المسار: لا خلاف على أن الانتخابات الفلسطينية يجب أن تكون حرة ونزيهة وشاملة، وأن التحديات السياسية والأمنية والإنسانية حقيقية. لكن تحويل هذه التحديات إلى مبرر جديد للتأجيل يطرح سؤالًا أكثر إلحاحًا: هل المشكلة في غياب الظروف المناسبة، أم في غياب الإرادة السياسية القادرة على إنهاء الانقسام وبناء نظام ديمقراطي يحتكم إلى إرادة الشعب؟
منذ الانقسام عام 2007 توالت مبادرات المصالحة والحوارات والاتفاقات، من مكة والقاهرة إلى الدوحة والشاطئ والجزائر وبكين، وفي كل مرة حمل الإعلان وعدًا بصفحة جديدة، لكن معظم التفاهمات لم تتحول إلى واقع سياسي ومؤسسي مستدام. وفي عام 2021 أُعلنت مواعيد محددة، وسجل نحو 85% من الناخبين المؤهلين، وتوصلت الفصائل في القاهرة إلى تفاهمات بشأن الإجراءات واحترام الجدول الزمني ونتائج الاقتراع، ومع ذلك انتهى المسار إلى التأجيل. وهنا يصبح السؤال مشروعًا: إذا كان غياب التوافق سببًا للتأجيل، فمن يضمن تحققه بعد التأجيل؟ وإذا كان الانقسام هو العائق، فكيف يُنهى من دون إعادة الشعب إلى صندوق الاقتراع؟
إن خلاصة قرابة عقدين من التجربة أن المشكلة لم تعد في نقص الاتفاقات، بل في الفجوة بين الاتفاق والتنفيذ. فالاتفاق الذي لا يحدد من ينفذه ومتى، وكيف تتم محاسبته، يبقى إعلان نوايا أكثر منه التزامًا قابلًا للحياة. ولذلك فإن الدعوة إلى التأجيل بحجة التوافق الوطني تحتاج إلى ضمانات واضحة، فالتوافق لا ينبغي أن يكون شرطًا دائمًا لتعطيل الديمقراطية، خصوصًا أن القوى التي تختلف على قواعد اللعبة قد تجد في استمرار الحوار مصلحة أكبر من خوض انتخابات قد تغيّر موازين القوى. والأخطر أن الجهة التي تملك قرار التأجيل في ظل تركّز السلطة هي نفسها التي تستفيد من استمرار الوضع القائم، لذلك يجب أن يرتبط أي تأجيل، إن وُجدت ضرورة استثنائية له، بموعد محدد وآلية ملزمة، لا أن يتحول إلى خيار مفتوح.
وعلى المدى القريب، لا توجد وفق المعطيات القائمة تغييرات جوهرية تبرر التأجيل، باستثناء الحسابات الحزبية ومخاوف القوى السياسية من نتائجها. أما العوائق السياسية والمؤسسية والأمنية المطروحة اليوم فهي امتداد لمشكلات مزمنة لن يحلها التأجيل، بل قد يطيل عمرها. ولا يصح اختزال الأزمة في طرف واحد، فالانقسام نتاج صراع عميق تتحمل مختلف الأطراف مسؤوليات متفاوتة عن استمراره. والاحتلال الإسرائيلي يفرض قيودًا فعلية على الحركة والسيادة وإمكانية إجراء الانتخابات، وخاصة في القدس، وكان ذلك أحد الأسباب الرسمية لتأجيل انتخابات 2021. لكن الاعتراف بذلك لا يعني تحويل الاحتلال إلى إجابة عن كل سؤال داخلي، فهو يفسر جزءًا من المأزق، ولا يفسر وحده فشل الاتفاقات المتكررة، واستمرار الانقسام، وتراجع الحياة الديمقراطية، وغياب الآليات الملزمة لتنفيذ التفاهمات.
لذلك فإن السؤال الذي يسبق أي دعوة إلى التأجيل هو: أين الإرادة السياسية؟ هل توجد رغبة حقيقية في إنهاء الانقسام، أم أصبح الحوار وسيلة لإدارته بدل إنهائه؟ وهل توجد نية لإعادة بناء النظام السياسي على أساس الشراكة، وتفعيل منظمة التحرير، وقبول نتائج الانتخابات مهما كانت؟ فالانتخابات لا تكون ديمقراطية لمجرد توافر شروط إجرائها، بل حين يُضمن مسبقًا احترام نتائجها. وإذا كان الخوف من نتائج قد لا تقبلها بعض القوى، فالحل ليس إلغاء الانتخابات، بل بناء اتفاق وطني وقانوني واضح يضمن تداول السلطة ويمنع تكرار تجربة عام 2006 وما ترتب عليها من صراع داخلي وتدخلات وضغوط خارجية.
