المسار – نقلا عن عرب ٤٨ : من المواقع الأثرية والكنائس إلى البلدة القديمة ومصانع الحرف التقليدية، تأخذ جولة سياحية في بيت لحم والخليل بُعدًا يتجاوز التعريف بالموروث الحضاري، لتسلّط الضوء على معركة حماية الأرض والهوية والرواية الفلسطينية، في ظل تصاعد الاستيطان ومحاولات السيطرة على المواقع التاريخية.
من بين الجبال المحيطة بقرية أرطاس، جنوب بيت لحم في الضفة الغربية المحتلة، انطلقت الجولة من برك سليمان، أحد أبرز المواقع التاريخية المرتبطة بذاكرة المكان وتاريخه. غير أن الموقع الذي احتضن افتتاح فعاليات اليوم العالمي للسياحة لم يكن مجرد محطة في برنامج سياحي، بل اختصر، منذ البداية، معركة تتجاوز تنشيط السياحة إلى حماية الأرض والذاكرة والهوية الفلسطينية.

في برك سليمان، تختزن الحجارة والمياه طبقات متراكمة من تاريخ المكان، فيما تحيط بالموقع ضغوط استيطانية ومحاولات إسرائيلية للسيطرة على مواقع التراث الفلسطيني وإعادة تقديمها ضمن رواية تاريخية يهودية وتوراتية. ومن هنا، اتخذت الجولة، منذ محطتها الأولى، طابعًا يتجاوز التعريف بالمعالم الأثرية إلى تأكيد الحضور الفلسطيني فيها.
هناك، أطلق وزير السياحة والآثار الفلسطيني، هاني الحايك، فعاليات اليوم العالمي للسياحة تحت شعار “ما أحلى بلدنا”، بحضور محافظ بيت لحم، محمد طه، ورئيس بلدية أرطاس، جميل ربايعة، ورئيس مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة محافظة بيت لحم، سمير حزبون، ونائب رئيس بلدية بيت لحم، جريس قراعة، والأمين العام لكاريتاس القدس، أنطون أصفر، إلى جانب ممثلين عن القطاع السياحي وشخصيات رسمية ووطنية ومحلية وصحافيين ومؤثرين.
من برك سليمان تبدأ الجولة
بعد افتتاح الفعاليات، انطلقت الجولة في محافظة بيت لحم بإشراف الدليل السياحي رمزي سلسلع، متنقلة بين مواقع دينية وأثرية وثقافية تختصر جوانب مختلفة من تاريخ المدينة ومحيطها.

بدأ المسار من دير الجنة المقفلة في أرطاس، قبل العودة إلى برك سليمان والمشاركة في فعاليات اليوم العالمي للسياحة، ثم الانتقال إلى قصر المؤتمرات. ومن هناك، واصلت الجولة طريقها إلى كنيسة القديس جاورجيوس في الخضر، فالبلدة القديمة في بيت لحم وكنيسة المهد وكنيسة حقل الرعاة، وصولًا إلى متحف وفندق “وولد أوف” للفنان العالمي بانكسي، المقام قبالة جدار الفصل.
وبين موقع أثري وكنيسة ومسجد وبلدة قديمة ومتحف معاصر وجدار يقسم الأرض، بدت الجولة أشبه بقراءة مفتوحة للمكان من زوايا متعددة. فالمعالم التي تبدو، في ظاهرها، سياحية تحمل، في الوقت نفسه، أسئلة تتصل بإمكانية الوصول إلى التراث والحفاظ عليه وتقديمه للأجيال والزوار بوصفه جزءًا من التاريخ الفلسطيني.

