بقلم: أحمد زكي العريدي: أمطار فلسطين خيرٌ للأرض، لكنها مأساة جديدة لنازحي غزة

«ابتدى المشوار… آه يا خوفي من آخر المشوار»

المسار: غنّى الفنان الراحل عبد الحليم حافظ، وأطرب ملايين العرب، بأغنيته الشهيرة: «ابتدى ابتدى المشوار… آه يا خوفي من آخر المشوار».

واليوم، يبدو أن مشواراً جديداً قد ابتدأ في فلسطين؛ مشوار هطول الأمطار، وهي خير وبركة، ومصدر حياة للأرض والإنسان، وبشارة بموسم زراعي جديد. لكن المفارقة المؤلمة أن هذه الأمطار التي ينتظرها الناس بالفرح والدعاء، يستقبلها مئات الآلاف من الفلسطينيين في قطاع غزة بالخوف والرعب والقلق.

فبالنسبة إلى سكان غزة، لم تعد الأمطار مجرد نعمة سماوية، بل تحولت إلى تهديد جديد لحياتهم، وإلى موسم آخر من الغرق والتشرد والمعاناة.

منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، يعيش الفلسطينيون في قطاع غزة واحدة من أبشع المآسي الإنسانية المعاصرة. فقد دمرت آلة الحرب الإسرائيلية مساحات واسعة من القطاع، وأصبحت أعداد هائلة من العائلات بلا منازل، واضطرت إلى الاحتماء بخيام بلاستيكية مهترئة، لا تقيها حرارة الشمس في الصيف، ولا برد الشتاء، ولا مياه الأمطار التي تتسرب إليها من كل جانب.

وهكذا يبدأ العام الرابع من المأساة، وتبدأ معه معاناة جديدة لمئات الآلاف من النازحين الذين لا يملكون سقفاً يحمي أطفالهم، ولا جدراناً تصد الرياح، ولا أرضية تمنع مياه الأمطار من اجتياح أماكن نومهم.

أي مأساة هذه التي يصبح فيها المطر عدواً للإنسان؟

إن الأغطية البلاستيكية التي تُستخدم في الزراعة لحماية المحاصيل وإنضاجها، أصبحت في غزة بديلاً عن المنازل، يستعين بها الإنسان الفلسطيني ليحتمي من الطبيعة، لكنها لا تحميه من البرد ولا الحر ولا الغرق. بعض الأخشاب وقطع البلاستيك لا تصنع بيتاً، ولا توفر الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية لعائلة تضم أطفالاً ونساءً ومسنين.

والأكثر إيلاماً أن العالم، رغم مرور كل هذه السنوات، لم يتمكن من توفير مأوى إنساني متين وآمن يليق بمليوني فلسطيني يعيشون في ظروف النزوح والدمار والحصار.

إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل ينتظر العالم أن تتحول خيام غزة إلى مشاهد جديدة من فيلم سينمائي تراجيدي، يموت فيه الأطفال من البرد، وتغرق فيه العائلات بمياه الأمطار، بينما تكتفي العواصم بإصدار بيانات القلق والأسف؟

أين الإنسانية التي يتغنى بها العالم؟ وأين المؤسسات الدولية التي تتحدث عن حقوق الإنسان وحقوق الطفل والحق في الحياة؟ وأين المسؤولية العربية تجاه شعب يواجه الموت كل يوم، مرة بالقصف والدمار، ومرة بالجوع والعطش، ومرة أخرى بالبرد والأمطار؟

إن المأساة لا تتوقف عند الأنظمة السياسية التي عجزت عن اتخاذ موقف إنساني فاعل، بل تمتد إلى عالم اعتاد مشاهدة الألم الفلسطيني حتى أصبح مشهد الطفل الغارق في خيمته خبراً عابراً، وصورة الأم التي تحاول إنقاذ أطفالها من مياه الأمطار مادة إعلامية تنتهي بانتهاء النشرة.

إن الشعوب التي تنام في بيوت دافئة، وتأكل حتى الشبع، وتستخدم أجهزة التدفئة والتكييف، ينبغي أن تتساءل عن مسؤوليتها الأخلاقية والإنسانية تجاه شعب لا يجد خيمة تقيه المطر، ولا فراشاً جافاً ينام عليه أطفاله.

لسنا هنا بصدد الحديث عن رفاهية أو إعادة إعمار أو مشاريع اقتصادية كبرى؛ نحن نتحدث عن أبسط حقوق الإنسان: خيمة متينة، وغطاء دافئ، وأرضية جافة، ودواء، وماء نظيف، ومأوى يحفظ حياة الأطفال.

ابتدى المشوار… آه يا خوفي من آخر المشوار.

نعم، ابتدأ مشوار الأمطار، لكن الخوف الحقيقي ليس من المطر، بل من استمرار العجز العربي والدولي، ومن أن يدخل الفلسطينيون في غزة شتاءً جديداً وهم بلا بيوت، وبلا حماية، وبلا أفق ينهي هذه المأساة.

فالمطر الذي يحيي الأرض لا ينبغي أن يتحول إلى سبب لموت الإنسان.

غزة لا تطلب المستحيل؛ إنها تطلب أن تعيش. تطلب أن يجد أطفالها سقفاً يحميهم، وأن تنام أمهاتها دون خوف من الغرق، وأن يعود المطر كما كان في ذاكرة الفلسطينيين: خيراً وبركة، لا موسماً جديداً للموت والنزوح.

فهل يسمع العالم أنين غزة قبل أن ينتهي المشوار بمأساة أكبر?

Share This Article