في ذكرى رحيله: هشام أبو غوش… قائد عاش بعيدًا عن ضجيج الأضواء، لكن أثره ظل حاضرًا في ذاكرة رفاقه والحركة الوطنية الفلسطينية

لم يكن الرفيق هشام أبو غوش عابرًا في مسيرة النضال، بل كان مدرسةً في الإلتزام، وعنوانًا للثبات، وتجسيدًا لمعنى أن تكون الفكرة موقفًا، وأن يكون الإنتماء مسؤولية، وأن يظل الإنسان وفيًّا لشعبه وقضيته حتى آخر الطريق. كان عنوانا جعل من الفكر ممارسة حية.
رحل الرفيق هشام، لكن المناضلين الذين يتركون أثرًا في الوجدان لا يغيبون؛ تبقى سيرتهم شاهدًا على زمنٍ صنعه أصحاب المبادئ، وتبقى مواقفهم أمانةً في أعناق من يواصلون الطريق.

المسار:في ذكرى رحيل الرفيق هشام أبو غوش، لا نستحضر غياب رفيق فحسب، بل نستعيد سيرة مناضل صلب، أفنى عمره في سبيل شعبه وحزبه وقناعاته، وظل وفيًّا لما آمن به، ثابتًا على درب اختاره بوعيٍ وإرادة، مهما اشتدّت العواصف وتبدّلت المواقف.

قائد من الرعيل التاريخي المؤسس للجبهة الديمقراطية.. عاش سنوات النضال بين الأردن وسوريا، وعاد إلى الوطن ليواصل حضوره السياسي حتى رحيله في رام الله.

لم يكن هشام أبو غوش من السياسيين الذين بحثوا عن الأضواء أو بنوا حضورهم على كثرة الظهور الإعلامي. كان من طراز آخر؛ قائدًا تشكلت تجربته في قلب التحولات الكبرى التي مر بها الشعب الفلسطيني، وانتقل بين ساحات الثورة والعمل السياسي والتنظيمي، قبل أن يعود إلى فلسطين ويواصل نشاطه حتى أيامه الأخيرة.

ولد هشام عام 1947 في قرية عمواس الفلسطينية، وأصبح لاحقًا واحدًا من أبرز قيادات الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، وعضوًا في مكتبها السياسي، إلى جانب عضويته في المجلس الوطني الفلسطيني والمجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية.

في الرابع عشر من تشرين الأول/أكتوبر عام 2014، أسدل الستار على رحلة طويلة من العمل الوطني، حين توفي أبو غوش بعد معاناة مع المرض، تاركًا وراءه سيرة ارتبطت بمحطات أساسية من تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، وبسنوات طويلة من العمل في سوريا والأردن وفلسطين.

من مؤسسي الجبهة الديمقراطية

ارتبط اسم هشام أبو غوش منذ بداياته بتاريخ الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، التي انطلقت في 22 شباط/فبراير 1969. باعتباره أحد مؤسسيها إلى جانب مجموعة من القادة التي أدت أدوارًا بارزة في مسيرتها اللاحقة.

لكن التحول التنظيمي الأبرز في مسيرته جاء عام 1971، حين انتُخب عضوًا في اللجنة المركزية للجبهة الديمقراطية خلال المؤتمر الوطني العام الأول للجبهة، الذي عقد في تشرين الثاني/نوفمبر من ذلك العام.

ومنذ ذلك التاريخ بقي في اللجنة المركزية حتى وفاته، أي لأكثر من أربعة عقود متواصلة من العمل القيادي.

وفي مطلع ثمانينيات القرن الماضي، انتقل إلى مستوى قيادي أعلى بانتخابه عضوًا في المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية، واستمر في هذا الموقع حتى السنوات الأخيرة من حياته.

وفي المؤتمر الوطني السادس للجبهة، الذي اختتم أعماله قبيل الذكرى الرابعة والأربعين لانطلاقتها عام 2013، أعيد انتخاب هشام أبو غوش ضمن المكتب السياسي، في تأكيد لاستمرار مكانته داخل القيادة المركزية للجبهة.

سنوات سوريا.. العمل بعيدًا عن الوطن

احتلت سوريا مساحة مهمة من تجربة أبو غوش السياسية والتنظيمية.فعلى غرار عدد كبير من قيادات الحركة الوطنية الفلسطينية في مرحلة ما بعد خروج المقاومة من الأردن وانتشار مؤسسات منظمة التحرير وفصائلها في عدد من الدول العربية، عمل أبو غوش لسنوات في ساحات الشتات، ولا سيما في سوريا والأردن.

وتولى خلال تلك المرحلة مسؤوليات قيادية وتنظيمية متعددة، من بينها العلاقات الخارجية والمنظمات الشعبية، كما تولى مسؤولية مكتب العمل الجماهيري والاتحادات الشعبية في سوريا.

لم تكن سوريا بالنسبة إليه مجرد مكان للإقامة، بل واحدة من أهم ساحات العمل الفلسطيني في الشتات؛ حيث المخيمات الفلسطينية والمؤسسات والاتحادات الشعبية والقوى السياسية.

