المسار: ما جرى في الخليل عقب العملية الفدائية والرد الإسرائيلي الواسع الذي أعقبها، لا يمكن التعامل معه باعتباره جولة عسكرية عابرة تنتهي بانتهاء الاقتحامات أو رفع بعض الحواجز. فما حدث كشف عن واقع أكثر خطورة، حيث امتدت آثار الرد الإسرائيلي إلى الأحياء والبلدات والطرق والمنشآت ومصادر رزق المواطنين، ولم تقتصر على ملاحقة منفذي العملية. وكما اعتدنا، لا تتردد إسرائيل في استغلال الأحداث الأمنية، بل وتهيئة الذرائع أحياناً، لتوسيع عملياتها وفرض وقائع جديدة على الأرض، فيما يجد المواطن الفلسطيني نفسه مرة أخرى في مواجهة الخوف والحصار وفقدان الأمان ومقومات الحياة. المشكلة أن المدنيين هم من يدفعون الثمن الأكبر؛ عائلات تُحاصر، وأعمال تتوقف، وطرق تُغلق، ومنازل تُهدم، وأناس يُدفعون إلى مغادرة أماكن عاشوا فيها سنوات طويلة. وهنا لا يعود السؤال متعلقاً بحجم العملية العسكرية أو مدتها، بل بما تتركه من آثار على حياة الناس، وبما إذا كانت هذه الإجراءات تمهّد لتغيير واقع المكان وسكانه، وتحويل المعاناة اليومية إلى وسيلة للضغط والإخضاع.
لا يمكن قراءة ما جرى في الخليل بمعزل عن المشهد الأوسع الذي نعيشه منذ سنوات، بدءاً من حرب الإبادة والتدمير الواسع في غزة، مروراً بما تعرضت له مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس في شمال الضفة الغربية، وصولاً إلى ما شهدته الخليل لاحقاً. صحيح أن هناك اختلافاً في حجم العمليات وسياقاتها وطبيعة ما جرى في كل منطقة، لكن القواسم المشتركة لا يمكن تجاهلها، تدمير المنازل والبنية التحتية، وتهجير السكان، وتقييد الحركة، واستهداف مقومات الحياة، وخلق ظروف تجعل البقاء أكثر صعوبة. وهذا يفرض علينا أن ننظر إلى هذه الأحداث بوصفها حلقات مترابطة في واقع فلسطيني يتعرض لضغوط متصاعدة، لا أزمات منفصلة تنتهي بانتهاء العملية العسكرية. فالخطر لا يكمن فقط فيما يحدث اليوم، بل في أن يتحول النزوح المؤقت إلى واقع دائم، وأن يصبح التغيير التدريجي في حياة الناس وجغرافيا وجودهم أمراً يصعب التراجع عنه.
لكن السؤال الذي ينبغي أن نواجهه بقدر من الصراحة ليس فقط ماذا فعل الاحتلال؟ بل أيضاً ماذا فعلنا نحن؟ وماذا تعلمنا من كل ما جرى؟ فبعد غزة ومخيمات الشمال والخليل، لم يعد مقبولاً أن نظل أسرى ردود الفعل، ننتظر وقوع الكارثة حتى نبدأ بالتحرك، ثم نكتفي ببيانات الإدانة والمواقف الموسمية. لقد أظهرت هذه التجارب أن الاحتلال قادر على توسيع دائرة العقاب لتشمل مجتمعاً بأكمله، وأن إغلاق الطرق وتدمير المنشآت والضغط الاقتصادي يمكن أن تتحول إلى أدوات تضيق بها سبل الحياة أمام المواطنين. وهذا يتطلب بناء منظومة وطنية لحماية الناس، لا تقتصر على تقديم المساعدات بعد وقوع الضرر، بل تستعد للأزمات، وتوفر الإسناد والإيواء والخدمات، وتحمي مصادر الرزق، وتتابع أوضاع العائلات المتضررة، وتوثق الانتهاكات وتلاحقها قانونياً ودولياً. إضافة الى قيادة العمل الوطني وفق منهجية متفق عليها تبدأ بالمقامة الشعبية الشاملة
وفي المقابل، لا يمكن مواجهة هذه التحديات بإرادة وطنية مشتتة أو بمواقف متباينة. لقد أصبح استمرار الانقسام عبئاً ثقيلاً على المجتمع الفلسطيني، ولم يعد مجرد خلاف سياسي بين الفصائل. فالفصائل وُجدت لخدمة شعبها وقيادته نحو الحرية والخلاص من الاحتلال، لا للحفاظ على مواقعها وحساباتها التنظيمية. ومن حق الناس أن يسألوا: ما جدوى كل هذه الأطر والشعارات إذا كانت عاجزة عن الاتفاق على الحد الأدنى من برنامج وطني، أو تشكيل قيادة قادرة على تنسيق الجهود الشعبية والسياسية والقانونية؟ إن المطلوب ليس اتفاقاً جديداً يضاف إلى أرشيف الاتفاقات السابقة، بل إرادة حقيقية تترجم الوحدة إلى فعل، وتعيد الاعتبار للمصلحة الوطنية فوق الحسابات الفئوية.
