وفي ظل مناخ اجتماعي متوتر، وقبل نحو ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية، حظي الطلاب الذين يطالبون بتوفير المزيد من الموارد لمدارسهم بدعم من النقابات التي دعت العاملين في قطاع التعليم إلى النزول للشارع ومساندتهم، سواء في باريس أو في نحو ثلاثين مدينة أخرى.
ففي باريس، ومنذ الساعة السابعة صباحا، أغلق طلاب مدارسهم؛ ووقف بعضهم فوق حاويات القمامة، فيما رفع آخرون لافتات كُتب عليها عبارات مثل “صغار جدا كي يُستمع إلينا، وكبار بما يكفي لنتعرض للغاز المسيل للدموع”، أو “نظام خانق”.
وبخصوص المظاهرة المقررة في العاصمة بعد الظهر، تحشد السلطات نحو ألفي شرطي ودركي لتأمين المسيرة، بعدما ترافقت حالات إغلاق المدارس والتجمّعات الطلابية بأعمال تخريب وتوترات مع قوات الأمن.
وقرر عدد من أولياء الأمور والمعلمين الحضور للمساعدة في تأمين المظاهرات، والحيلولة دون خروج الأمور عن السيطرة.
وقال المدرّس، رومان دوبورغ، أمام مدرسة “شاتوبريان” الثانوية في مدينة رين: “ناقشنا مع نحو ثلاثين زميلا أعمال عنف الشرطة التي شهدناها، وقررنا الحضور من أجل طلابنا إذا دعت الحاجة”.
وأُصيب 215 طالبا منذ انطلاق الحركة الاحتجاجية في 17 أيلول/ سبتمبر في منطقة باريس، قبل أن تمتد المظاهرات إلى مدن أخرى.
وأكدت مصادر في مكتب رئيس الوزراء أن “الغالبية العظمى” من هذه الإصابات وقعت “إما في إطار حوادث عرضية”، وإما “على يد أفراد من خارج المدارس”.
وفي مدينة تور الأسبوع الماضي، فقد طالب في المدرسة الثانوية يبلغ 16 عاما القدرة على الإبصار بإحدى عينيه في أثناء إغلاق للمدرسة، فيما بُترت يد مراهق يبلغ 15 عاما الإثنين جراء قنبلة أطلقتها الشرطة في مدينة لنس شمالي فرنسا.
إصابات بالمئات
وقد أصيب أكثر من 700 شخص في صفوف قوات الأمن، ونحو 100 آخرين بين العاملين في قطاع التعليم.
وأعلنت وزارة الداخلية مساء الإثنين أن المفتشية العامة للشرطة الوطنية، وهي الهيئة الرقابية المعنية بمراقبة أداء الشرطة، فتحت عشرة تحقيقات منذ بدء الحراك.
ويندد طلاب المدارس الثانوية بسوء حالة المباني المدرسية، والاكتظاظ في الفصول الدراسية، وغياب المعلمين من دون توفير بدلاء لهم لا سيما في الأحياء الشعبية.
مشاركة من الجامعات
وبين مساعي إعادة النظام العام والاستماع إلى مطالب حراك يفتقر إلى متحدث رسمي محدد بوضوح، تواجه الحكومة صعوبة في إدارة واحدة من أكثر الأزمات حساسية التي واجهتها منذ تعيين رئيس الوزراء، سيباستيان لوكورنو، قبل عام.
ومن بين 3,700 مدرسة ثانوية في البلاد، حيث يتلقى الطلاب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و18 عاما تعليمهم، انخفض عدد المؤسسات التعليمية التي شهدت اضطرابات أمس الإثنين ليصل إلى 589 مدرسة، مقارنة بنحو 800 مدرسة يوم الجمعة الماضي، وفق بيانات وزارة التعليم.
غير أن السلطات باتت تخشى اتساع رقعة الاحتجاجات لتشمل البلاد بأسرها، في وقت يُنتظر أن ينضم طلاب الجامعات إلى طلاب المدارس الثانوية اليوم الثلاثاء، وكان اتحاد الطلاب قد رصد يوم الإثنين إغلاق 32 موقعا جامعيا.
وتجمع أكثر من 200 شاب أمام حرم جامعة “كان” (Caen) في غربي البلاد، قبيل انطلاق المظاهرة. وقال الطالب ماتيو: “إن رؤية حرياتنا الأساسية كحرية التظاهر تُقمع، ومشاهدة المصابين جراء عنف الشرطة يوميا يعزز لدينا الرغبة في النضال”.
وتأتي هذه الحركة الاحتجاجية قبل ما يزيد قليلا عن ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية، وفي ظل مناخ اجتماعي وسياسي متوتر على وقع ارتفاع الأسعار، ومساع لخفض الميزانية تطال بعض جوانبها فئة الشباب، مثل المساعدات السكنية.
وفي حين تتهم النقابات الحكومة بممارسة قمع غير متناسب، تظهر الحكومة حزما في مواجهة أعمال العنف وتحمّل حزب “فرنسا الأبية” من اليسار الراديكالي المسؤولية عنها.
من جانبه، أعرب الحزب عن أسفه لأعمال العنف، مبديا في الوقت نفسه أسفه لاختزال السلطة التنفيذية للحركة الاحتجاجية في هذه التجاوزات.
العفو الدولية تدعو السلطات الفرنسية لوقف تدخلات الشرطة “المفرطة”
ودعت منظمة العفو الدولية الحكومة الفرنسية إلى خفض التوتر ومنع تدخلات الشرطة المفرطة في التعامل مع المحتجين.
وشددت المنظمة في بيان، الثلاثاء، على وجوب التزام السلطات الفرنسية بمسؤولياتها تجاه حقوق الإنسان، ووضع حد لتدخلات الشرطة “غير المتناسبة” خلال الاحتجاجات التي ينظمها طلاب المدارس الثانوية للمطالبة بتحسين ظروف التعليم.
وقالت رئيسة مكتب منظمة العفو الدولية في فرنسا، آن سافينيل بارا، في البيان إن الحكومة الفرنسية تتحمل مسؤولية ضمان سلامة الشباب المشاركين في الاحتجاجات وحماية حقهم في التظاهر السلمي.
وشددت على ضرورة أن يكون أي تدخل للشرطة قانونيا وضروريا ومتوافقا مع مبدأ التناسب، وطالبت السلطات الفرنسية بالامتناع عن استخدام القوة المفرطة.
وطالبت أيضا بحماية الشباب في أثناء دفاعهم سلميا عن حقهم في التعليم، بدلا من تعرضهم للضرب أو الاحتجاز التعسفي.

