المسار : لم تكن الانتخابات النصفية الأمريكية التي جرت في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني 2026 مجرد استحقاق انتخابي لتجديد مقاعد الكونغرس، بل شكلت اختباراً سياسياً مهماً لشعبية الرئيس دونالد ترامب والحزب الجمهوري، وكشفت عن تحولات متزايدة في المزاج السياسي الأمريكي، وعن حدود قدرة الإدارة الأمريكية على مواصلة سياساتها الداخلية والخارجية دون مواجهة سياسية وشعبية.
إن خسارة الجمهوريين السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ لمصلحة الديمقراطيين تعكس تراجعاً في الثقة بإدارة ترامب، في ظل تصاعد الأعباء الاقتصادية والمعيشية، وتداعيات الحرب على إيران، والانقسامات داخل القاعدة الجمهورية، فضلاً عن تنامي الاعتراضات على استمرار الانخراط الأمريكي في الصراعات الخارجية.
وقد شكلت الحرب على إيران أحد العوامل المؤثرة في هذا التراجع، خصوصاً أنها وضعت إدارة ترامب أمام تناقض واضح بين شعار «أمريكا أولاً» الذي استندت إليه في الوصول إلى السلطة، وبين الانخراط في مواجهة عسكرية مكلفة انعكست على تداعياتها على أسعار الطاقة والاقتصاد الأمريكي، كما كشفت الحرب عن انقسامات داخل التيار الجمهوري نفسه، بين مؤيدين للتدخل العسكري وآخرين يرون أن الأولوية ينبغي أن تكون للمصالح الداخلية الأمريكية، وتحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين.
لكن التداعيات الأكثر أهمية بالنسبة للمنطقة العربية عامة وللشعب الفلسطيني خاصة، تتمثل في انعكاسات هذه النتائج على مستقبل العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، وعلى طبيعة الدعم السياسي والعسكري الذي تقدمه واشنطن لإسرائيل.
فالحرب الإسرائيلية على قطاع غزة التي لم تتوقف أصلاً، وما رافقها من دمار واسع وخسائر بشرية وأزمة إنسانية غير مسبوقة، أسهمت في إحداث تحول ملحوظ في النقاش السياسي والمجتمعي داخل الولايات المتحدة بشأن طبيعة العلاقة مع إسرائيل، وحدود الدعم الأمريكي المقدم لها، حيث لم تعد القضية الفلسطينية محصورة في دوائر التضامن التقليدية، بل أصبحت حاضرة بقوة في الجامعات ووسائل الإعلام والمؤسسات السياسية، وداخل أوساط الشباب والناخبين المستقلين، وحتى بعض التيارات المحافظة.
والأكثر أهمية أن الانتقادات الموجهة للسياسات الإسرائيلية لم تعد مقتصرة على المطالبة بوقف الحرب أو إدخال المساعدات الإنسانية إلى غزة، بل امتدت إلى التساؤل عن جدوى الدعم العسكري الأمريكي غير المشروط، ومدى توافقه مع القانون الدولي وحقوق الإنسان والمصالح الأمريكية ذاتها، وهو ما يعكس اتساع دائرة النقاش داخل الولايات المتحدة بشأن كلفة استمرار هذا الدعم، سياسياً وأخلاقياً واستراتيجيا
وفي هذا السياق، فإن خسارة الجمهوريين أغلبيتهم في الكونغرس قد تفتح المجال أمام مرحلة أكثر صعوبة في العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، خصوصاً أن الأغلبية الديمقراطية الجديدة تمتلك أدوات تشريعية ورقابية تمكنها من إعادة فتح ملفات المساعدات العسكرية وصفقات الأسلحة، ومناقشة السياسات الإسرائيلية في قطاع غزة والضفة الغربية، بما فيها الاستيطان واعتداءات المستوطنين والتهجير القسري والاتهامات المتعلقة بالإبادة الجماعية وممارسات الفصل العنصري.
ولا يعني ذلك بالضرورة حدوث قطيعة أمريكية إسرائيلية أو تحول جذري وفوري في الموقف الأمريكي، فالعلاقة بين الطرفين تستند إلى مصالح استراتيجية وعسكرية وسياسية عميقة، كما أن الحزب الديمقراطي نفسه ليس موحداً في مواقفه تجاه إسرائيل، لكن المؤكد أن استمرار السياسات الإسرائيلية بات يواجه مساحة أوسع من الاعتراض داخل المؤسسات والمجتمع الأمريكيين، وأن إستمرار الدعم الأمريكي لم يعد بمنأى عن النقاش والمساءلة.
ومن هنا تبرز أهمية نتائج هذه الانتخابات بالنسبة للقضية الفلسطينية، إذ إنها قد تتيح فرصة لإعادة طرح القضية الفلسطينية في واشنطن من منظور سياسي وقانوني شامل، يتجاوز المعالجة الإنسانية المؤقتة لتداعيات الحرب على غزة، نحو معالجة جذور الصراع، وإنهاء الاحتلال، ووقف الاستيطان، وضمان حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة وفق قرارات الشرعية الدولية.
