من غزة بدأ التحول.. «الغارديان»: الحرب أعادت رسم الشرق الأوسط وأسقطت هيبة القانون الدولي

المسار : قال الصحفي ستيف بلومفيلد، في مقال نشرته صحيفة «الغارديان» البريطانية، إن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 لم تغيّر غزة وحدها، بل أعادت تشكيل الشرق الأوسط وأضعفت مكانة النظام الدولي القائم على القانون، معتبرًا أن القطاع بات شاهدًا حيًا على حجم الدمار والتحولات التي شهدها العالم خلال السنوات الثلاث الماضية.

ويرى بلومفيلد أن الحديث عن «عالم قبل السابع من أكتوبر وعالم بعده» لم يعد توصيفًا مبالغًا فيه، إذ تجاوزت تداعيات الحرب حدود غزة وإسرائيل، وامتدت إلى ساحات متعددة في لبنان وسوريا واليمن وإيران ودول أخرى في المنطقة.

غزة قبل الحرب وبعدها

وأشار الكاتب إلى أن صور الأقمار الصناعية وخرائط «غوغل» المحدثة تكشف حجم التحول الذي طرأ على قطاع غزة، حيث أحياء ومدن تحولت إلى ركام، واختفت معالم ومبانٍ عامة ومستشفيات ومساجد، فيما امتلأت مساحات واسعة من الساحل بالخيام ومراكز الإيواء.

واعتبر بلومفيلد أن هذا المشهد يعكس، بحسب توصيفه، «شكل محاولة إبادة شعب»، مشيرًا إلى أن آثار الحرب أصبحت مرئية بصورة مباشرة أمام العالم، ليس فقط من خلال الأرقام، وإنما عبر التغير الكامل في شكل المدن وحياة السكان.

تداعيات تجاوزت غزة

وقال الكاتب إن هجوم السابع من أكتوبر 2023 بدد صورة الأمان التي سعى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى ترسيخها داخل إسرائيل، قبل أن يأتي الرد العسكري الإسرائيلي ليقود إلى حرب طويلة تركت تداعيات واسعة على الفلسطينيين والمنطقة بأكملها.

وبحسب المقال، فإن العمليات العسكرية التي أعقبت الحرب في غزة امتدت إلى ساحات أخرى، سواء في لبنان أو سوريا أو إيران واليمن، بينما أصبحت أكثر من 12 دولة عبر قارتين منخرطة بدرجات مختلفة في صراعات مترابطة ومتداخلة.

ويرى بلومفيلد أن ما بدأ في غزة ساهم في إطلاق سلسلة من المواجهات الإقليمية، مع تداخل التحالفات والمصالح وتوسع دائرة الأطراف المنخرطة في النزاعات.

القانون الدولي أمام اختبار غير مسبوق

وركز المقال بصورة خاصة على ما وصفه بتراجع سلطة القانون الدولي أمام منطق القوة العسكرية.

وقال بلومفيلد إن حكومات غربية كانت قد استندت إلى القانون الدولي في إدانة الغزو الروسي لأوكرانيا، لكنها واصلت تقديم الدعم السياسي والعسكري لإسرائيل خلال حرب غزة، حتى مع تصاعد الاتهامات بارتكاب انتهاكات جسيمة.

واعتبر أن هذا التناقض أضعف صدقية الخطاب الغربي بشأن القانون الدولي، ليس في دول الجنوب العالمي فقط، وإنما كذلك بين قطاعات واسعة من الرأي العام داخل الدول الغربية نفسها.

غزة.. حرب تُنقل إلى العالم لحظة بلحظة

وأشار المقال إلى أن من أبرز سمات حرب غزة أنها جرت أمام أعين العالم بصورة شبه مباشرة، رغم القيود المفروضة على دخول الصحفيين الدوليين إلى القطاع.

وأوضح أن الصحفيين الفلسطينيين وثقوا على مدار الحرب استهداف مستشفيات ومدارس ومقاهٍ وآبار ومراكز توزيع الغذاء، إلى جانب مقتل مدنيين وأطفال ورضع.

ويرى الكاتب أن العالم لم يشهد من قبل حربًا تُنقل تفاصيلها بهذا الحجم والاستمرارية إلى الجمهور الدولي، الأمر الذي جعل غزة واحدة من أكثر الحروب توثيقًا بصريًا في التاريخ الحديث.

الذكاء الاصطناعي يدخل ساحات الحرب

وتناول بلومفيلد كذلك استخدام إسرائيل لتقنيات الذكاء الاصطناعي في تحديد الأهداف العسكرية، معتبرًا أن هذه الحرب فتحت الباب بصورة أوسع أمام استخدام التكنولوجيا والأنظمة الآلية في اتخاذ قرارات مرتبطة بالاستهداف.

وحذر من أن هذا التطور قد يدفع الحروب المقبلة نحو مرحلة جديدة لا تزال القواعد الدولية والقانونية غير مستعدة بصورة كافية للتعامل معها.

انتقادات للسياسة الأميركية

واعتبر الكاتب أن تآكل النظام الدولي لم يبدأ مع إدارة دونالد ترامب وحدها، بل إن مسارًا من هذا النوع كان قد بدأ، وفق رأيه، خلال إدارة جو بايدن.

وأشار إلى استمرار تدفق الأسلحة الأميركية إلى إسرائيل، واستخدام واشنطن حق النقض في مجلس الأمن ضد مشروعات قرارات دعت إلى وقف إطلاق النار، إضافة إلى انتقادات الإدارة الأميركية للمحكمة الجنائية الدولية عندما تحركت في ملفات مرتبطة بقيادات إسرائيلية.

وقارن المقال ذلك بمواقف إدارات أميركية سابقة، مشيرًا إلى أن واشنطن استخدمت في مراحل سابقة أدوات ضغط مباشرة على الحكومات الإسرائيلية.

واستشهد بمواقف للرئيس رونالد ريغان خلال ثمانينيات القرن الماضي، وكذلك بمواقف وزير الخارجية الأميركي الأسبق كولن باول في بداية الألفية، للتدليل على أن الدعم الأميركي لإسرائيل لم يكن يعني دائمًا غياب الضغط السياسي عليها.

مسؤولية غربية أوسع

ولفت بلومفيلد إلى أن الدعم لإسرائيل لم يقتصر على الولايات المتحدة، بل شمل عددًا من الدول الغربية الكبرى وقادة دول مجموعة السبع.

وفي المقابل، أشار إلى موقف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الذي انتقد في وقت مبكر ما وصفه بـ«العقاب الجماعي للشعب الفلسطيني»، وطالب بوقف إطلاق النار.

هل بدأت المواقف الغربية تتغير؟

وفي ختام مقاله، رأى بلومفيلد أن التحولات السياسية داخل بعض الدول الغربية قد تمثل مؤشرًا على بداية تغير في الخطاب والموقف من الحرب الإسرائيلية وسياساتها تجاه الفلسطينيين.

وأشار إلى تصريحات ومواقف صدرت عن سياسيين بريطانيين خلال الفترة الأخيرة، بينها انتقادات أكثر وضوحًا للسياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية وغزة.

واعتبر أن اتساع دائرة هذه المواقف يمكن أن يمهد، إذا تطورت إلى سياسات عملية، لتحرك دولي أكثر تنسيقًا تجاه إسرائيل.

Share This Article