المسار : سلّطت مجلة “ذي نيويوركر” الأميركية الضوء على تداعيات فوز الرئيس البرازيلي، لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، في الانتخابات الرئاسية، بعد تغلبه على مرشح اليمين المتطرف، فلافيو بولسونارو، بفارق تجاوز 4 ملايين صوت، إذ أشارت إلى أن النتيجة تتجاوز حدود البرازيل، في ظل تنامي الترابط بين التحولات السياسية في دول العالم، والدور المتعاظم الذي تؤديه منصات التواصل الاجتماعي في توجيه الرأي العام والتأثير في نتائج الانتخابات.
وبحسب مقال منشور في المجلة، فإن فوز لولا أعاد الأمل لدى قطاعات من اليسار البرازيلي بإمكانية وقف موجة صعود اليمين المتطرف في البرازيل وحول العالم.
ويأتي ذلك في سياق سياسي دولي شهد تراجع قوى وشخصيات يمينية في بعض البلدان، بالتزامن مع احتجاجات واضطرابات في دول أخرى، تعكس على اختلاف أسبابها حالة متزايدة من السخط على الأوضاع السياسية والاجتماعية.
ويشير المقال إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي باتت تؤدي دورا محوريا في هذه التحولات، إذ تجاوزت وظيفتها تسهيل التواصل بين الناس، لتصبح أداة للتعبئة السياسية وإشعال الاحتجاجات وتوجيه المزاج العام. ويستعيد المقال في هذا السياق محطات انتخابية سابقة، من استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي عام 2016، إلى الاستفتاء الكولومبي على اتفاق السلام مع حركة “فارك”، وصولا إلى انتخاب دونالد ترامب في الولايات المتحدة عام 2016، ثم وصول جايير بولسونارو إلى الرئاسة البرازيلية عام 2018.
وبحسب المقال، استثمرت حملات اليمين المتطرف في تلك المحطات المخاوف المرتبطة بالهجرة والهوية والقضايا الاجتماعية، واعتمدت على رسائل مضللة ومحتويات انتشرت على نطاق واسع عبر المنصات الرقمية. ففي البرازيل مثلا، استخدمت حملة بولسونارو تطبيق “واتساب” لنشر ادعاءات كاذبة بشأن منافسه، وربطه بترويج أفكار تتعلق بما سُمّي “أيديولوجيا النوع الاجتماعي”، في إطار خطاب استثمر المخاوف الاجتماعية والدينية لدى الناخبين.
ويربط المقال بين التجربتين الأميركية والبرازيلية، موضحا أن مسار كل من ترامب وبولسونارو تداخلا في جوانب عدة، بدءا من الخطاب السياسي القائم على مهاجمة المؤسسات والخصوم، مرورا بالتشكيك في نزاهة الانتخابات، ووصولا إلى توظيف المنصات الرقمية في حشد الأنصار. كما يشير إلى التقارب الأيديولوجي بين الرجلين في قضايا البيئة والهجرة والحقوق الاجتماعية، وإلى الدور الذي أدّاه إيلون ماسك في دعم حركات اليمين المتطرف عبر منصته “إكس”.
من التشكيك في الانتخابات إلى محاولة الانقلاب
ويستعرض المقال مسار جايير بولسونارو بعد خسارته الانتخابات الرئاسية أمام لولا عام 2022، بعدما دأب خلال حملته على التشكيك في موثوقية نظام التصويت الإلكتروني، من دون تقديم أدلة تثبت مزاعمه. وبعد فوز لولا، غادر بولسونارو إلى فلوريدا، فيما هاجم آلاف من أنصاره مباني المحكمة العليا والكونغرس والقصر الرئاسي في برازيليا، في محاولة لإعادة تنصيبه، على غرار الهجوم الذي نفذه أنصار ترامب على مبنى الكابيتول الأميركي في كانون الثاني/ يناير 2021.
ويذكر المقال أن بولسونارو أُدين لاحقا بالتآمر لتنفيذ انقلاب، وصدر بحقه حكم بالسجن 27 عاما، قبل نقله إلى الإقامة الجبرية لأسباب إنسانية. ومع تعذّر ترشحه في الانتخابات الأخيرة، حلّ ابنه فلافيو، وهو محام وعضو في البرلمان، مكانه مرشحا لليمين المتطرف، وأبدى الأخير استعداده للانضمام إلى مبادرة “درع أميركا”، التي تتيح نشر قوات في دول أميركا اللاتينية بذريعة مكافحة تهريب المخدرات.
