المسار : ■ مبدأ التوافق الوطني في العلاقات الفلسطينية مبدأ ثابت، تصر عليه الأطراف الحريصة على الحد من حالة الإنقسام والتشتت والتشرذم، والاقتراب، بخطوات وئيدة، نحو الوحدة الوطنية في المؤسسات الجامعة كالمجلس الوطني والمجلس التشريعي، وبما يعزز الصمود الميداني للحراكات الشعبية، وتحولها إلى مقاومة، تخطو على طريق المواجهة والتصدي والثبات، وصولاً إلى تحقيق الأهداف الوطنية.
وإذا ما عدنا إلى محطات الحوارات الوطنية، نلاحظ أنها، كلها، أجمعت على التوافق على وحدة الصف، من خلال الأطر الوطنية، القائم منها والمستحدث، كالإطار القيادي المؤقت الذي قرر تشكيله «حوار بكين»، أو القيادة الوطنية للمقاومة، ولجنة حكماء لتقديم مشروع وطني وإستراتيجية وطنية للحالة الفلسطينية، على غرار ما تقرر في 3/9/2020، في المؤتمر الوطني الذي انعقد بين رام الله وبيروت برئاسة الرئيس أبو مازن.
الخطوة النشاز في هذا المسار التوافقي، تمثلت هذه المرة في التوافق على خطوة إلى الوراء، تتعارض مع الميل العام لإجراء انتخابات عامة للمجلسين الوطني والتشريعي والرئاسة، تنهي حالة الفراغ المؤسساتي، وتعيد بناء النظام السياسي الفلسطيني، وإحداث النقلة المطلوبة في المسار النضالي الفلسطيني.
هذا الميل العام، الذي جاءت خطوة النشاز في تعارض معه، عبّر عنه أكثر من عشر سنوات (بل أكثر) في العديد من الشعارات، الطيف الواسع للحالة الوطنية، من كان فيها داخل ما تبقى من م. ت. ف. من مؤسسات، ومن كان خارجها، والكل يتوق إلى الانتقال إلى حالة وطنية مؤسساتية معافاة، تضع حداً لحالة الفوضى السياسية، وتعيد جمع الضفة الغربية مع قطاع غزة.
وإذا ما راجعنا ما ورد في بيان اللجنة التنفيذية (التي لم يُجْمِع أعضاؤها على التأجيل، بل كانت هناك معارضات)، نلاحظ أن الأسباب التي قيلت أنها مدعاة للتأجيل، أي عدم توفر الظروف السياسية والأمنية، لتنظيم الانتخابات، هي الذريعة ذاتها التي قيلت في العام 2021، حين فاجأت الجميع بقرار التأجيل، بسبب رفض إسرائيل إجراءها في القدس، وكانت القدس ذريعة تمت المتاجرة بها في الإتجاه المعاكس.
وإذا ما راجعنا الموعد المقرر للانتخابات القادمة، نلاحظ أنه يأتي بعد عام، في ظل غياب الضمانات السياسية، أن الأوضاع القائمة التي سيقت ذريعة للتأجيل، سوف تتغير، وأن الظروف الملائمة سوف تتوفر حينها.
كما نلاحظ أن الرهان على توفير الظروف، تمثلَ في دعوة المجتمع الدولي لتحمل مسؤولياته، وإسناد الشعب الفلسطيني في ممارسة حقه في الإنتخاب، في وقت يعلم فيه الجميع أن المجتمع الدولي يعيش حالة الفوضى والحروب، من أوكرانيا إلى شمال إفريقيا، إلى بلاد الشام، إلى ضفتي البحر الأحمر، وباب المندب، ومضيق هرمز، وضفتي الخليج، والحرب الأفغانية – الباكستانية، وجزيرة تايوان، وصولاً إلى فنزويلا وكوبا وأنحاء أخرى من أميركا اللاتينية، مجتمع دولي لا تحكم علاقاته لا قوانين ولا معادلات، سوى معادلات التنافس العسكري والإقتصادي والسياسي.
ولا يبقى من سبب للتأجيل، والحال هذا، سوى الأسباب الضيقة، التي رأى فيها، من شارك في التوافق عليه، أن هذا الإستحقاق لا يكفل أن يحقق خلاله ما يطمح إلى تحقيقه، وبذلك تعلو المصالح الضيقة والفئوية، والأطماع الحزبية الضيقة على المصالح الوطنية العليا، وليذهب المجلس التشريعي إلى الجحيم، ونحن نعيش دون هذا المجلس، منذ أن تعطل في العام 2007، وجرى حلّه في العام 2018، على أن تعقد انتخابات لاختيار الجديد. وما زال الوضع على حاله.
والأمر نفسه يقال عن المجلس الوطني.
إنه التوافق الوطني في الإتجاه المعاكس■
بقلم “معتصم حمادة” توافق في الإتجاه المعاكس

