بقلم “شادي زهد” الانتخابات التشريعية بين رداءة التكنوقراط وعجز القوى السياسية ‏

المسار :لعل أزمة الانتخابات التشريعية لم تعد مرتبطة فقط بتأجيل الاستحقاق أو اختلاف القوى السياسية حول موعده وشروطه، بل أصبحت تعكس أزمة أعمق تتعلق بطبيعة النخب التي يُفترض أن تقود المرحلة المقبلة، وبقدرتها على تقديم إجابات حقيقية عن قضايا السياسة والاقتصاد والمجتمع.

‏وبينما تتحدث القوى السياسية عن ضرورة إجراء الانتخابات وتجديد الشرعية، يبرز في المقابل خطاب آخر يقدم التكنوقراط باعتبارهم البديل الأكثر قدرة على إدارة المرحلة، وكأن المشكلة الفلسطينية أصبحت مشكلة إدارة وليست مشكلة سياسية، ومشكلة كفاءة فنية لا أزمة نظام سياسي يحتاج إلى إصلاح عميق.

‏بالطبع، لا يمكن إنكار أهمية الكفاءات والخبرات المهنية في إدارة مؤسسات الدولة، بل إن أي نظام سياسي يحتاج إلى خبراء في الاقتصاد والقانون والإدارة والمالية وغيرها من التخصصات، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التكنوقراط من أداة مساعدة للسياسة إلى بديل عنها.

‏وبالنظر إلى أن التكنوقراطي قد يكون خبيرا في تخصصه، لكنه ليس بالضرورة صاحب مشروع سياسي أو رؤية وطنية قادرة على تحديد الأولويات الكبرى للمجتمع؛ فالدولة ليست شركة تحتاج إلى مدير محترف، بل تحتاج إلى قرار سياسي، ورؤية وطنية، ومساءلة مجتمعية وشعبية، وبرنامج يحدد العلاقة بين السلطة والمجتمع، وبين الاقتصاد والعدالة الاجتماعية، وبين القرار الوطني والمصلحة العامة.

‏وهنا تجدر الإشارة إلى أن المشكلة ليست في وجود التكنوقراط، وإنما في تحويلهم إلى غطاء للهروب من الاستحقاق السياسي والديمقراطي.

‏ولأنه من الظلم تحميل التكنوقراط مسؤولية المشهد بالكامل، فإن القوى السياسية تتحمل مسؤولية أكبر، لعدم نجاحها في تقديم نموذج سياسي مقنع وقادر على استعادة ثقة المواطن.

‏لقد استهلكت القوى السياسية سنوات طويلة في الانقسام والصراع الداخلي وتبادل الاتهامات، وبعد سنوات من احتكار المشهد السياسي بين ثنائية فتح وحماس، لم تنجح هذه الثنائية في بناء نظام سياسي مستقر، ولا في إنهاء الانقسام، الذي كانت سببا رئيسيا في استمراره، ولا في إنتاج شراكة وطنية حقيقية، بل شكلت عائقا أمام الحوارات الفلسطينية، وكان آخرها حوار بكين، الذي لم يكن مجرد لقاء سياسي عابر، بل حمل دلالة مهمة في لحظة فلسطينية شديدة التعقيد، وطرح فكرة توحيد الصف الفلسطيني، وتشكيل حكومة توافق أو وحدة وطنية، وإعادة ترتيب البيت الفلسطيني.

‏لعل الانتخابات التشريعية المقبلة تقف أمام مفترق طرق حقيقي؛ فإما أن تتحول إلى محطة لإعادة إنتاج الثنائية والانقسام، أو أن تكون بداية لمسار سياسي جديد يعيد الاعتبار إلى المؤسسات والانتخابات والتعددية والبرنامج الوطني.

‏وبين كل ذلك، يبقى المواطن الفلسطيني هو الطرف الذي دفع ثمن التجارب السابقة، وهو صاحب الحق في سماع إجابات واضحة، لا شعارات انتخابية عامة.

‏فالمرحلة القادمة أكثر تعقيدا من سابقاتها، في ظل التوسع الاستيطاني وتغيير الواقع على الأرض، وفي ظل الضغوط المتزايدة التي يواجهها مشروع الدولة الفلسطينية.

‏وفي المقابل، لا يزال النظام السياسي الفلسطيني بحاجة إلى إعادة بناء على قاعدة الشراكة والوحدة الوطنية، فالمطلوب اليوم ليس مجرد انتخابات لإنتاج مجلس تشريعي جديد، وإنما انتخابات تفتح الطريق أمام نظام سياسي فلسطيني جديد، أكثر وحدة وديمقراطية، وأكثر قدرة على مواجهة التحديات التي تهدد الأرض والمشروع الوطني ومستقبل الدولة ووجود المواطن الفلسطيني ذاته.

 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر المسار

Share This Article