وقال وزير السياحة والآثار، هاني الحايك، لـ”عرب 48″، إن تكثيف الزيارات إلى المواقع الأثرية والسياحية لا يقتصر على تنشيط الحركة السياحية، بل يعزز أيضًا الحضور الفلسطيني في هذه المواقع ويحميها من أطماع المستوطنين.
وأوضح أن اختيار برك سليمان لإطلاق فعاليات اليوم العالمي للسياحة جاء لما يمثله الموقع من قيمة تاريخية وحضارية، ولتسليط الضوء على المخاطر التي يتعرض لها بفعل سياسات الاحتلال والاستيطان ومحاولات وضع اليد عليه.
السياحة وسيلة لحماية المكان
من برك سليمان، برزت رسالة الجولة: لا يمكن فصل تنشيط السياحة عن حماية المواقع التي تتعرض لضغوط الاحتلال والاستيطان، ولا عن تعزيز ارتباط الفلسطينيين بأرضهم وتراثهم.
وشدد الحايك على أهمية تعزيز التواصل بين أبناء الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وفلسطينيي الداخل، في مواجهة الإجراءات الإسرائيلية التي تسعى إلى الفصل بينهم.
وقال إن الوزارة ماضية في تكثيف الزيارات السياحية لفلسطينيي 48 إلى مختلف المحافظات الفلسطينية، بما يعزز التواصل والتعريف بالتاريخ والموروث الحضاري، ويدعم المدن والمرافق السياحية والاقتصادية، ولا سيما الفنادق.

من جهته، دعا محافظ بيت لحم، محمد طه، فلسطينيي 48 إلى زيارة المحافظة والتعرف إلى مواقعها السياحية والأثرية والدينية، معتبرًا أن تنشيط هذه الزيارات يسهم في دعم قطاع السياحة الذي يواجه تحديات كبيرة بفعل تراجع الحركة السياحية.
أرطاس.. برك سليمان في مواجهة أطماع المستوطنين
في أرطاس، لا يُنظر إلى برك سليمان باعتبارها موقعًا أثريًا فحسب. فقد تحدث رئيس البلدية، جميل ربايعة، لـ”عرب 48″، عن جهود البلدية لحماية الموقع وتطويره سياحيًا واقتصاديًا، معتبرًا أن الحفاظ عليه يرتبط بالحفاظ على الأرض والهوية الفلسطينية.
واستعرض ربايعة القيمة التاريخية والحضارية للموقع، إلى جانب المشاريع التي نُفذت فيه والخطط المستقبلية لتعزيز مكانته بوصفه موقعًا وطنيًا وسياحيًا وثقافيًا. وأشار إلى التنسيق مع الجهات الحكومية، ومنها مجلس الوزراء وسلطة الأراضي، لتنفيذ مشاريع تطويرية وحماية الأراضي والمواقع التاريخية وتعزيز الحضور الفلسطيني في الموقع.

لكن التحدي، بحسب ربايعة، يتجاوز التطوير السياحي. إذ تحدث عن أطماع المستوطنين واقتحاماتهم للموقع بحماية جيش الاحتلال، وعن محاولات لفرض تقسيم زماني ومكاني من خلال الاقتحامات وإغلاق برك سليمان أمام الفلسطينيين.
وقال إن المخططات الإسرائيلية تسعى إلى ربط الموقع بالمشاريع الاستيطانية المحيطة به، بما قد يغيّر طابعه التاريخي والجغرافي. واعتبر أن تعزيز الحضور الرسمي والمؤسساتي فيه يشكل جزءًا أساسيًا من حماية الإرث الوطني والثقافي.
من بيت لحم إلى الخليل.. التراث في الحياة اليومية
في اليوم التالي، انتقلت الجولة إلى محافظة الخليل بإشراف الدليل السياحي عبير الناظر، حيث اتخذ المسار طابعًا يجمع بين التاريخ الديني والحرف والصناعة والاقتصاد المحلي.
بدأت الجولة من البلدة القديمة والحرم الإبراهيمي، قبل الانتقال إلى شركة “رويال” الصناعية التجارية، ومصنع الزجاج والخزف والفخار، ثم معرض “أكسبو الخليل”.

وهنا اتسعت فكرة الجولة، فلم تعد مقتصرة على زيارة المعالم، بل شملت التعرف إلى المدينة بوصفها نسيجًا متكاملًا من التراث والصناعة والتجارة والحياة اليومية.
فالتراث لا يقتصر على المباني القديمة، بل يظهر أيضًا في الحرف التي توارثها السكان، وفي المصانع والمنتجات التي تشكل جزءًا من هوية المدينة واقتصادها.
وكان الهدف المعلن من البرنامج التعريف بالمقومات السياحية والتراثية في بيت لحم والخليل، وتشجيع السياحة الداخلية ودعم القطاع السياحي والتعريف بالمواقع الأثرية والسياحية الفلسطينية.
حين تتحول الآثار إلى ساحة للصراع
غير أن الطريق بين برك سليمان والخليل لا ينفصل عن واقع أوسع تواجهه المواقع الأثرية الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة.