واللافت اليوم أن فصائل وأحزابًا انتقدت بشدة تأجيل الانتخابات وإلغاءها عام 2021، وعدّته تعطيلًا للديمقراطية وتكريسًا للتفرد بالقرار، تقبل اليوم بتأجيل جديد أو توفر له غطاءً سياسيًا. ولا يبدو أن هذا التحول نتيجة اقتناع بأن التأجيل هو الخيار الوطني الأفضل، بقدر ما يعكس حسابات سياسية تتقاطع عند الخشية من استحقاقات الانتخابات وتداعياتها على موازين القوى. فبعض القوى ترى في الوضع القائم ضمانة لبقائها في المشهد، وتخشى أخرى أن تفرض الانتخابات إعادة ترتيب للتمثيل والنفوذ، أو أن تضعها أمام استحقاقات تنظيمية لا ترغب في مواجهتها الآن. وتبقى المبررات الوطنية المتعلقة بالانقسام والتحديات، على أهميتها، موضع تساؤل حين تتحول من أسباب تستدعي المعالجة إلى ذرائع لتعطيل الانتخابات بلا ضمانات أو جدول زمني ملزم. فكيف يُوثق بتوافقات لم تنجح اتفاقات سابقة عديدة في تحويلها إلى واقع؟ حين تتقدم الحسابات الفصائلية على حق الناس في الاختيار، تصبح الديمقراطية أول ضحايا التوافقات، ويغدو تأجيل التغيير مصلحة مشتركة لقوى تختلف في خطابها لكنها تلتقي في خشيتها من نتائجه.
يقود التأجيل إلى دائرة مغلقة: الانقسام يمنع الانتخابات، والانتخابات تتأجل بسبب الانقسام، والتأجيل يطيل عمره، ثم يُستخدم استمراره مبررًا جديدًا للتأجيل. والبديل ليس إجراء انتخابات شكلية في ظروف يستحيل معها ضمان نزاهتها، ولا تأجيلها إلى أجل غير معلوم، بل تحويل الانتخابات إلى جزء من عملية إنهاء الانقسام، ضمن مسار متزامن وملزم لإعادة بناء المؤسسات وتوحيد النظام القانوني وضمان الحريات العامة. وإذا كانت هناك عوائق حقيقية، فليُعلن عنها بوضوح، ولكل عائق موعد وآلية لمعالجته، أما أن تصبح الصعوبة في جزء من الجغرافيا سببًا لإلغاء حق الشعب كله في الاختيار، فذلك يكرّس العجز بدل معالجته.
ولأن الشعب لا يحتاج إلى اتفاق جديد بقدر حاجته إلى اتفاق يُنفذ، فإن أي اتفاق جديد يجب أن يتضمن: موعدًا محددًا للانتخابات، وآلية واضحة لتنفيذ بنوده، وجهة وطنية مستقلة للمتابعة والرقابة، وجدولًا زمنيًا ملزمًا، وضمانات للحريات السياسية والإعلامية، والتزامًا مسبقًا باحترام النتائج، ومسارًا واضحًا لإعادة بناء منظمة التحرير وتوسيع التمثيل ليشمل الجميع، وآلية للمساءلة عند عدم تنفيذ الالتزامات. أما العودة إلى الحوار من أجل الحوار، والاتفاق من أجل إعلان الاتفاق، ثم اكتشاف أن شيئًا لم يتغير، فتعني أن المشكلة ليست في نقص الحوار، بل في غياب الآليات والإرادة لتنفيذ ما يُتفق عليه.
فالشرعية لا تُجدد بالتأجيل، والوحدة لا تُبنى بالبيانات، والديمقراطية لا تُدار بالوعود. وإذا كانت الانتخابات حقًا للشعب، فلا ينبغي أن يبقى مستقبلها رهينة قدرة القوى السياسية على التوافق فيما بينها، بل يجب أن يكون صندوق الاقتراع نفسه إحدى وسائل إعادة بناء التوافق والشرعية والنظام السياسي. والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح اليوم ليس فقط: هل الظروف مناسبة؟ بل: لماذا لم تُنفذ الاتفاقات السابقة؟ ومن يتحمل مسؤولية ذلك؟ وهل توجد هذه المرة إرادة حقيقية لإنهاء الانقسام، أم أننا أمام دورة جديدة من الحوار والتأجيل وإعادة إنتاج الواقع نفسه؟ ويبقى السؤال الجوهري: هل نريد توافقًا يفتح الطريق أمام تجديد الشرعيات وإعادة بناء النظام السياسي، أم توافقًا يُبقي أبواب التغيير مغلقة، ويمنح المستفيدين من الوضع القائم فرصة جديدة لتأجيل استحقاق الإصلاح؟

