المسار : في الثاني من أيلول/سبتمبر 1945، وقف هو تشي منه في هانوي ليعلن استقلال جمهورية فيتنام الديمقراطية، بعد انتهاء الاحتلال الياباني خلال الحرب العالمية الثانية. لكن الاستقلال الذي حلم به الفيتناميون لم يتحول سريعًا إلى واقع مستقر، إذ عادت فرنسا في محاولة لاستعادة مستعمرتها السابقة في الهند الصينية، لتبدأ واحدة من أطول حروب التحرر في القرن العشرين.
على مدى نحو تسع سنوات، خاضت قوات «الفيت منه» بقيادة هو تشي منه حربًا مرهقة ضد الجيش الفرنسي، اعتمدت خلالها على حرب العصابات، والتنظيم الشعبي، والاستفادة من طبيعة البلاد الجبلية والغابات الواسعة.
وجاءت اللحظة الحاسمة عام 1954 في معركة ديان بيان فو، حين تمكنت القوات الفيتنامية بقيادة الجنرال فو نغوين جياب من محاصرة الموقع الفرنسي وإسقاطه بعد أسابيع من القتال، في هزيمة شكلت نقطة النهاية الفعلية للوجود الاستعماري الفرنسي في الهند الصينية.
بعد ذلك، جاءت اتفاقيات جنيف عام 1954، التي نصت على تقسيم فيتنام بصورة مؤقتة عند خط العرض 17، إلى شمال تقوده حكومة هو تشي منه، وجنوب تشكلت فيه سلطة مناهضة للشيوعية مدعومة من الولايات المتحدة، على أن تُجرى انتخابات لتوحيد البلاد لاحقًا.
لكن الانتخابات لم تُجرَ، وسرعان ما تحولت فيتنام إلى إحدى أبرز ساحات الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي.
ومع تصاعد المواجهة في الجنوب، توسع التدخل الأميركي تدريجيًا، إلى أن أصبحت الولايات المتحدة طرفًا عسكريًا مباشرًا في الحرب. وفي ذروة الوجود الأميركي، تجاوز عدد الجنود الأميركيين في فيتنام نصف مليون جندي، مدعومين بأحدث الطائرات والمروحيات والمدفعية والأسلحة المتطورة.
في المقابل، لم تكن القوة الفيتنامية قائمة على التفوق التكنولوجي، بل على حرب طويلة الأمد، وشبكات واسعة من المقاتلين والقواعد والأنفاق، إضافة إلى قدرة كبيرة على الحركة والإمداد وسط ظروف شديدة القسوة.
وأصبحت شبكة الأنفاق، ولا سيما أنفاق «كو تشي»، نموذجًا لقدرة المقاتلين الفيتناميين على الاختفاء والتنقل والعودة إلى القتال بعيدًا عن التفوق الجوي الأميركي.
كما لعب «طريق هو تشي منه»، الممتد عبر مناطق من لاوس وكمبوديا، دورًا بالغ الأهمية في نقل الرجال والسلاح والذخيرة والإمدادات من الشمال إلى قوات الجبهة الوطنية لتحرير جنوب فيتنام.
وفي محاولة لكسر هذه البنية، نفذت الولايات المتحدة حملة قصف هائلة ضد فيتنام ولاوس وكمبوديا، واستخدمت النابالم ومواد كيميائية لإزالة الغطاء النباتي، أشهرها «العامل البرتقالي»، الذي ترك آثارًا صحية وبيئية امتدت لعقود.
لكن التفوق العسكري الأميركي لم يحسم الحرب.
ففي عام 1968، شنت القوات الفيتنامية هجوم «تيت» الواسع على عشرات المدن والمواقع في جنوب فيتنام. ورغم الخسائر العسكرية الكبيرة التي لحقت بالمهاجمين، أحدث الهجوم تحولًا سياسيًا وإعلاميًا بالغ الأهمية داخل الولايات المتحدة، إذ بدأ جزء متزايد من الرأي العام الأميركي يشكك في الرواية الرسمية التي كانت تتحدث عن قرب تحقيق النصر.