وتتزايد المخاوف الفلسطينية من توسيع إسرائيل سيطرتها على المواقع الأثرية، خصوصًا في المناطق المصنفة “ج”، ونقل إدارة عدد منها إلى ما تسمى سلطة الآثار الإسرائيلية وجيش الاحتلال. ويقول فلسطينيون ومختصون إن هذه الإجراءات تتجاوز إدارة المواقع إلى التأثير في الرواية التاريخية المرتبطة بها.
وتشير تقديرات وزارة السياحة والآثار الفلسطينية إلى وجود نحو 7 آلاف موقع أثري وديني وسياحي في الضفة الغربية المحتلة منذ عام 1967، بينها قرابة 3800 موقع في المناطق المصنفة “ج”، ونحو 1800 في مناطق “ب”، و1300 في مناطق “أ”. وتواجه المواقع الواقعة في المناطق “ج” و”ب” مخاطر تتصل بالعزل أو الاستملاك الاستيطاني وإعاقة الوصول إليها.
التراث في مواجهة المصادرة
في هذا السياق، حذر مدير عام السياحة والآثار في محافظة الخليل، جبر الرجوب، من أن آلاف المواقع الأثرية والدينية والسياحية باتت معرضة لأوامر استملاك مماثلة، بما يتيح، بحسب قوله، السيطرة عليها وقطع الصلة بين الفلسطينيين والحضارات التي نشأت على أرضهم.

وقال الرجوب لـ”عرب 48″ إن السلطة الفلسطينية تعمل على رصد موازنات لترميم المواقع وصيانتها وتعزيز التواصل معها، لا سيما أن عددًا كبيرًا منها يقع ضمن ملكيات خاصة، الأمر الذي يستدعي جمع الوثائق والمستندات اللازمة لمواجهة الادعاءات الإسرائيلية.
وأشار إلى تصنيف أكثر من 140 موقعًا أثريًا وخربة تاريخية في محافظة الخليل ضمن خرائط “الإدارة المدنية” باعتبارها مواقع أثرية إسرائيلية، فضلًا عن تصنيف 1416 موقعًا أثريًا في المنطقة “ج” بالضفة الغربية.
ويرى الرجوب أن هذه الإجراءات تثير مخاوف من استخدام التصنيف الأثري ذريعة لمصادرة الأراضي وإعادة تشكيل هويتها. وأشار إلى التواصل مع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) والمؤسسات الدولية المعنية بالتراث، بالتوازي مع إعداد خطة حكومية على مسارين، داخلي وخارجي، لمواجهة هذه الإجراءات.

من سبسطية إلى برك سليمان.. مخطط يتكرر
ولا تأتي هذه المخاوف من فراغ. ففي 17 شباط/فبراير 2026، أصدر جيش الاحتلال قرارًا بوضع اليد على الموقع الأثري في سبسطية واستملَاكه بذريعة “المصلحة العامة”، في خطوة اعتُبرت مؤشرًا إلى اتساع نطاق السيطرة الإسرائيلية على المواقع الأثرية الفلسطينية، بما قد يتجاوز مناطق “ج” إلى مناطق “ب”.
ولا تقتصر القيود على التصنيف أو الاستملاك، إذ تواجه طواقم وزارة السياحة والآثار الفلسطينية منعًا متكررًا من العمل في مناطق “ب” و”ج”، فضلًا عن عرقلة عملها في مواقع أخرى، بما يحد من قدرتها على تنفيذ أعمال الحماية والترميم.

برك سليمان في مرمى المخطط الإسرائيلي
بينما بدأت الجولة الفلسطينية من برك سليمان لتأكيد الحضور في الموقع، برز موقف إسرائيلي عكس الوجه الآخر للصراع عليه، والمتمثل في المطالبة بإخضاعه للسيطرة الإسرائيلية.
فبعد الفعالية الفلسطينية، طالب وزير التراث الإسرائيلي، عميحاي إلياهو، رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، بطرح قرار حكومي يقضي بتطبيق القوانين والاختصاص القضائي والإداري الإسرائيلي على مجمع برك سليمان ونقله إلى المسؤولية الإسرائيلية الكاملة.