أما السلطة الفلسطينية، فهي لا تتحمل مسؤولية جرائم الاحتلال، ولا تملك صلاحيات سيادية تمكّنها من منع عملياته العسكرية، لكن ذلك لا يعفيها من مسؤوليتها تجاه المواطنين. فالناس ينتظرون منها أن تكون حاضرة في أوقات الشدة، وأن تسخر إمكاناتها لتوفير الإسناد والحماية المدنية الممكنة، وأن تتحرك سياسياً وقانونياً، وأن تضع احتياجات المواطنين في مقدمة أولوياتها. كما أن استمرار الاعتقالات ذات الخلفية السياسية، وملاحقة بعض الأسرى المحررين، في وقت يحتاج فيه المجتمع إلى التماسك، لا يساعد على بناء الثقة، بل يوسع الفجوة بين المواطن ومؤسساته. كذلك فإن تصاعد اعتداءات المستوطنين يفرض مراجعة جدية لما تقوم به المؤسسات والأجهزة من إجراءات لحماية الناس ومساندتهم ضمن الإمكانات المتاحة.
وعلى المستوى الدولي، أثبتت التجربة أن بيانات القلق والإدانة، مهما كانت مهمة، لا تكفي وحدها لوقف الانتهاكات. المطلوب أن تتحول إلى ضغط سياسي وإجراءات ومساءلة، وأن يكون هناك جهد فلسطيني موحد لتوثيق ما يجري ومتابعته أمام المؤسسات الدولية، ومطالبة الدول المؤثرة بتحمل مسؤولياتها. فليس من المنطقي أن يظل المجتمع الدولي يتحرك لتقديم المساعدات بعد تدمير البيوت وتهجير السكان، من دون أن يتعامل بجدية مع الأسباب التي أوصلت الناس إلى هذا الواقع.
وفي النهاية، لا يمكن مطالبة الناس بالصمود من دون توفير الحد الأدنى من مقومات الحياة. فالصمود ليس شعاراً نردده، ولا عبئاً نتركه للعائلات وحدها كي تتحمله، بل مسؤولية وطنية تتطلب سياسات اقتصادية واجتماعية، وخطط طوارئ، وتضامناً مجتمعياً، ومؤسسات تعمل بتكامل. فحماية الأرض تبدأ بحماية الإنسان الذي يعيش عليها، وتأمين قدرته على البقاء والعمل والتعليم والعلاج والحياة بكرامة. لقد أعادت الخليل طرح الأسئلة ذاتها التي واجهناها في غزة ومخيمات الشمال، أين نحن من حماية الناس؟ وأين هي القيادة الموحدة؟ ولماذا لا تتحول التجارب القاسية إلى مراجعة حقيقية في الأداء والسياسات؟ فالخلل لا يرتبط فقط بمحدودية الإمكانات في مواجهة احتلال يملك أدوات القوة والسيطرة، بل يرتبط أيضاً بتشتت القرار، وضعف التنسيق والمساءلة، وغياب رؤية وطنية تستبق الأحداث بدلاً من ملاحقتها.
الخليل ليست مجرد محطة أخرى في سلسلة طويلة من الأحداث، بل جرس إنذار يستدعي وقفة وطنية جادة. لقد دفع شعبنا ثمناً باهظاً في غزة ومخيمات الشمال، ولا يجوز أن ننتظر مزيداً من الخسائر حتى ندرك أن حماية الوجود الفلسطيني تحتاج إلى ما هو أكثر من الصمود وحده. تحتاج إلى قيادة مسؤولة، ومؤسسات حاضرة، وفصائل تتجاوز حساباتها، وموقف وطني موحد يضع الإنسان وحقوقه وكرامته في المقدمة. فالسؤال لم يعد كم مرة سنواجه المشهد ذاته، بل متى نتعلم من تجاربنا ونحوّل دروسها إلى أفعال، حتى لا يبقى المواطن وحيداً في مواجهة الاحتلال، ولا تبقى تضحياته أكبر من قدرة نظامه السياسي على تحويلها إلى إنجاز وطني.

