بقلم: يديديا شتيرن
إن منح جائزة نوبل للسلام لشخصٍ خلص إلى أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية ثم تبني العالم لهذا الموقف، هو بمثابة جرس إنذار لنا جميعًا في مواجهة تغير جذري في الواقع يُهدد مستقبلنا.
هناك معسكران في إسرائيل: أحدهما يعتقد أن إسرائيل في وضع آمن. فالوضع الأمني، بعد التعافي من المجزرة، مستقر وأفضل من ذي قبل، والخطوط الصفراء خير دليل على ذلك؛ والاقتصاد الإسرائيلي مزدهر حتى بعد ثلاث سنوات من الحرب، وقوة الشيكل خير دليل على ذلك؛ والمجتمع المدني رغم الخلافات التي تُلازمنا، حيوي ومبادر ومتضامن، ومؤشر السعادة العالمي الذي يُصنفنا في مرتبة متقدمة جدًا، خير دليل على ذلك.
وثمة معسكر ثانٍ في يعيش واقع معكوس: فالحرب لم تنتهِ بعد، ولا تلوح في الأفق أي تسوية سياسية تضمن الاستقرار؛ ولا تُجرى تحقيقات في إخفاقات هذا المفهوم، مما يجعل الكارثة مُحتملة للتكرار؛ والمجتمع الحريدي يتهرب من المسؤولية مُهددًا بذلك مستقبلنا الاقتصادي والأمني؛ وتهتز الثقة بمؤسسات الدولة، وتتفاقم التوترات الاجتماعية، مُقوِّضةً استقرار البلاد، إلى حدّ الخوف من اندلاع حرب أهلية.
مع ذلك، علينا جميعًا توحيد الجهود، نظرًا لأن إسرائيل على شفا عزلة دولية حادة قد تُقيّدنا جميعًا، من كلا المعسكرين في واقع جديد جامد قد يكون كارثيًا. هذا تحذير استراتيجي يستدعي نفض المنظومات المحلية، دون تعلق بالمعسكرات.
في الدول الأوروبية، شريكنا التجاري الرئيسي، تتشكل ملامح تحرك لفرض عقوبات علينا ستُلحق ضررًا بالغًا بالاقتصاد الإسرائيلي
في الدول الأوروبية، شريكنا التجاري الرئيسي، تتشكل ملامح تحرك لفرض عقوبات علينا ستُلحق ضررًا بالغًا بالاقتصاد الإسرائيلي. وتخطط بريطانيا، التي تتبعها إحدى عشرة دولة أوروبية، لنظام عقوبات يهدف إلى الإضرار بالاقتصاد المرتبط بالمستوطنات. مع ذلك، وبما أن الخط الأخضر غير موجود في الاقتصاد الإسرائيلي، فإن معظم الشركات الكبرى في إسرائيل معرضة لعقوبات مستقبلية.
وفي سلسلة من ردود الفعل، قد يتجنب الكثيرون حول العالم التعامل معنا خشية التورط غير الضروري ووصمهم بانتهاك العقوبات. ستنشأ حركة مقاطعة عفوية تدريجية، حتى من جانب محبي إسرائيل، بدافع تجنب المخاطر التجارية. وهكذا، قد تتحول الدعوة إلى حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على إسرائيل من موقف هامشي إلى حركة شاملة تُغير واقع حياتنا. سنجد أنفسنا في خانة المنبوذين عالميًا إلى جانب روسيا وكوريا الشمالية وإيران.
تُعد الولايات المتحدة الداعم الأمني والسياسي الرئيسي لإسرائيل. في الماضي، شهدنا توترات مع الإدارات الأمريكية، لكننا حظينا دائمًا بدعم شعبي واسع في الولايات المتحدة، من كلا الحزبين. اليوم، الوضع معكوس تمامًا، وهذا هو جوهر التحذير الاستراتيجي: تتصرف الإدارة الحالية بتعاونٍ مثير للإعجاب معنا، لكن هذا ليس سوى نظرة تكتيكية. فالرأي العام الأمريكي، في معظمه، ليس فقط الديمقراطيين بل الجمهوريين وحتى الإنجيليين، وخاصة الشباب، يدير ظهره لنا. لم تعد إسرائيل الدولة المفضلة لدى الأمريكيين في الشارع؛ فالفلسطينيون أكثر شعبية. هم “داود”، ونحن “جالوت”.
إسرائيل تقف على منحدر زلق قد يؤدي في نهاية المطاف إلى هزيمة خطيرة اقتصاديًا وسياسيًا، ومع تغيير الإدارة الأمريكية خلال عامين تقريبًا ستتحول الهزيمة أمنية أيضاً. يجب ألا نتجاهل الخطر، أو نقع في فخ فكرة ” كل شيء سيكون على ما يرام” أو وهم إمكانية العيش في ظل اقتصاد منعزل، إسبرطي. فإن التدهور السريع – 6:29 سياسي- هو خيارٌ حقيقي.
ظروف هذه العمليات معقدة، وليست تحت سيطرة إسرائيل. مع ذلك، يقع على عاتقنا جميعًا، ائتلافًا ومعارضةً، واجبٌ جوهريٌّ يتمثل في دراسة كل فعلٍ أو تصريحٍ أو امتناعٍ عن الفعل، مع إدراكنا لتداعياته الاستراتيجية العميقة على مستقبل الدولة.
هذا التحذير لا يدعو إسرائيل إلى التصرّف بما يتعارض مع مصالحها الحيوية لإرضاء الرأي العام العالمي؛ فهناك مجالٌ واسعٌ للأعمال الحسنة: فمن الممكن تنفيذ إجراءاتٍ تؤيدها الأغلبية الإسرائيلية بوضوح، مثل القضاء على الإرهاب اليهودي؛ وتجنّب التصريحات التي لا تؤيدها الأغلبية الإسرائيلية، مثل الدعوة إلى تدمير غزة أو تهجير سكانها قسرًا. إن مصلحتنا جميعًا، من كلا الجانبين، تقتضي تجنّب ما قد يُحقق هذا التحذير الوارد هنا وبشكل مأساوي.