ومع ارتفاع الخسائر البشرية وتنامي الاحتجاجات المناهضة للحرب، بدأت واشنطن تقليص وجودها العسكري.
وبحلول عام 1973، وقعت اتفاقات باريس، وانسحبت القوات القتالية الأميركية الرئيسية من فيتنام، بينما استمرت الحرب بين الشمال وحكومة سايغون.
وفي ربيع عام 1975، أطلقت القوات الفيتنامية الشمالية هجومها النهائي، وتقدمت بسرعة باتجاه سايغون.
وفي 30 نيسان/أبريل 1975، دخلت الدبابات الفيتنامية إلى قلب المدينة، وسقطت حكومة جنوب فيتنام، لتنتهي حرب استمرت عقودًا وتتوحّد البلاد لاحقًا تحت اسم جمهورية فيتنام الاشتراكية.
وأصبحت مشاهد الإجلاء بالمروحيات في الأيام الأخيرة من سايغون رمزًا لانتهاء التدخل الأميركي. ومن أشهر الصور المرتبطة بتلك اللحظة مشهد صعود أشخاص إلى مروحية فوق سطح مبنى في سايغون، وهي صورة كثيرًا ما يُقال خطأً إنها التقطت فوق السفارة الأميركية، بينما كانت في الواقع على سطح مبنى آخر استخدمته جهات أميركية.
دفعت فيتنام ثمنًا هائلًا للحرب. قُتل ملايين الفيتناميين من المدنيين والعسكريين على مدى سنوات الصراع، فيما فقدت الولايات المتحدة أكثر من 58 ألفًا من جنودها، وأصيب مئات الآلاف، وعاد كثيرون وهم يعانون آثارًا جسدية ونفسية عميقة.
لكن التجربة الفيتنامية تجاوزت الحساب العسكري البحت.
فقد أظهرت الحرب أن التفوق في الطائرات والدبابات والقنابل لا يعني بالضرورة القدرة على تحقيق الأهداف السياسية، خصوصًا عندما تواجه قوة عظمى خصمًا يمتلك تنظيمًا طويل النفس، وقاعدة شعبية، وقدرة على تحمل خسائر هائلة، وإصرارًا على مواصلة القتال لسنوات.
كما أن انتصار فيتنام لم يكن نتيجة عامل واحد؛ بل جاء نتيجة تداخل القيادة والتنظيم، وحرب العصابات، والدعم الشعبي، والمساعدات الخارجية، وطبيعة الأرض، والانقسام السياسي داخل الولايات المتحدة، وتراجع التأييد الشعبي للحرب، فضلًا عن الأخطاء الاستراتيجية التي ارتكبتها واشنطن وحكومة جنوب فيتنام.
واليوم، وبعد عقود من الحرب، تحولت فيتنام إلى واحدة من أكثر الاقتصادات نموًا في جنوب شرق آسيا، وأصبحت مركزًا صناعيًا مهمًا في سلاسل التوريد العالمية، بعد أن كانت أراضيها مسرحًا لواحدة من أكثر الحروب تدميرًا في القرن العشرين.
وتبقى تجربة فيتنام مثالًا تاريخيًا على أن الحروب لا تُحسم دائمًا بحجم الترسانة، وأن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تضمن وحدها تحقيق النصر السياسي.
ففيتنام لم تنتصر لأنها امتلكت سلاحًا يفوق سلاح خصومها، بل لأنها استطاعت تحويل الصراع إلى حرب استنزاف طويلة لم تتمكن القوى التي واجهتها من تحمل كلفتها إلى ما لا نهاية.
ومن ديان بيان فو عام 1954 إلى سقوط سايغون عام 1975، كتبت فيتنام واحدة من أكثر صفحات حركات التحرر الوطني تأثيرًا في التاريخ الحديث.

