المسار : ارتفعت حصيلة ضحايا انفجار قاذف هاون داخل معسكر تابع لجهاز مكافحة التهديدات الأمنية في مدينة الزاوية، غربي العاصمة الليبية طرابلس، إلى تسعة قتلى، وفق ما أعلنه جهاز الإسعاف والطوارئ، في حادث أعاد تسليط الضوء على المخاطر المرتبطة بانتشار الأسلحة الثقيلة والاضطرابات الأمنية التي تشهدها المدينة منذ سنوات.
ووقع الانفجار مساء الأحد، 18 تشرين الأول/أكتوبر، عقب صلاة المغرب، داخل معسكر الجهاز بمنطقة الحرشة، أثناء تنفيذ تدريبات عسكرية باستخدام قاذف هاون من عيار 82 ملم، ما أسفر عن سقوط عدد من الضحايا وإصابة آخرين، وسط تضارب الحصائل الأولية التي تراوحت بين ثلاثة وثمانية قتلى، قبل تأكيد ارتفاع عدد الوفيات إلى تسعة.
ونعى جهاز الإسعاف والطوارئ الضحايا، واصفًا الحادث بأنه فاجعة أليمة وخسارة موجعة لمدينة الزاوية، في حين أعلن المجلس الأعلى للدولة تعازيه في مقتل ثمانية من عناصر الجهاز وفق الحصيلة الأولية، معربًا عن تضامنه مع أسرهم وذويهم ورفاقهم.
وأُعلن الحداد في المدينة لمدة ثلاثة أيام على أرواح الضحايا، الذين شملت الأسماء المعلنة منهم معتز الأشخم، ومالك بوصاع، وعبد الرحمن الفراح، ومحمد الأسطي، وإبراهيم أبودربالة، ومهند الحراري، وعاصم القمودي، وناجي القراضي، فيما لم تتضح هوية الضحية التاسعة ضمن المعلومات المتاحة.
ولم تعلن الجهات المختصة حتى الآن نتائج تحقيقات بشأن الأسباب الفنية للانفجار، أو ما إذا كان ناجمًا عن خلل في القاذف أو الذخيرة المستخدمة، ولم تصدر حصيلة تفصيلية للمصابين وحالاتهم الصحية. ولا تتوافر مؤشرات رسمية تربط الحادث بعمل عدائي أو اشتباكات مسلحة.
ويأتي الحادث في مدينة تعيش منذ سنوات على وقع توترات أمنية متكررة نتيجة انتشار تشكيلات مسلحة متنافسة وتداخل مناطق نفوذها، إلى جانب النزاعات المرتبطة بالسيطرة على الموارد والمرافق الحيوية، ما جعل الزاوية إحدى أبرز بؤر الاضطراب الأمني في الغرب الليبي.
وكانت المدينة شهدت في الثامن من أيار/مايو الماضي اشتباكات عنيفة بين جهاز مكافحة التهديدات الأمنية ومجموعات مسلحة أخرى، عقب إعلان مديرية أمن الزاوية إطلاق عملية أمنية بأوامر من النيابة العامة لملاحقة مطلوبين ومتورطين في أعمال تهدد الأمن العام.
وتركزت المواجهات بالقرب من مصفاة الزاوية النفطية، حيث استخدمت الأسلحة الثقيلة وسقطت قذائف داخل المجمع النفطي، ما دفع شركة الزاوية لتكرير النفط إلى وقف عمليات المصفاة بالكامل وإخلاء الميناء من الناقلات، حفاظًا على سلامة العاملين والمنشآت.
وأسفرت تلك المواجهات، بحسب مصادر طبية ومحلية نقلت عنها وسائل إعلام ليبية، عن مقتل عشرة أشخاص وإصابة عشرين آخرين، فيما وثقت منظمة رصد الجرائم في ليبيا مقتل مدنيين اثنين، بينهما امرأة، وإصابة امرأة أخرى نتيجة سقوط القذائف والشظايا على مناطق سكنية.
كما طالبت عائلات بإجلائها من محيط الاشتباكات، وسط مخاوف من امتداد القتال إلى الأحياء المكتظة بالسكان، في مشهد عكس حجم المخاطر التي تواجه المدنيين جراء استخدام الأسلحة الثقيلة داخل المدينة.
ولم تتوقف الاضطرابات عند مواجهات مايو، إذ شهدت الزاوية خلال الأشهر التالية عمليات اغتيال وتحشيدات مسلحة واشتباكات متجددة، كان أبرزها في آب/أغسطس الماضي، عندما تجدد القتال بين مجموعات متنافسة، ما أدى إلى سقوط ضحايا وإلحاق أضرار بالممتلكات والمنشآت الحيوية.
ودفعت تلك التطورات بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا إلى إصدار تحذير جديد في الحادي عشر من أغسطس، دعت فيه إلى وقف الاقتتال فورًا ومحاسبة المسؤولين عنه، مشيرة إلى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، بما فيها مصفاة الزاوية.
وسبق للبعثة أن حذرت، في أيار/مايو، من استمرار حشد التشكيلات المسلحة وتزايد حوادث الاغتيال في المدينة ومحيطها، معتبرة أن التنافس على النفوذ والسيطرة على الأراضي والوصول إلى موارد الدولة يقوض الأمن ويضعف المؤسسات ويغذي الإفلات من العقاب.
وتكتسب الزاوية أهمية استراتيجية بحكم موقعها على الطريق الساحلي الرابط بين طرابلس ومدن الغرب الليبي، واحتضانها واحدة من أكبر مصافي النفط العاملة في البلاد، بطاقة تكريرية تبلغ نحو 120 ألف برميل يوميًا، ما يجعل أي اضطراب أمني فيها تهديدًا محتملًا لإمدادات الوقود والنشاط الاقتصادي.
وتعكس هذه الوقائع صعوبة فرض سلطة أمنية موحدة في المدينة، رغم تكرار العمليات التي تعلن الأجهزة الرسمية أنها تستهدف الخارجين عن القانون، إذ سرعان ما تعود التوترات نتيجة استمرار تعدد مراكز القوة وتضارب المصالح بين التشكيلات المسلحة.
ورغم أن الانفجار الأخير وقع خلال تدريبات عسكرية، ولا توجد أدلة على ارتباطه بالمواجهات السابقة، فإنه يفتح مجددًا ملف إجراءات السلامة في المعسكرات، وآليات تخزين الذخائر والتعامل مع الأسلحة الثقيلة، ومدى الالتزام بالمعايير الفنية اللازمة لحماية المتدربين والعاملين.
وبينما تواصل الزاوية استعادة هدوئها عقب الحادث، تبقى نتائج التحقيقات المنتظرة ضرورية لتفسير ملابسات الانفجار وتحديد المسؤوليات، في مدينة لا تزال تدفع ثمن سنوات من الانقسام الأمني وانتشار السلاح، وسط مطالب متكررة ببسط سلطة الدولة وإنهاء النزاعات المسلحة التي تهدد حياة السكان واستقرار المنطقة الغربية.