“جيش لولا” يقلب موازين المعركة الرقمية
بيد أن التحول الأبرز في الحملة الانتخابية، وفق المقال، تمثل في قدرة معسكر لولا على منافسة اليمين المتطرف في الفضاء الرقمي، بعدما هيمن أنصار بولسونارو على منصات التواصل لسنوات.
فبعد تقدم فلافيو في الجولة الانتخابية الأولى، أطلق السياسي البرازيلي أندريه جانونيس حملة إلكترونية واسعة، حشد خلالها ملايين البرازيليين ضمن مجموعة أطلق عليها اسم “جيش لولا”. واعتمدت الحملة على تنسيق الرسائل والمحتويات التي ينشرها المشاركون، بما أتاح لها تحقيق أفضلية في التعامل مع خوارزميات المنصات، ومنافسة الشبكات الرقمية اليمينية التي اعتادت السيطرة على النقاش العام.
ويشير المقال إلى أن هذه الحملة واجهت عقبات قضائية وتقنية؛ إذ وقفت المحكمة الانتخابية البرازيلية قناة جانونيس على تطبيق “واتساب” مرتين، استجابة لطلبات من معسكر بولسونارو. وفي المقابل، فرضت المحكمة أمرا قضائيا على شركة “ميتا”، المالكة لمنصتي “فيسبوك” و”واتساب”، بعد أن قدمت حملة لولا أدلة تشير إلى تلاعب بخوارزميات الشركة بما أدى إلى تفضيل بولسونارو في نتائج البحث.
ورغم نفي “ميتا” هذه الاتهامات، أقرت الشركة بوجود مشكلات تقنية وتعهدت بمعالجتها، الأمر الذي أثار قلقا لدى قطاعات واسعة من البرازيليين بشأن احتمال تدخل المنصات الرقمية في مسار الانتخابات. وينقل المقال عن المخرج البرازيلي، والتر ساليس، صاحب فيلم “أنا ما زلت هنا”، قوله إن مثل هذه الممارسات ربما حدثت في انتخابات سابقة في أنحاء أميركا الجنوبية.
تداعيات تتجاوز البرازيل
ويعرض المقال تطورا آخر في أعقاب خسارة فلافيو بولسونارو، إذ يشير إلى أنه غادر البرازيل سرا عبر الحدود الأرجنتينية، قبل أن يستقل طائرة خاصة متجهة إلى فلوريدا، في خطوة سبقت مساعي الشرطة البرازيلية لاستجوابه في إطار تحقيق يتعلق بغسل الأموال. ووفق المقال، تلقى فلافيو مساعدة من حكومتي الأرجنتين والولايات المتحدة، بما في ذلك مساهمة مسؤول في البيت الأبيض في ترتيب الطائرة، قبل السماح له بدخول الولايات المتحدة برفقة زوجته وأطفاله.
وبحسب المقال، لا تقتصر أصداء تجربة جانونيس على البرازيل؛ إذ يلفت أندرسون إلى أن رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، استعان بخدماته في إطار الاستعداد لمعركة انتخابية صعبة، فيما بدأ ناشطون في فرنسا بتبني أسلوبه لمواجهة نفوذ مرشحة اليمين المتطرف، مارين لوبن.
ويشير ذلك إلى أن أساليب التنظيم والتعبئة الرقمية التي استخدمها معسكر لولا باتت موضع اهتمام قوى يسارية في بلدان أخرى، تسعى إلى مواجهة صعود اليمين المتطرف على المنصات، وفق المقال.
ومع ذلك، لا يرى المقال أن فوز لولا أنهى الانقسام العميق في البرازيل؛ إذ لا تزال معدلات الجريمة مرتفعة، فيما تراجعت الأسواق المالية بعد فوزه بعدما كانت قد ارتفعت على وقع التوقعات بانتصار فلافيو بولسونارو، الذي كان يُنظر إليه بوصفه أكثر توافقا مع توجهات المستثمرين.
ويخلص المقال إلى أن أنصار لولا ينظرون إلى النتيجة باعتبارها فرصة لتعزيز الديمقراطية البرازيلية، التي لا تزال هشة أمام التهديدات السياسية والمؤسسية.

