حكومة التغيير” (حزيران/يونيو 2021 – كانون الأول/ديسمبر 2022).

وتُعتبر راعم الذراع السياسية للحركة الإسلامية التي تشارك في الانتخابات الإسرائيلية العامة، والمعروفة باسم الحركة الإسلامية (الجناح الجنوبي)، وقد خاضت الانتخابات منذ سنة 1996 عندما حدث الانشقاق في الحركة الإسلامية في إسرائيل بين تيار يؤيد دخول الكنيست برئاسة الشيخ عبد الله نمر درويش (توفي سنة 2017)، وتيار يعارض المشاركة في الكنيست برئاسة الشيخ رائد صلاح. وعُرف التيار المعارض باسم الحركة الإسلامية (الجناح الشمالي)، وحظرته الحكومة الإسرائيلية قانونيًا في 17 تشرين الثاني/نوفمبر 2015، بعد ملاحقات رئيسه منذ انتفاضة الأقصى في سنة 2000، إثر مواقفه الداعية إلى حماية المسجد الأقصى.

في رأيي، تتعامل راعم مع ذاتها كما لو أنها حزب إسرائيلي تقليدي يستطيع تحقيق إنجازات مدنية للمجتمع العربي في الداخل، وهو ما قد ينطوي على تغاضٍ عن ماهية النظام السياسي الإسرائيلي، أو على سوء تقدير له. وليس من المبالغة القول إن راعم تقلّد أو تستلهم تجربة الأحزاب الدينية اليهودية قبل عقود، عندما كانت هذه الأحزاب تشارك أساسًا في الائتلافات الحكومية بناءً على مصالحها الاقتصادية المتعلقة بمؤسساتها التعليمية، وبمصالح جمهورها في الشؤون الاجتماعية والاقتصادية. وفي الوقت نفسه، فإن جلّ النقد الذي يوجَّه إلى القائمة الموحدة، ولا سيما من طرف القوى السياسية التي تنتقدها، يتمحور حول الادعاء بأنها تتعامل مع المجتمع العربي على أنه مجموعة من المهاجرين، وليس مجموعة أصيلة في وطن. وإذا كانت مطالب المجموعات المُهاجرة (كالعرب الذين يهاجرون من الدول العربية إلى أوروبا أو أميركا أو أي بقعة أُخرى في العالم، على سبيل المثال) تتمحور بشكل رئيسي حول الاندماج والحصول على مساواة اقتصادية واجتماعية، وإزالة العوائق أمام هذا الاندماج مع بعض الحقوق الثقافية، فإن مطالب مجموعات الوطن، على غرار مجموعة فلسطينيي 48، تكون في العادة هي الاعتراف بحقوقها الجماعية الوطنية والقومية، فضلًا عن المساواة المدنية الكاملة، مع المطالبة بتغيير جوهر النظام بما يتلاءم مع هذه المطالب، أي المطالبة بنزع الصفة العرقية أو الاستعمارية عنه.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظرالمسار 

كتب … أنطوان شلحت

المصدر …عرب ٤٨

Share This Article