كما أن المرحلة المقبلة قد تشهد ضغوطاً أكبر داخل الكونغرس باتجاه ربط المساعدات العسكرية لإسرائيل باحترام القانون الدولي، وحماية المدنيين، والمساءلة عن استخدام الأسلحة الأمريكية في الإنتهاكات بحق الشعب الفلسطيني، وقد يتسع النقاش أيضاً بشأن ضرورة وجود مسار سياسي حقيقي يضمن عدم إعادة إنتاج الحرب والحصار والدمار في قطاع غزة، ويضع حداً للسياسات التي تقوض فرص السلام وحل الدولتين والاستقرار في المنطقة.
ومع ذلك، فإن الرهان على أن خسارة الجمهوريين ستؤدي تلقائياً إلى تغيير جذري في السياسة الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية يبقى رهاناً غير مضمون، فالرئيس ترامب لا يزال يحتفظ بصلاحيات واسعة في إدارة السياسة الخارجية، كما أن التحالف الاستراتيجي مع إسرائيل يشكل أحد الثوابت الراسخة في السياسة الأمريكية، وإن كان يتعرض لتحديات متزايدة، لذلك، فإن أهمية التحولات الراهنة لا تكمن في افتراض حدوث تغيير أمريكي فوري، بل في اتساع المساحة السياسية والمؤسسية التي باتت تسمح بمناقشة السياسات الإسرائيلية وانتقادها ومساءلتها.
إن الدلالة الأهم لهذه الانتخابات لا تكمن فقط في خسارة الحزب الجمهوري، بل في تراجع الإجماع الأمريكي التقليدي حول السياسات الإسرائيلية، واتساع الفجوة بين مواقف قطاعات من الرأي العام الأمريكي وبين توجهات الحكومة الإسرائيلية، وهذه مسألة ذات أهمية استراتيجية، لأنها تعني أن إسرائيل لم تعد قادرة على افتراض أن دعمها السياسي والعسكري من الولايات المتحدة الأمريكية مضمون بصرف النظر عن سياساتها في الأراضي الفلسطينية.
إن نتائج الإنتخابات النصفية الأمريكية تفرض علينا كفلسطينيين والى جانبنا الدول العربية والإسلامية والدول الصديقة في العالم، ضرورة الانتقال من الاكتفاء بمتابعة التحولات الأمريكية إلى العمل على استثمارها سياسياً ودبلوماسياً، من خلال تعزيز التواصل مع أعضاء الكونغرس من الحزبين، وتوسيع الحضور الفلسطيني في المؤسسات الأمريكية، وتقديم الملفات القانونية والحقوقية المتعلقة بالاحتلال والاستيطان والانتهاكات الإسرائيلية، والعمل على إستثمار التحولات في الرأي العام وترجمتها إلى مواقف سياسية وتشريعية ملموسة.
إن إستثمار التحولات الجارية في الداخل الأمريكي، وتوظيف تنامي الأصوات المنتقدة للسياسات الإسرائيلية، يتطلبان قبل كل شيء ترتيب البيت الفلسطيني الداخلي واستعادة الوحدة الوطنية، وإنهاء حالة الانقسام السياسي والجغرافي التي أضعفت الموقف الفلسطيني وأهدرت الكثير من فرص التأثير في الساحة الدولية، فمهما اتسعت مساحات التعاطف مع الحقوق الفلسطينية داخل الولايات المتحدة، فإن تحويلها إلى مكاسب سياسية ودبلوماسية ملموسة يظل مرهوناً بوجود قيادة فلسطينية موحدة، وبرنامج وطني جامع، ورؤية سياسية واضحة تحدد الأولويات وأدوات التحرك، لمخاطبة المجتمع الدولي بلغة واحدة، والاستفادة من التحولات في الرأي العام والداخل الأمريكي والضغوط داخل مؤسساته التشريعية والسياسية.
وهنا تكمن الفرصة الحقيقية التي ينبغي للقيادة الفلسطينية ” الموحدة ” البناء عليها، فالمطلوب ليس انتظار تغير الموقف الأمريكي تلقائياً، ولا الاكتفاء بالتعويل على التناقضات داخل السياسة الأمريكية، بل العمل المنظم والمستمر لجعل احترام الحقوق الفلسطينية وإنهاء الاحتلال ووقف الاستيطان جزءاً من أولويات النقاش السياسي والتشريعي الأمريكي، ومن المصالح والقيم التي ينبغي أن تقوم عليها السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.
وفي المحصلة، قد لا تمثل نتائج الإنتخابات النصفية الأمريكية لعام 2026 بداية تحول أمريكي حاسم وفوري في الموقف الأمريكي لصالح القضية الفلسطينية، لكنها قد تؤسس لمرحلة يصبح فيها الدفاع عن السياسات الإسرائيلية أكثر كلفة سياسياً داخل الولايات المتحدة، وتصبح فيها المطالبة بالحقوق الوطنية الفلسطينية أكثر حضوراً في النقاش العام والمؤسسات السياسية الأمريكية، غير أن تحويل هذه الفرصة إلى مكاسب حقيقية سيظل مرتبطاً بالقدرة على استعادة الوحدة الوطنية، وإنهاء الانقسام، والتوافق على برنامج ورؤية سياسية موحدة، قادرة على استثمار التحولات الدولية وتوظيفها في خدمة المشروع الوطني الفلسطيني.