واعتبر إلياهو أن الفعالية الفلسطينية ليست “فعالية سياحية بريئة”، وربط الموقع بمنظومة المياه القديمة التي كانت تنقل المياه إلى القدس، وبالرواية الإسرائيلية المتعلقة بـ”الهيكل” المزعوم، مطالبًا بضمان السيطرة الإسرائيلية عليه.
وأشار الوزير الإسرائيلي أيضًا إلى تخصيص وزارة التراث 10 ملايين شيكل لأعمال إنقاذ الموقع والحفاظ عليه، لكنه ربط ذلك بما وصفه بضرورة “فرض السيادة”.

وتكشف هذه المطالب عن بُعد آخر للصراع على برك سليمان: فالموقع التاريخي الذي تسعى المؤسسات الفلسطينية إلى تثبيت حضوره ضمن التراث والذاكرة الفلسطينيين، تطالب إسرائيل بإخضاعه لسيادتها وربطه بمنظومة المواقع التي تسعى إلى السيطرة عليها.
جولة سياحية ورسالة تتجاوز الاقتصاد
من برك سليمان إلى كنيسة المهد، ومن البلدة القديمة في بيت لحم إلى الخليل والحرم الإبراهيمي ومصانع الزجاج والخزف، لم تكن الجولة مجرد برنامج للتعرف إلى المعالم، بل محاولة لربط السياحة بحماية المكان وتعزيز الارتباط به.

ويرى رئيس مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة محافظة بيت لحم، سمير حزبون، أن المواقع الأثرية والدينية والتاريخية ما زالت حاضرة في الوعي الفلسطيني، وأن الوصول إليها والتعريف بها واستثمارها سياحيًا يمكن أن يتحول إلى وسيلة لحماية المكان وتعزيز الارتباط به.
ودعا حزبون فلسطينيي 48 إلى زيارة محافظة بيت لحم، التي تعرض قطاعها السياحي لضربات متتالية منذ جائحة كورونا، انعكست على اقتصاد المحافظة.
وقال لـ”عرب 48″ إن تنشيط السياحة الداخلية لا يمثل دعمًا لقطاع أنهكته قيود الاحتلال والاستيطان وتراجع الحركة السياحية فحسب، بل يعزز أيضًا التواصل بين الفلسطينيين.

وبالنسبة إلى حزبون، تختزل برك سليمان جانبًا كبيرًا من هذه المعاني في موقع واحد: تاريخ تتداخل حوله الروايات، وأرض تواجه ضغوط الاحتلال وأطماع المستوطنين، ومجتمع محلي يسعى إلى تطوير الموقع وحمايته، وقطاع سياحي يحاول تحويل الزيارة إلى نشاط اقتصادي ووسيلة لإبقاء المكان حاضرًا في الذاكرة والحياة اليومية.
السياحة.. حضور في المكان ورافد للاقتصاد
بهذا المعنى، لم تكن الرحلة من أرطاس إلى بيت لحم والخليل مجرد تنقل بين مواقع سياحية، بل جولة في طبقات من التاريخ الفلسطيني، ومحاولة لربط حماية التراث بحماية الأرض والهوية

وتضم محافظة بيت لحم أكثر من 250 ألف فلسطيني موزعين على 45 تجمعًا، بينها ثلاثة مخيمات للاجئين. وبحسب المعطيات التي عرضها حزبون، تحاصر المحافظة 16 مستوطنة و16 بؤرة استيطانية يقطنها أكثر من 100 ألف مستوطن.
أما على المستوى السياحي، فتضم المحافظة أكثر من 6 آلاف غرفة فندقية، ونحو 90 محلًا للتحف الشرقية، و250 مشغلًا للصناعات المرتبطة بالزيتون والخزف، إضافة إلى مئات المطاعم والمتنزهات.

وقال حزبون إن العمل يجري على الترويج لهذه المقومات ضمن رزم سياحية مخصصة لفلسطينيي الداخل وبأسعار تنافسية، إلى جانب توفير خدمات الإرشاد والمرافقة خلال الجولات والتسوق.
وهكذا، تخرج السياحة في هذه الجولة من إطارها التقليدي؛ فالزيارة ليست مجرد استهلاك للمكان، بل حضور فيه، وتعريف به، وربط بالاقتصاد المحلي، وإبقاء معالمه حاضرة في الذاكرة، في وقت تتحول فيه المواقع الأثرية والدينية الفلسطينية إلى إحدى ساحات الصراع على الأرض والرواية.