ومن هناك أسهم في بناء العلاقات مع الأطر الفلسطينية والعربية، وفي العمل وسط التجمعات الفلسطينية، وهي تجربة جعلت اسمه معروفًا في دوائر الحركة الوطنية الفلسطينية، حتى وإن ظل حضوره الإعلامي أقل بكثير من حضوره التنظيمي والسياسي.

الأردن.. محطة أخرى في مسيرة طويلة

إلى جانب سوريا، شغل الأردن مكانة بارزة في تجربته. فتقلد مسؤوليات قيادية بين الأردن ، كما عمل في هيئات حزب الشعب الديمقراطي الأردني «حشد»، المرتبط تاريخيًا بالتيار السياسي والفكري للجبهة الديمقراطية.

وبذلك تشكلت تجربته عبر أكثر من ساحة: فلسطين، والأردن، وسوريا، في زمن كانت فيه الحركة الوطنية الفلسطينية تعمل ضمن فضاء سياسي وجغرافي واسع، وكانت قياداتها تتوزع على عواصم ومخيمات الشتات.

العودة إلى فلسطين

بعد سنوات طويلة من العمل خارج فلسطين، عاد هشام أبو غوش إلى الأرض الفلسطينية، لتبدأ مرحلة جديدة من نشاطه السياسي. وكان نائبا لأمين القيادة المركزية للجبهة الديمقراطية في إقليم  الضفة الفلسطينية.

وهنا انتقل أبو غوش من تجربة العمل في الشتات إلى الاشتباك المباشر مع الملفات الفلسطينية الداخلية: الانقسام، وإصلاح منظمة التحرير، والانتخابات، والوحدة الوطنية، والعلاقة بين القوى والفصائل، ومواجهة الاستيطان وسياسات الاحتلال.

في قلب منظمة التحرير

لم يقتصر موقع هشام أبو غوش على العمل الحزبي داخل الجبهة الديمقراطية.

فقد كان عضوًا في المجلس الوطني الفلسطيني والمجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية، ما وضعه في قلب المؤسسات السياسية الفلسطينية الجامعة.

وكان ملف منظمة التحرير وتطوير مؤسساتها والحفاظ على مكانتها التمثيلية من الملفات التي اهتم بها في كتاباته ومواقفه السياسية.

وفي مقال نشره حول قرارات المجلس المركزي الفلسطيني، تناول أهمية تعزيز شرعية منظمة التحرير، وتطوير النظام السياسي الفلسطيني، والحفاظ على المنجزات الوطنية المرتبطة بإعلان الاستقلال عام 1988.

الوحدة الوطنية.. قضية مركزية في مسيرته

تتكرر في الشهادات التي كُتبت عن أبي غوش بعد وفاته الإشارة إلى اهتمامه الشديد بـالوحدة الوطنية الفلسطينية وقدرته على إقامة علاقات واسعة مع مختلف القوى والفصائل.

ووصفت المواد التأبينية شخصيته بأنها اتسمت بهدوء الطبع والقدرة على التواصل مع مختلف الاتجاهات، وبأنه كان قريبًا من الناس ومن العاملين في الحقول التنظيمية والسياسية والنقابية والشعبية.

وهذه السمة انعكست بصورة واضحة في جنازته لاحقًا؛ إذ لم يكن الحضور مقتصرًا على رفاقه في الجبهة، بل شارك مسؤولون وممثلون عن منظمة التحرير وفصائل العمل الوطني ومؤسسات ونقابات واتحادات شعبية.

قائد لا يبحث عن الأضواء

من أكثر السمات التي تتكرر عند الحديث عن هشام أبو غوش ابتعاده عن الاستعراض الشخصي.

فقد وصفه فهد سليمان، عقب وفاته بأنه من القادة البارزين والمؤسسين في القيادة التاريخية للجبهة، مشيرًا في تأبينه إلى ابتعاده عن الأضواء. قائد عاش حياة متواضعة وقريبة من مستوى الحياة اليومية للفئات الشعبية.

المرض لم يبعده عن العمل

في السنوات الأخيرة من حياته عانى هشام أبو غوش من المرض، لكنه ظل منخرطًا في نشاطه السياسي والتنظيمي إلى مراحل متقدمة من مرضه. وأنتهت حياته كما بدأت وكأنها حافظت على الإيقاع نفسه : عمل تنظيمي طويل وصامت، وميل إلى أداء الدور من داخل المؤسسة بدل تحويل الشخص إلى مركز للمشهد.

الرحيل في رام الله

في 14 تشرين الأول/أكتوبر 2014 توفي هشام أبو غوش، منهياً مسيرة امتدت منذ ستينيات القرن الماضي وحتى العقد الثاني من الألفية الجديدة.

وفي اليوم التالي، 15 تشرين الأول/أكتوبر 2014، خرجت في رام الله والبيرة جنازة رسمية وشعبية حاشدة لتشييع جثمانه.

رحل الرجل.. وبقي الاسم في ذاكرة الجبهة… رحل القائد لكن سيرته بقيت حاضرة في ذاكرة رفاقه والحركة الوطنية الفلسطينية، وفي تاريخ الجبهة التي رافقها منذ سنوات تأسيسها الأولى وحتى آخر أيامه.

 

 

 

 

Share This Article