بقلم “نبيل دويكات” ” وقاحة المجرم في حرم العدالة”

للعام الثاني على التوالي، يثير خطاب رئيس حكومة الاحتلال “نتنياهو”، وهو المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب وابادة، الكثير من الأسئلة المحورية والرئيسية التي تواجه كل المدافعين عن منظومة العدالة الدولية والتي تتمحور حول: ما هي العدالة الدولية؟ وكيف يمكن تحقيقها؟ ومتى؟

قد يبدو السؤال بسيطا وسهل الإجابة، لكنه في السياق الفلسطيني يظهر وكأنه العقدة التي لا يوجد لها حل، حيث تتزامن مناسبة بدايات تأسيس منظومة العدالة الدولية، في الإعلان العالمي لحوق الانسان مع ذكرى نكبة الشعب الفلسطيني في العام 1948. فمنذ تلك الفترة وحتى الان لم تتوقف البشرية عن انتاج المزيد من المعاهدات والاتفاقيات والاعلانات الدولية في مجالات حياة وحقوق الانسان كافة، وفي بناء وتكريس الهيئات والمنظمات والآليات التي تعمل على تحقيق العدالة وجوهرها المتمثل في حقوق الانسان.

بالتوازي مع هذا التسلسل تقريبا فان نكبة الشعب الفلسطيني لم تتوقف، ومعاناته لم تنتهي، فمن نكبة الى نكسة الى مذبحة ومجزة، تهجير ونزوح وقتل وذبح واعتقال وهدم وتدمير ومصادرة الأرض والأموال والممتلكات، وجرائم إبادة وتطهير عرقي وقومي وعنصري لا يعرف الحدود،  بصورة ربما لم يشهد التاريخ لها مثيلا، ولا تعترف بكل منظومة حقوق الانسان والعدالة الدولية من أساسها، بل وعلى الرغم من مئات القرارات والمواقف التي اتخذتها المنظمات والهيئات والمحاكم الدولية، الامر الذي يساهم ليس فقط في عدم تحقيق العدالة للشعب الفلسطيني لمدة تقارب الثمانية عقود، وانما في ضرب منظومة العدالة ذاتها، ويضعها مع كل المدافعين عنها في تحديات جديدة ويضعها امام ذات الأسئلة.

لقد تميز خطاب “نتنياهو” قبل أيام امام الجمعية العامة للأمم المتحدة ليس فقط بالأكاذيب وقلب الحقائق الواضحة امام العالم، بالوثائق والصوت والصورة، وانما تميز أيضا بالإقرار علنا وصراحة بارتكاب كل الجرائم ليس بحق الشعب الفلسطيني فحسب، وانما بحقوق الشعوب والدول الأخرى كسوريا والأردن ومصر ولبنان والعراق واليمن، وتميز كذلك بالتعبير عن النية في عدم التوقف عن تلك الجرائم، بل التأكيد على النية والإصرار على الاستمرار في توسع ممارستها والنظر باحتقار الى كل منظومة العدالة الدولية وقواعدها وقوانينها. ان اقل ما يمكن ان يقال عن ذلك الخطاب هو انه جاء في قمة الكذب والوقاحة وقلب الحقائق والاستعلاء والاستهزاء والعنصرية والاستخفاف والعنجهية والفوقية والتحدي لكل منظومة وقيم العدالة.

قد يكون امرا عاديا ان يكون المجرم بكل هذه الصفات، فهو لذلك مجرم، اما ان يقف المجرم ليمارس كل هذا في حرم العدالة ذاتها فهو امر غير طبيعي اطلاقا، ويضع كل منظومة العدالة، وتاريخ طويل من مسيرة صعبة من اجل تحقيقها امام تحدي حقيقي ووجودي، ويضعف الى اقصى حد من قوة زخمها وتأثيرها، حتى المعنوي والنظري، ويضع كل المدافعين عنها في مواقف لا يحسدون عليها.

 

 

 

Share This Article